يحمل استهداف إسرائيل لأرفع شخصية عسكرية في حزب الله هيثم الطبطبائي رسائل تتجاوز البعد العملياتي، ليشكل حلقة جديدة في مسار تصعيدي ترى فيه تل أبيب "فرصة لترسيخ قواعد اشتباك جديدة".

ووفق ما كشفه خبراء في برنامج "ما وراء الخبر"، فإن ضربة الضاحية الجنوبية لبيروت عصر الأحد تأتي في إطار إستراتيجية إسرائيلية واضحة تهدف إلى إضعاف البنية العسكرية لحزب الله، وفتح الباب أمام مسار طويل من الضغوط السياسية والأمنية على الدولة اللبنانية والحزب معا.

فمن وجهة نظره، رأى الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن استهداف الطبطبائي كان "هدفا طارئا"، لكنه يندرج في سياق سياسة تصعيد تراكمي اعتمدتها إسرائيل تجاه لبنان، مستشهدا بسلسلة الضربات التي نفذت خلال الأسابيع الماضية.

وقد أفاد مصدر أمني لبناني للجزيرة باغتيال القائد العسكري في حزب الله هيثم الطبطبائي في الغارة الإسرائيلية على الضاحية، والتي أسفرت عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 28 آخرين، حسب وزارة الصحة اللبنانية.

ويؤكد مصطفى أن تل أبيب وصلت إلى قناعة بأن نزع سلاح حزب الله بالطرق التقليدية بات مستحيلا، مما دفعها إلى تبني نهج يقوم على "تدفيعه ثمنا باهظا لاحتفاظه بسلاحه".

وتنطلق إسرائيل من عقيدة ثابتة مفادها بأنها "لا تريد بقاء أي طرف قوي على جبهاتها"، ولذلك فهي مستمرة في سياسة لا تعير فيها اعتبارا لأي اتفاق محتمل مع لبنان "ما لم يتضمن تفكيك البنية العسكرية للحزب".

ويرى مصطفى أن عدم الرد اللبناني يمنح إسرائيل "وضعية مثالية" تسمح لها باستمرار التصعيد من دون كلفة مباشرة، مشددا على أن هذه الإستراتيجية ستُعتمد أيا تكن الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

مشاهد توثّق آثار القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية بالعاصمة #بيروت#فيديو pic.twitter.com/L4I0uVO2Bm

— قناة الجزيرة (@AJArabic) November 23, 2025

"رسالة مختلفة"

وفي السياق ذاته، يعتبر الكاتب والصحفي اللبناني نقولا ناصيف أن العملية تحمل "رسالة مختلفة"، لأنها تستهدف للمرة الأولى منذ أشهر عمق الضاحية الجنوبية.

إعلان

وحسب ناصيف، فإن الضربة تعكس امتلاك إسرائيل "بنك أهداف جديدا"، خلافا للاعتقاد بأنها تفتقر إلى معلومات عن "الجيل الجديد" الذي تولى قيادة الحزب بعد الخسائر التي مُني بها خلال الحرب الأخيرة.

كما يرى أن إسرائيل رفعت مستوى عملياتها من استهداف قيادات صغيرة إلى رأس الهرم العسكري، مما يؤكد أنها باتت تلاحق "العقول الأمنية الجديدة" التي يعاد عبرها ترميم الحزب.

لكن ناصيف تساءل في الوقت نفسه ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى استدراج حزب الله للرد، تمهيدا لتوسيع ضرباتها وعدم حصرها جنوب نهر الليطاني.

موقف واشنطن

أما المسؤول السابق في الخارجية الأميركية توماس واريك، فيؤكد أن واشنطن أُبلغت بالضربة من دون إبلاغها بهوية المستهدف، مشيرا إلى أن الطبطبائي مصنف أميركيا على أنه إرهابي.

ووفق واريك، فإن إسرائيل لن تسمح بتهديد مواطنيها في الشمال في ظل جهود حزب الله لإعادة بناء نفسه وقدراته العسكرية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تريد "أفعالا" من الجيش اللبناني لتنفيذ قرار وقف إطلاق النار، وأنها لا تعد مهمة نزع السلاح قد اكتملت بعد، وخلص إلى أن واشنطن تفهم أن إسرائيل "ستتحرك إن لم تُقدم الدولة اللبنانية على خطوات ملموسة".

مسؤول أمريكي للجزيرة: الوضع هش للغاية وتل أبيب أبلغت واشنطن مسبقا بنيتها شن هجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت.. التفاصيل مع مراسل الجزيرة فادي منصور#الأخبار pic.twitter.com/Gu0OvKQVMG

— قناة الجزيرة (@AJArabic) November 23, 2025

وكثف جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي هجماته على لبنان، مع استمرار تسريبات إعلامية عن خطط لشن هجوم جديد عليه.

ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع حزب الله في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 تخرق إسرائيل يوميا الاتفاق، مما خلّف مئات القتلى والجرحى.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الضاحیة الجنوبیة

إقرأ أيضاً:

رصد إسرائيلي للآثار الإستراتيجية المتوقعة من اغتيال الطبطبائي

ما زالت تبعات أحداث السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 تترك آثارها على الإسرائيليين بعد مرور أكثر من عامين على وقوعه، مما دفع جيش الاحتلال الإسرائيلي للقيام بكل الجهود الوقائية الاستباقية للحيلولة دون حصول المزيد من العمليات المفاجئة، وهو ما تجسد في الاغتيال الأخير للقائد العسكري لحزب الله.

وذكر الجنرال يتسحاق غيرشون قائد المنطقة الوسطى خلال انتفاضة الأقصى، وعضو حركة الأمنيين، في مقاله بصحيفة يديعوت أحرونوت، أن "دولة الاحتلال ترغب في أن تُطبّق الحكومة اللبنانية سيادتها الفعلية على كامل أراضيها، خاصةً في الجنوب، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1701، بزعم أنها مصلحة واضحة للبنان ودولة الاحتلال، بحيث تُعبّد الطريق نحو المبادرة الأمريكية لبناء شرق أوسط أكثر استقرارًا وأمنًا، فقد كنا ندرك ذلك منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 أن قدرة بيروت على الوفاء بالتزاماتها محدودة للغاية".

وأضاف في المقال الذي ترجمته "عربي21" أنه "في الوقت نفسه، يواصل حزب الله وإيران بذل قصارى جهدهما لتعزيزه، واستعادة قدراته، ولذلك لم يكن أمام الاحتلال خيار سوى استهداف أبو علي الطباطبائي، أحد كبار الشخصيات في هيكلية الحزب العملياتية، وهو شخصية ذات خبرة عملياتية، وكفاءة تنظيمية استثنائية، وشكلت هذه الخطوة، التي نُفذت في قلب بيروت، دقيقة وصحيحة، ولم تعد إحباطًا تكتيكيًا، بل إحباطًا استراتيجيًا يتضمن رسالة واضحة وموجزة لجميع الأطراف في المنطقة".

وأوضح أن "هجوم السابع من أكتوبر غيّر الكثير من السلوكيات والسياسات الإسرائيلية، ولم تعد قواعد ضبط النفس، و"ألعاب المعادلات"، و"الصمت يُجاب بالصمت"، ذات جدوى، رغم أن المجتمع الإسرائيلي متوحد حول مفهوم واحد أن "ما كان ليس ما سيكون"، وكأن لسان حال دولة الاحتلال هو "نهاية المعادلات"، أي أن الهجوم على أحد كبار شخصيات الحزب الأكثر خبرة يبعث برسالة مزدوجة، لسان حالها أن قادته على جميع المستويات، ومن بقي منهم، هم أهداف إسرائيلية مشروعة".


وأشار أن "الاغتيال الأخير يعني أن دولة الاحتلال لن تسمح بعد هجوم السابع من أكتوبر بإعادة تأهيل أو تقوية المنظمات والجيوش المعادية على حدودها، ويتوافق هذا الرأي مع التوجه الأمريكي المتنامي، الذي يرى في تفكيك الميليشيات المسلحة غير الحكومية شرطًا أساسيًا لاستقرار المنطقة، وهو ما تدعمه السعودية ومصر، اللتان تدركان التهديد الإيراني بوضوح أكثر من أي وقت مضى، ويخدم هذا التوجه استقرارهما الداخلي، ومصالحهما الاقتصادية".

وأكد أن "المصلحة الجديدة، التي تشترك فيها تل أبيب وواشنطن والرياض والقاهرة، مفادها أنه لن تُحدد الميليشيات المسلحة الأمن الإقليمي بعد الآن، وسيُطلب من لبنان تنفيذ نصيبه من الاتفاقيات، وإلا، ستزيد دولة الاحتلال من عملياتها، وإذا لزم الأمر، ستشن حملة تهدف لمنع مفاجأة أخرى في المستقبل القريب أو البعيد".

وزعم أن "ما حصل في قلب بيروت، يحمل رسالة واضحة إلى حماس، ومفادها إما المضي قدمًا، وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، روحًا ونصًا، أو ستتسبب بعودة الاحتلال إلى القتال، وتطبيق سيطرة مدنية محدودة وأمنية عملياتية واستخباراتية على قطاع غزة، تقريبًا أو مشابهة للضفة الغربية".

وأشار أن "أولى الآثار الأوسع للاغتيال في لبنان التعطيل العملياتي الفوري لأنظمة التخطيط وإعادة هيكلة الحزب، وثانيها أن الضرر الذي لحق طوال الحرب بسلسلة قيادته بأكملها لم يترك العديد من القادة بالخبرة التي امتلكها الطباطبائي، وثالثها أن الاحتلال لم يعد يشتري مبدأ الصمت يُجابه بالصمت، لأن تنظيم وإعادة بناء وتعزيز المنظمات المسلحة على حدودها سبب كافٍ للهجوم، وحتى الحرب، ورابعها الزخم الدبلوماسي للخطوة الأمريكية العربية الجديدة، الهادفة لمنح لبنان الأدوات اللازمة لتطبيق الاتفاق بما يسمح لها بممارسة سيادتها".

وزعم أن "الاغتيال يسعى لإرساء نموذج جديد يتمثل في أن أي رد من حزب الله، حتى لو كان رمزيًا، سيُقابل برد إسرائيلي غير متناسب، بما يعكس التغيير الذي حدث في دولة الاحتلال، والمنطقة بأسرها، أي أن مبدأ التناسب القديم انتهى، مما يستدعي توجيه العديد من التوصيات لصانعي السياسات، وأهمها تعزيز الخطوات التي من شأنها مساعدة الحكومة اللبنانية على ممارسة سيادتها بفعالية لصالح اللبنانيين والمنطقة، ومواصلة الضغط المركز والمكثف على الحزب، من أجل منع إعادة تأهيله بشكل عام، وجنوب الليطاني بشكل خاص".


تحمل هذه السطور توجهات إسرائيلية جديدة للاستفادة من التنسيق الأمريكي السعودي المصري لزيادة الضغط السياسي على بيروت للوفاء بالتزاماتها، فيما يتعلق بنزع سلاح حزب الله، والاستعداد لرد فعل إسرائيلي غير متناسب على أي محاولة من الحزب لتغيير المعادلة، وإبعاده عن مواقع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، ومراقبة توجهات إيران عن كثب، التي لا تزال تحاول استعادة قدراتها وقدرات وكلائها، وتعميق الشراكة مع الولايات المتحدة والدول المعتدلة لعزل إيران.

مقالات مشابهة

  • بالفيديو: في الضاحية الجنوبية.. أميركا والصين وروسيا تبحث عن قنبلة إسرائيلية غير منفجرة
  • نعيم قاسم: اغتيال «الطبطبائي» لن يضعف معنويات الحزب
  • جواسيس في حزب الله.. اعتراف خطير لـ نعيم قاسم بعد اغتيال الطبطبائي
  • الجيش الإسرائيلي يكشف كواليس اغتيال الطبطبائي
  • نعيم قاسم يتوعد إسرائيل بالرد على اغتيال الطبطبائي
  • عاجل. حزب الله يؤكّد حقّه في الرد على اغتيال الطبطبائي.. وإسرائيل تتوعّد بـ ردّ أشدّ
  • أمين عام حزب الله يهدد بالرد على اغتيال الطبطبائي.. سنحدد التوقيت
  • حزب الله: اغتيال الطبطبائي “اعتداء سافر”… وهناك اختراق وعملاء
  • عن إغتيال الطبطبائي في الضاحية الجنوبية... ماذا قالت صحيفة إسرائيليّة؟
  • رصد إسرائيلي للآثار الإستراتيجية المتوقعة من اغتيال الطبطبائي