تعد الرؤية الإخراجية المسرحية، باعتبارها مساحة تتقاطع فيها الفكرة الفنية مع تحديات الإنتاج، وتتحول فيها السينوغرافيا إلى لغة ذهنية تتجاوز الإضاءة والديكور، خاصة في زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويؤكد المخرج إلى أن النص هو منطلق البناء البصري، وأن الفكرة والممثل يظلان الركيزة الأهم لأي عرض ناجح. كما يناقش ضرورة الموازنة بين طموح المخرج وتوقعات الجمهور، مستعرضا واقع الإنتاج المسرحي العربي ودور الدعم الثقافي في استدامة الفرق المستقلة.

ويختتم بانطباعاته عن مشاركته في مهرجان الدن الدولي، مشيدًا بمستوى التنظيم وتنوع العروض وشغف الشباب القائمين عليه.

في هذا الحوار يجيب الفنان العراقي أنس عبدالصمد "مخرج ومؤلف مسرحي" ويتحدث عن أبرز التساؤلات المتعلقة في مجال المسرح.

كيف تتصور الرؤية الإخراجية والسينوغرافيا قبل بدء العمل؟

أوضح مخرج، إلى أن الرؤية الإخراجية والسينوغرافيا تنطلق دائما من النص، بوصفه القائد الأول لتشكل الصورة البصرية والطرح الإبداعي. ففي المرحلة الأولى، يبدأ المخرج بوضع مقترحات الرؤية العامة للعمل، لتتولد السينوغرافيا تبعا لاحتياجات النص والمعالجة الدرامية. وإلى الفكرة الجوهرية تعد الركيزة الأساسية للعرض، وهي ما يحرص على إبرازها منذ البداية تماما كما نجد في نصوص شكسبير التي تتمحور حول فكرة مركزية.

وأضاف، إلى أن في أعمالنا ومن بينها مسرح عملت على أن تكون الفكرة الرئيسية حاضرة بقوة، تنبثق عنها أفكار فرعية ترتبط بها وتغذيها، لكنها تظل جميعا قائمة على العمود الفقري للعرض، الفكرة المركزية الأكثر وضوحا وتأثيرا وربما الأكثر غموضا في بعض الأحيان.

إلى أي مدى تعتقد أن السينوغرافيا اليوم أصبحت لغة مستقلة داخل العرض المسرحي؟

لقد أصبحت السينوغرافيا اليوم، في ظل التطور التكنولوجي الهائل وسرعة انتقال الصورة حول العالم في لحظات، عنصرا لا يمكن للمخرج تجاهله. لم تعد السينوغرافيا محصورة في الإضاءة أو الديكور كما كان يعتقد قديما، بات مفهومًا أوسع يرتبط بما يتشكل في ذهن المتلقي، لا بما يراه فقط على الخشبة.

ومن هنا تأتي مسؤولية المخرج في ابتكار سينوغرافيا جديدة ومتجددة، قادرة على مجاراة هذا التغيير الهائل، ومؤسسة على فهم عميق لدور الصورة في التأثير والإيحاء. نحن اليوم أمام عصر تكنولوجي يجرف كل شيء، وعلى المخرج الواعي والمتابع أن يشتغل على سينوغرافيا مستدامة.

وتقوم هذه الاستدامة على جزأين رئيسيين: ديمومة السينوغرافيا داخل العرض، بحيث تنسجم مع الفكرة المركزية وتتفرع عنها الأفكار الثانوية دون أن تفقد اتصالها بالمعنى الرئيس، ديمومتها في ذهن المتلقي بعد انتهاء العرض فالأثر البصري والفكري الذي يبقى عالقا في الذاكرة هو ما يمنح العرض قوته الحقيقية ويحول السينوغرافيا إلى جزء مكمل للفكرة والمشهد.

فالسينوغرافيا اليوم ليست عنصرًا تجميليًا وإنما إحدى الأدوات الأكثر تأثيرا في تشكيل رؤية العرض وترك أثره العميق في وجدان الجمهور.

ما العناصر التي تراها لا غنى عنها لنجاح أي رؤية إخراجية؟

العناصر المهمة في العرض المسرحي كما أراها تبدأ بالفكر. فسر بقاء المسرح واستمراره هو وجود فكرة حقيقية تقود العمل وتمنحه عمقه ومعناه. ثم يأتي الممثل، وهو أحد أهم ركائز العرض فحين يجتمع الفكر مع حضور الممثل تتشكل قاعدة العمل التي تتقاطع مع رؤية المخرج وما يريد أن يقوله عبر أدواته المختلفة الممثل، والسينوغرافيا، والنص.

النص بدوره عنصر محوري، وقد يكون نصا جسديا يعتمد على التعبير الحركي، أو نصا لفظيا منطوقا، لكن في النهاية يعود كل شيء إلى الممثل، فهو العنصر الرئيسي في المسرح. فالجمهور يدخل القاعة ويحجز وقته واهتمامه، هو في الحقيقة جمهور يعيش في زمن سريع الإيقاع، متأثر بالتكنولوجيا، وبوجود هاتفه الذي لا يفارقه. وعندما تُطفأ الإضاءة، يبدأ التحدي الحقيقي: كيف تبقي هذا الهاتف في جيبه؟ كيف تشد انتباهه وتمنحه تجربة تستحق التركيز؟

هنا يأتي دور العرض المسرحي في أن يقدم أفعال مسرحية ترتبط بذاكرة المتلقي، وبحسه النفسي، وتمنحه خلال ساعة واحدة لحظات تجمع بين المتعة والمعرفة. وهذه الغاية التي نسعى إليها كمخرجين وممثلين، وهي ذاتها ما يبحث عنه الجمهور حين يأتي إلى المسرح.

كيف توازن بين رؤيتك الفنية وتوقعات الجمهور؟

يمثل التوازن بين الرؤية الفنية للمخرج وتوقعات الجمهور أحد أكبر التحديات في العمل المسرحي، فهو صراع دائم داخل المنظومة المسرحية ففي كثير من الأحيان ينطلق المخرج برؤى جديدة ومتقدمة قد تقترب من المتلقي حينا وتبتعد عنه حينا آخر. وهنا تظهر أهمية ذكاء المخرج في إدارة هذا التوازن فلا يكون العمل نخبويا بالكامل، ولا ينزلق في المقابل إلى مستوى يبتعد عن جوهرة الفن المسرحي.

المسرح في جوهره فضاء لطرح الأسئلة، وتحفيز المتلقي على البحث عن إجابات يكتشفها بنفسه وفق تجربته ورؤيته. ومن خلال هذا التفاعل تتولد لحظة الفكر المسرحي التي تعيد تشكيل وعي المتلقي، وتفتح أمامه أفقا جديده لفهم العالم من حوله.

لذلك فإن تحقيق التوازن لا يقوم على معادلة جامدة يكون على فهم عميق للجمهور بوصفه العنصر الأهم داخل القاعة المسرحية. فكلما كانت الأفكار المطروحة قريبة من معاناة الناس وقصصهم وتراثهم.

ما أهمية اللون في العرض؟ وكيف تستخدمه لتوجيه إحساس المتلقي؟

بالنسبة للون، فقد أصبح أحد العناصر التي شهدت تغيرا كبير داخل العروض المسرحية، خصوصا مع التطور التقني في الإضاءة. وعن تجربتي الشخصية، يمكنني القول إنني غادرت فكرة تعدد الألوان، وأصبحت أعمل في كثير من الأحيان على لون واحد فقط، اللون الطبيعي أو استخدام درجاته المختلفة لخلق الحالة المطلوبة.

أما إذا كان الحديث عن اللون في الأزياء، فهو بلا شك عنصر مهم في تقريب الحياة الطبيعية إلى عين المشاهد، ويسهم في تشكيل الإيقاع البصري للمشهد، ويعد جزء أساسيا من السينوغرافيا. لكن الاعتماد التقليدي على رمزية الألوان كالأحمر للدلالة على الخطر أو الأصفر للغيرة لم يعد فعالا في زمن التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.

نحن بحاجة إلى بدائل أكثر عمقا تستند إلى أداء الممثل. فالمتلقي يجب أن يرى اللون عبر فعل الممثل وطاقته وحضوره، لا من خلال صورة مباشرة أو رمز جاهز. هذه هي الرؤية التي أؤمن بها، وهي ما يمنح اللون دوره الحقيقي داخل التجربة المسرحية.

ما أبرز التحديات الإنتاجية التي تواجه المسرح اليوم؟

تواجه العملية المسرحية تحديات إنتاجية كبيرة، فالمسرح هو عمل جماعي تتداخل فيه أدوار فنية وتقنية ومؤسسية، الأمر الذي يجعل إدارة الإنتاج عنصرا أساسيا حتى في العروض التي تخلو من الديكور الضخم، لذلك لا بد أن يدار المسرح من خلال مؤسسة، سواء كانت أهلية أو مستقلة، لأن العمل الفردي لا يكفي لخلق عرض متكامل.

وأنا أميل إلى دعم الفرق الأهلية التي تشق طريقها رغم ما تعانيه من صعوبات إنتاجية، لكنها تمتلك جمهورها، وتؤمن برسالتها الثقافية. ولهذا يكون دعم الدولة للمشهد الثقافي أمرا حيويا، وهو ما نلمسه من خلال المهرجانات والفعاليات التي تتبناها الجهات الرسمية فهذا الدعم، إضافة إلى الاجتهادات الفردية، هو ما حافظ على حركة المسرح العربي واستمراره حتى اليوم، ولولاه لكان المشهد أكثر هشاشة وتراجعا.

برأيك ما الذي يجعل العرض المسرحي ناجح؟

إن نجاح العرض المسرحي، في رأيي، يرتبط بقدرته على أن يكون صادقا وحقيقي في كل تفاصيله فحتى لو كانت السينوغرافيا بسيطة أو محدودة الإمكانات، فإن صدق الأداء ووضوح الرؤية الإخراجية كفيلان بأن يصلا إلى الجمهور بقوة، وهذا ما أثبتته التجارب.

شهدنا في المقابل عروضا ضخمة الإنتاج لم تستطع ملامسة الجمهور لأنها افتقدت ذلك الصدق الداخلي والهوية الواضحة. لذلك أؤمن بأن المسرح يكمن في أن يكون الفنان صاحب مشروع، وصاحب أسلوب، وقادرا على تقديم حقيقة فنية تمس المتلقي، بغض النظر عن حجم الإمكانات.

ما هو شعورك بمشارتك في مهرجان الدن في نسخته الخامسة وما أهم ما يميزها؟

هي زيارتي الأولى لسلطنة عُمان، وقد تزامنت مع حضوري لمهرجان الدن، ما أتاح لي فرصة مشاهدة عروض متنوعة ومستوى تنظيم رائع أثار إعجابي منذ اللحظة الأولى.

وأكثر ما لفت انتباهي أن هذا التنظيم يقوده شباب شغوفين بالمسرح، يعملون بإتقان رغم قلة عددهم، مدفوعين بصدق محبتهم للفن.

ما يميز مهرجان "الدن" فعلًا هو تنوع محاوره، من مسرح الشارع إلى مسرح الطفل وصولًا إلى عروض الكبار، إضافةً إلى اختيارات فنية متعددة في الأسلوب والهوية. فقد شاهدت في اليوم الأول عرضا بأسلوب مختلف تماما عن عرض اليوم الثاني، وهذا التنوع يمنح المهرجان شخصية خاصة ويجعل كل يوم في تجربة جديدة.

لذلك أرى من الضروري المحافظة على هذه السمة التي تمنح المهرجان تفردا على مستوى العالم العربي أنا سعيد جدا بهذه الزيارة، وممتن لحفاوة الاستقبال منذ لحظة وصولنا إلى المطار، وللجهود الكبيرة التي يبذلها القائمون على المهرجان لخدمة الفرق الزائرة. ونأمل أن نرد هذا الجميل بتقديم عرض يليق بالمهرجان وبالجمهور العماني في يوم الختام.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: العرض المسرحی من خلال

إقرأ أيضاً:

دراسة ألمانية: عدد شهداء غزة يتجاوز 112 ألفاً

كشفت دراسة حديثة لمعهد ماكس بلانك الألماني أن عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قد يتجاوز 112 ألف شهيد، بينهم 27% أطفال، وهو رقم أعلى بكثير من تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية التي قدرت الشهداء بنحو 70 ألفاً.


الفجوة بين الأرقام الرسمية والتقديرات المستقلة

أكد الباحثون أن وزارة الصحة الفلسطينية قد تقلل الأعداد بنسبة 35% إلى 41% ، حيث لا تشمل الإحصاءات الرسمية النساء والمسنين والموجودين تحت الأنقاض.


المنهجية البحثية: ديمغرافيا ومسح شامل

استندت الدراسة إلى نماذج ديمغرافية، مسح للمنازل، تقارير رسمية، وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي، لتقديم تقديرات دقيقة لأعداد القتلى في القطاع.


تداعيات الحرب على السكان: انخفاض العمر المتوقع

أظهرت الدراسة انخفاض متوسط العمر المتوقع في غزة إلى:
46 عاماً للنساء
40 عاماً للرجال
في عام 2024، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية والصحية التي يعانيها السكان.



وصف الوضع بالإبادة الجماعية

قال الباحثون إن نمط الوفيات يتوافق مع الإبادات الجماعية أكثر من الصراعات العسكرية التقليدية، محذرين من أن عدد القتلى الفعلي قد يكون أعلى بكثير مما أُعلن رسمياً.


ردود الفعل والغضب الرقمي

أثارت الدراسة صدمة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي:
الكاتب تريتا بارسي وصف تقديرات المعهد بأنها صادمة، متسائلاً عن موقف الغرب تجاه المحكمة الدولية.
الصحفية كريستين نيل أكدت أن الأرقام الواقعية أعلى، مشيرة إلى قنابل تساوي 7-10 أضعاف قنابل هيروشيما سقطت على غزة.
الناشطة خلود تساءلت عن غياب الغضب الإعلامي الغربي ، معتبرة أن الإعلام يعمل على تطبيع قتل الفلسطينيين.

المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين الهباش يدين الاعتداء على قاضي محكمة بيت لحم الشرعية شهيدان بنيران الجيش الإسرائيلي وسط وجنوب قطاع غزة حماس تؤكد التزامها بإنهاء مسار تبادل الأسرى الأكثر قراءة نيويورك تايمز : هنا يرسم مستقبل غزة بدون الفلسطينيين  هل نحن أمام فجر جديد أم إعادة تدوير الماضي محدث: شهيدان برصاص الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة الجيش الإسرائيلي يواجه أزمة في ضباط الخدمة الدائمة ونقص في الجنود عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2025

مقالات مشابهة

  • الفيصلي يتجاوز الأهلي بفوز ثمين 
  • ماستر كلاس للمخرجة جيهان إسماعيل بمهرجان شرم الشيخ للمسرح الشبابي
  • مازن الغرباوي: عروض المهرجان تبث بشكل مباشر يوميًا
  • مازن الغرباوي: شرم الشيخ للمسرح اعتمد على مبدأ التواصل بين الثقافات من بدايته
  • طقس الصباح الباكر.. ضباب وتدني مدى الرؤية على 4 مناطق
  • دراسة ألمانية: ضحايا حرب الإبادة في غزة يتجاوز 100 ألف شهيد
  • مدبولي: حجم التجارة بين مصر والجزائر لا يزال دون الإمكانات الحقيقية للبلدين
  • "عبور وانتصار" يواصل نجاحه ويمد ١٥ ليلة إضافية للجمهور
  • دراسة ألمانية: عدد شهداء غزة يتجاوز 112 ألفاً