حين يتحول المنصب إلى أداة للإذلال
تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT
د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **
في أروقة المؤسسات الخدمية، يظهر أحيانًا نمط سلوكي مثير للجدل ودخيل على مجتمعاتنا؛ حيث نرى مسؤولًا يتعالى على موظفيه، ويضع العراقيل أمام المراجعين، ويشعر بالنشوة كلما أهان من حوله.
هذا السلوك ليس مجرد غرور عابر، بل يرتبط بآليات نفسية عميقة تكشف عن خلل في إدراك المعنى الحقيقي للسلطة والهوية.
تشير دراسة منشورة في "مجلة علم النفس التطبيقي"Journal of Applied Psychology إلى أن بعض الأفراد عندما يحصلون على سلطة دون ضوابط أخلاقية، تتضخم لديهم نزعة السيطرة، ويبدأون في ممارسة ما يُعرف بـ"الاستبداد الصغير" (Petty Tyranny). هذا النمط يتسم بفرض القيود غير الضرورية، الإهانة العلنية، والتلذذ بإشعار الآخرين بالدونية، بهدف تعزيز شعورهم الداخلي الهش باستخدام القوة والتعالي واستنقاص الأخرين.
علم النفس السلوكي يُفسر هذه الظاهرة من خلال مفهوم "التعويض النفسي"؛ فالمسؤول الذي يفتقر إلى الكفاءة الحقيقية أو يُعاني من صراعات داخلية متجذرة، يلجأ إلى إذلال الآخرين كآلية دفاعية لتعويض شعوره بالنقص والدونية. في هذا السياق،
كما وجدت دراسة أخرى في مجلة "الشخصية وعلم النفس الاجتماعي" Personality and Social Psychology Bulletin أن الأفراد ذوي "الأنا الهشَّة" يميلون إلى العدوانية اللفظية عندما يشعرون بتهديد مكانتهم، حتى لو كان التهديد وهميًا وغير مؤثر.
لقد بلغ الأمر ببعض القيادات المتعالية إلى حدّ الاعتقاد بأن ترشيحهم لموظف ما لوظيفة أو منصب معين يُعدّ منّةً أو دينًا مستحقًا، يجب على ذلك الموظف سداده طيلة حياته المهنية من خلال إظهار معاني الطاعة العمياء والخضوع الدائم. وهذا تصور خاطئ؛ إذ إنّ عملية الترشيح لا تعدو كونها جزءًا من مسؤوليات القائد وواجبات المنصب الذي يشغله.
لكن لماذا يشعر هذا المسؤول بالنشوة عند إهانة وإذلال الأخرين؟ هنا يظهر دور هرمون "الدوبامين" المرتبط بمراكز المكافأة في الدماغ.
وفقًا لأبحاث نشرتها مجلة "علوم الأعصاب الطبيعية" Nature Neuroscience، فإن السلوكيات التي تمنح شعورًا بالسيطرة المطلقة تُحفِّز إفراز الدوبامين؛ مما يجعل الإذلال بالنسبة للبعض تجربة "مُكافِئة" مريحة لهم نفسيًا، رغم أنها ممارسة سامة اجتماعيًا وإداريًا.
لكن.. ما النتيجة المتوقعة لوجود هذا النوع من القيادات السامة؟
النتيجة خلق بيئة عمل مشحونة بالتوتر والكراهية وطاردة للكفاءات، انخفاض في الإنتاجية، وتآكل الثقة المؤسسية.
والحل يبدأ من بناء ثقافة تنظيمية تضع حدودًا واضحة للسلطة، وتعزيز قيم الاحترام والمساءلة. فالمسؤول الحقيقي لا تُقاس قوته بكمية الإهانات التي يوزعها هنا وهناك؛ بل بقدرته على تمكين الآخرين واحترامهم.
** باحث أكاديمي
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
عندما تكون الألعاب الالكترونية أداة تدمير للأطفال
حب الأبناء غريزة فطرية أودعها الله سبحانه وتعالى في قلوب الوالدين، وقد تكون تلبية رغبات أطفالنا وتوفير كافة متطلباتهم جزءًا مهمًا من هذا الحب المتدفق من أعماق القلوب. ولكن ربما يسهم هذا الحب في تدميرهم دراسيًا وسلوكيًا وحياتيًا. كيف ذلك؟
من الملاحظ أن ثمة ظاهرة أصبحت أكثر ظهورًا بين الأطفال، وهي اعتكافهم المبالغ فيه على أجهزة الحاسوب من أجل اللعب لساعات طويلة يوميًا، الأمر الذي بات يشكل خطرًا داهمًا عليهم.
فهذا الإدمان على الألعاب الإلكترونية أفرز مجموعة من الملاحظات والتخوفات، وأوجد عددًا آخر من المشكلات النفسية لدى الأطفال، خاصة في الأعمار الصغيرة.
إن الألعاب الإلكترونية المجانية أصبحت وجبة دسمة بالنسبة للأطفال، خاصة مع تطور الألعاب التي تحاكي أعمارهم الصغيرة، ثم تنقلهم مباشرة إلى مستويات كبيرة. ولهذه الألعاب أضرار كثيرة على الأطفال، سواء على الجانب الصحي أو التعليمي، بعد أن أخذتهم إلى مناطق أبعد من الواقع الذي يعيشون فيه. بل جلبت إلى أهلهم الكثير من العناء والمشكلات التي أصبحت تقلقهم بشكل كبير.
هذه الألعاب جعلت بعض الأطفال يعيشون في عالم ليس عالمهم، بل عالمًا مليئًا بالتخيلات الوهمية التي لا تمت إلى الواقع الذي يعيشون فيه بصلة. فقد يحدثك الطفل الصغير عن شخصيات خارقة، معتقدًا بأن كل ما تقوم به هذه الشخصيات في الألعاب حقيقي وموجود في الحياة!
وبحسب ما تم نشره إلكترونيًا حول هذا الموضوع، أكد الخبراء والمختصون أن إدمان الطفل للألعاب الإلكترونية هو سبب مباشر في التأثير على مستواه التحصيلي في المدرسة.
وهذا يتضح من خلال تراجع الدرجات وضعف التركيز وكثرة المشاكل بينه وبين زملائه في الفصل والمدرسة معًا.
كما أظهرت الدراسات العلمية والتربوية أن إدمان الألعاب الإلكترونية أسهم في خلق سلوكيات عدوانية وعنف مفتعل ناتج عن مشاهدتهم لمثل هذه الأشياء في الألعاب.
ومن خلال الواقع، لاحظت العائلات أن أطفالهم أصبحوا يميلون كثيرًا إلى العزلة الاجتماعية، وتدهور صحتهم الجسدية، كالجلوس لساعات طويلة وقلة الحركة، بالإضافة إلى التأثيرات النفسية مثل القلق والكآبة والشعور بالملل. وهذا يلاحظ أكثر عندما يرفض الطفل الالتزام بحضور الحصص المدرسية.
منذ أيام قليلة، شكت لي إحدى الزميلات في بيئة العمل من مشكلة تعرض لها طفلها الذي لم يتجاوز التاسعة من عمره، وكيف أثرت الألعاب الإلكترونية على حياته اليومية. حيث أصبح ارتباطه وطيدًا بالشخصيات التي يتابعها في الألعاب، فخياله الواسع جعل جميع الطلبة ينفرون منه.
وأصبح يعتقد أن غرفة الصف الدراسي بها مخبأ سري يوصل إلى جوف الأرض، ويتخيل أشياء غير منطقية وليست واقعية. ثم يتملكه الخوف كثيرًا، ويخترع القصص واحدة تلو الأخرى، وأصبح كثير الكذب لأن خياله أكبر من عمره!
قالت: إن ذهابها إلى المدرسة أصبح شيئًا مؤرقًا لها، حيث بدأ الطفل يظهر كشخص مختلف عن بقية الأطفال في عمره. وبعد متابعة الحالة مع المختصين، أكدوا أن ارتباط الأطفال بالحواسيب ودخولهم إلى الألعاب الإلكترونية قد يسهم في حدوث بعض المشكلات لهم، كفرط الحركة وعدم التركيز وغيرها. ولذا حاولت تقليل أوقات استخدامه للأجهزة الإلكترونية. في البداية كان الأمر صعبًا جدًا مع إصراره على اللعب لوقت طويل، لكنه كان ينسى نفسه ويظل طويلاً يحاكي اللاعبين الآخرين.
وأكدت أن بعض الألعاب الإلكترونية تمثل خطرًا داهمًا على عقول الأطفال، وقد يقعون في مشكلات أسرهم في غنى عنها. وكم سجلت الكثير من الحوادث الحزينة مثل الاستغلال، والنهايات القاسية لبعض الأطفال، مثل الانتحار.