صحيفة الاتحاد:
2025-11-29@15:03:29 GMT

د. عبدالله الغذامي يكتب: ترامب يحب توقيعه

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

يقول ترامب (أحب توقيعي وأفخر به)، وذلك في خطابه يوم ثلاثين سبتمبر 2025، حيث تكلّم لأكثر من ساعة مع جنرالات الجيش الأميركي، وكان فيه متجلياً وطافت به الأحاديث مستطرداً ومستعرضاً وسط صمت عسكري مطبق بانضباط مهيب، بينما كان ترامب مرتاحاً وهو يطوف في خطابه من موضوع إلى موضوع معظمها يشبه التجليات الذاتية، ومن معتاده أن يأخذ الأمور بتلقائيةٍ وانسيابية غير معتادة في خطابات السياسيين، فهو يتحدث عن ذائقته الخاصة وطريقة حياته اليومية، وأكثر ما لفت اهتمامي هو حديثه عن توقيعه، وهو توقيعٌ طويلٌ ومعقد تماماً كحال خطاباته في الطول ولكن ليس في التعقيد، وهذه المفارقة بين ما يرسمه بيده وما ينطقه بلسانه هي مفارقةٌ لافتة، فتوقيعه يشرح شخصيته في مهارة الالتواءات والالتفاف، وهي سمة في حديثه وتنويعاته الأسلوبية، وكأنه يرسم خطوط الكر والفر بحرية يختارها ويقررها بنفسه، وكلنا نعتمد توقيعاً يلازم حركة أصابعنا ولا يغادرها حتى لا نحتاج إلى النظر للورق ولا لتذكر كيف نوقع، بل إن التوقيع يأتي تلقائياً بمجرد ما نقرر أن نوقع وهو مرسوم في أذهاننا وفي لغة الجسد، ويبدو أننا نختار تواقيع تحاكي نظام حركتنا الجسدية ومن ثم تسهل علينا تحريك القلم مع التوقيع، والقلم يتولى ترجمة التجسيد الذهني للتوقيع ويحولها إلى واقع يشرح معنى كلمة توقيع في لغتنا العربية، فهي تعني تحويل شيء ذهني إلى شيء واقعي، ولا بد لهذا التحويل القسري أن يمضي بتلقائية مثل تلقائية خروج النفس من صدورنا، وهذه سيرة توقيعاتنا، ولكن حين ننظر إلى توقيع ترامب وننظر في حركاته حين تلتقط الكاميرات يده وهي ترسم التوقيع، يتبدى أن يده تتحرك بانضباط محكم لا يتماثل مع الانسيابية في خطاباته، فهو يرسم التوقيع بكامل تقاطعاته الهندسية الطويلة والمعقدة، ويمنح يده وقتاً كافياً لتحقيق الانضباط والدقة المطلقة، وفي المقابل تأتي خطاباته مغايرةً لحال توقيعه، فهو يترك نفسه تنساب مع الأحاديث والاستطرادات، ويتنقل ما بين الموضوعات دون رابط، وأحياناً دون أن تستدعيها الحال.

ويندر أن يلتزم بموضوع واحد حتى وإن كان الحديث مخصصاً في الأصل لموضوع واحد، وكذلك هي حال أجوبته على الصحفيين، حيث يظل يقفز خارج مادة السؤال ثم ينصرف فجاءةً إلى سائل آخر قبل أن يكمل جوابه على الأول، ومثل ذلك تأتي مشيته خارج أنظمة البروتوكول، فلا يلتزم ببروتوكول السلوك الرسمي، كما حدث في قلعة وندسور في بريطانيا، حيث راح يمازح الحرس الملكي خارج شروط المعتاد، ويبدو أن العالم كله تآلف مع شخصية ترامب وحركاته الجسدية واللغوية، ومن ثم يتبدى التوقيع وكأنه حالةٌ سحريةٌ لإحداث الدهشة لكل من ينظر إليه وهو يوقع، وتركز الكاميرات عادةً عليه أثناء التوقيع كما حدث يوم تنصيبه، حيث وقع على عددٍ ضخم من الأوامر وهو هادئ البال رغم خطورة ما كان يوقّع عليه، وكأنه بهذا يمارس إشغال العيون كما يمارس إشغال الأسماع في كل لحظات حياته في القول وفي المشي وفي حركة اليد مع التوقيع، وهو في ولايته الثانية أشد إدهاشاً من ولايته الأولى. وتبدو عليه الثقة المفرطة في الولاية الثانية ربما لأنه أحس بالنصر منذ لحظة إعلان النتائج مع اكتساح الولايات الأميركية باللون الأحمر، وهي صورةٌ يبدو أنها مرسومة في ذهنه وتلازمه كملازمة توقيعه له، والتوقيع ومشية النصر أصبحتا أهم علامات ترامب مع قبعة ماجا (MAGA).
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود - الرياض

أخبار ذات صلة بوتين يعلّق على لقاء محتمل مع ترامب بشأن أوكرانيا ترامب يعتزم وقف الهجرة بشكل دائم

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: عبدالله الغذامي دونالد ترامب ترامب الغذامي

إقرأ أيضاً:

إبراهيم شقلاوي يكتب: أحمد رجب وصناعة الوعي

في قلب الحرب التي تعصف بالسودان، يتجلّى الدور الصاعد للشباب في الإعلام الرقمي كواحد من أهم التحولات الاجتماعية والسياسية في البلاد. فهذه الظاهرة ، امتداد طبيعي لأنماط شهدتها دول خرجت من صراعات قاسية وتمكّنت عبر أدوات الإعلام الجديد من إعادة تعريف ذواتها واستعادة قوتها الخشنة والناعمة رغم الانهيار المجتمعي و الخزلان السياسي.

إن صعود أسماء شبابية مثل أحمد صبري رجب يعكس نقلة نوعية في دور الإعلام “المواطن الصحفي” ، حيث لم يعد صانع المحتوى مجرد فاعل ثقافي، بل أصبح جزءًا من معادلة القوة داخل بيئة الصراع. فالحرب في السودان لم تعد حربًا بالسلاح وحده، بل حرب أفكار وشرعية، تستهدف تشكيل الوعي العام كما أكد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك حين وصفها بأنها “حرب تُدار بالوكالة وتستهدف بنية الدولة ومواردها”.

إن آلاف الشباب الذين لبّوا نداء “حرب الكرامة” لم يحملوا السلاح فقط، بل حملوا الكاميرا والقلم والمنصات التفاعلية، وصنعوا رواية مضادة لماكينات التضليل، وأسهموا في إعادة الثقة للسودانيين، بإمكانية عودة الحياة إلى الخرطوم واستعادة الدولة لمواقعها. ومن هنا يبرز نشاط صبري وغيره من الشباب السوداني باعتباره استجابة وطنية مبتكرة تستعمل الإعلام الرقمي لتعزيز الثقة، وبناء المعنويات، وتثبيت رواية الدولة.

وتكريم شركة زين لصبري بالأمس كصانع للمحتوي ، إشارة إلى دخول القطاع الخاص على خط تشكيل الوعي العام ودعم خطاب الدولة في لحظة التواثق الوطني وتراص الصفوف لنصرة البلاد. وهذه خطوة تتسق مع تحول عالمي تعتبر فيه الشركات الكبرى المنتبهة، الإعلام الرقمي جزءًا من الأمن المجتمعي.

وعلى المستوى السياسي، فإن حضور محتوى وطني واسع الانتشار يمثل استعادة سيادة الدولة على مجال الإعلام والمعلومات. فالصور التي ينشرها صبري عن عودة الخدمات والتعافي، أو تلك التي تفضح الانتهاكات الوحشية في الفاشر، تتحول إلى رسائل سياسية تستعيد الثقة الداخلية، وتضع المجتمع الدولي أمام مشاهد توثّق حجم الألم السوداني. لقد أعاد الشباب تشكيل صورة السودان أمام العالم حين صنعوا موجة تضامن واسعة مع ضحايا الفاشر، كاشفين بشجاعة جرائم الدعم السريع وداعميه.

ومن منظور سياسي أوسع، يتقاطع هذا الدور مع واحدة من أهم قضايا الأمم المتحدة الحديثة: كيف يتحول الإعلام الرقمي من أداة لتغذية الصراع إلى أداة لتعزيز الأمن والسلام و الاستقرار؟

وفي السودان، تتجلى الإجابة: شباب صنعوا إعلامًا وطنيًا مضادًا للفوضى والتضليل، وأعادوا بناء جسور الثقة بين المجتمع والدولة. ولفهم هذا التحول، يجدر النظر إلى تجربتين إقليميتين بارزتين: التجربة اللبنانية حين سقطت مؤسسات الدولة “1975 – 1990” ، حمل شباب الإعلام الرقمي العبء الأكبر في كشف التآمر وصناعة سردية وطنية جديدة أساسها وحدة البلاد. منصات مثل Megaphone أعادت تشكيل الوعي الجمعي، وصارت مصدرًا موثوقًا يفوق الإعلام التقليدي.

كذلك التجربة الرواندية “1990 – 1993” بعد الإبادة الجماعية، أدركت رواندا أن معركة البناء تبدأ من معركة الوعي. فأسست إعلامًا شبابيًا إيجابيًا يواجه خطاب الكراهية، ويزرع الثقة بين الناس ، ويعيد تشكيل صورة الدولة عالميًا.

ومن خلال مقارنة هذه التجارب مع ما يقوم به شباب السودان اليوم، يتضح أن صعود أحمد صبري وأمثاله، ليس حدثًا استثنائيا، بل ولادة فاعل اجتماعي سياسي جديد أصبح جزءًا من معادلة القوة في السودان ما بعد الحرب، وحارسًا لوعي المجتمع في لحظة السقوط والنهضة.

إن هذا الدور المهم لا يرمم فقط الشرخ الاجتماعي الذي أحدثته الحرب، بل يؤسس لمرحلة يكون فيها الإعلام الرقمي أحد ركائز استعادة الدولة لسيادتها ومكانتها الإقليمية والدولية.

تجدر الإشارة بحسب #وجه_الحقيقة في هذا السياق إلى أن رعاية هذه المواهب والمبادرات لا يمكن أن تظل جهودًا فردية أو مبادرات من شركات خاصة ، بل تحتاج إلى حضور واضح للمؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الثقافة والإعلام. فهذه المؤسسات تمتلك القدرة على تحويل التجارب الفردية إلى مشاريع وطنية مستدامة، من خلال وضع سياسات داعمة، وتوفير منصات تدريب وتمويل، وخلق بيئة ترعى الإبداع وتستثمر فيه باعتباره قوة ناعمة وفاعلة تساهم في إعادة بناء الدولة وترميم النسيج الاجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الخميس 27 نوفمبر 2025م [email protected]

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2025/11/27 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة المملكة وسعيها لإحلال السلام في السودان2025/11/27 مقال البرهان في صحيفة وول ستريت جورنال2025/11/27 معركة الفاشر برهنت حقيقة قاسية للمليشيا2025/11/27 العميل سلك وآخرين2025/11/27 تبيّن في النهاية إنّه السَنبلة والقحتنة، مثلها مثل الكوزنة2025/11/27 القحاتة دايما شغالين مدافع قشاش قدام حراسة مرمي الدعم السريع2025/11/27شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات علاء نقد قد شرب مع سادته في نيالا موية الرهيد والوادي 2025/11/27

الحقوق محفوظة النيلين 2025بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

مقالات مشابهة

  • ترامب يلغي وثائق بايدن الموقعة بتقنية التوقيع التلقائي
  • السقرات يكتب في ذكرى استشهاد التل
  • إسحق أحمد فضل الله يكتب: (تقاسيم…)
  • إبراهيم شقلاوي يكتب: أحمد رجب وصناعة الوعي
  • الحباشنة يكتب في حق الوزير المومني
  • د. سعيد الكعبي يكتب: الغربة والقُربة
  • البرهان يكتب: حقيقة الحرب في السودان
  • إسحق أحمد فضل الله يكتب: (أيام الحمر…)
  • يكتب المقدسيون فيبتسم السور