أتوجس خِيفة من اجتماعات المقاهي. دائم الارتياب في نوايا من يرتدون بدلات أنيقة وربطات عنق. بمجرد رؤيتهم يُطوّقون شخصًا أجزم أنهم يتآمرون للتغرير به، وإقناعه بجدوى الاستثمار، وتحقيق الثراء السريع، ومما يرفع من درجة ارتيابي حضور الحقائب الغامضة السوداء «الدبلوماسية».
جلس إلى الطاولة الساكنة عن يميني ثلاثة رجال هُم: مواطن أربعيني بدين تتقدمه كرش لا تسر رؤيتها العين ينادونه بـ«الدكتور»، ووافِدان اثنانِ تشي لهجتاهما بأنهما قدِما من بلاد عربية.
تواصَلت جلسة الجمع لأكثر من ساعة، وعندما همّوا بالمغادرة مر الرجل من أمامي؛ ليدفع الحساب. سقطت عيناه عليّ فعرفني. آخر مرة التقيته فيها كان قبل خمس سنوات. أتذكر أنه يومها حدثني عن هوسه بالوصول للكرسي في مكان عمله رغم معرفتنا الاثنين أن شهادته «مضروبة» اشتراها من الخارج ووصلته عبر البريد، وصدّقها له هُنا موظف عديم الذمة.
توجهت إليه ممازحًا ودون مقدمات: «سمعتهم ينعتونك بالدكتور !! ما شاء الله صرت دكتورا؟ الله يرحم أيام زمان يا ٠٠». اقترب الرجل واحتضنني، خجِلت لـ«دفاشتي». ندمت لأنه تقبل ما سمِع بصدر رحب. اعتذرت له: «سامحني على مزحتي الثقيلة. لا تظن أني متعمد أجرحك». رد بصفاء نية وبالتأتأة نفسها المعروفة عنه: «وووولا يهمك. ما صار إلا الخير».
انفردت به خارج المقهى. صارحته: «لا أخفيك شكي في نوايا من تجلس معهم؛ لهذا أرجو ألا تُصدق أنك دكتور، وتفهم ما تقوم به، فأنا «عارف البير وغطاه». لا تضع كل ثقتك في أشخاص تجهل حقيقتهم. كن حذرًا «فهذي مسألة مال. ما تزوير شهادة وتعدي». لي صديق اختلس منه مثل هؤلاء ١٢٠ ألف ريال وهربوا «وعينك ما تشوف إلا النور».
وضعت يدي على كتفه. قلت بصدق مُحب: «إياك أن تُسلِم نفسك لشخص لمجرد قوله إنه مستثمر. يجب أن تتثبت من ذلك، ولا يغرنك الكلام المنمق، والوعود بمضاعفة المبلغ الذي لا أشكُ لحظة أنك اقترضته من البنك. ليست كل الضمائر حية».
عُدتُ ممازحًا: «تأكد أنه لا يهمني كيف تحصّلت على شهاداتك؛ فأنت شخص من بين آلاف لا يُعرفُ كيف أتوا بشهاداتهم، لكنني أتمنى ألا تُبحر في محيط الاستثمار المتلاطم الأمواج؛ لأنك حتمًا ستغرق، وألّا ترفع عقيرتك وتدعي الفهم والمعرفة أينما وليت وجهك، فتبدو كالطبل «صوته عالٍ وجوفه خالٍ».
النقطة الأخيرة..
خطر لجحا يومًا أن يتسلى. وقف على ناصية الطريق. وكلما مر عليه شخص قال له : «هناك شخص يوزع النقود نهاية الشارع. وبعد مدة احتشد خلق كثير، فحدث جحا نفسه: يا لهم من محظوظين؛ لماذا لا أذهب إلى واهب النقود، فيمنحني ما يمنحهم؟
عُمر العبري كاتب عُماني
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
كيف تواجه المرأة الرجل المسيطر؟ استشارية أسرية توضح
أكدت الدكتورة إسراء سمير، استشارية التربية، أن الذكورية المفرطة عند الرجل ليست قوة حقيقية، بل انعكاس لضعف داخلي وخوف من فقدان السيطرة هذه السلوكيات، مثل الصراخ والتهديد المستمر، تؤثر بشكل مباشر على العلاقة الزوجية وتخلق أجواء خوف وخضوع داخل الأسرة.
وأشارت خلال مشاركتها في برنامج "خط أحمر" الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، إلى أن المرأة القوية قادرة على مواجهة هذه الهيمنة، لكنها تحتاج إلى وعي كامل بطبيعة السلوكيات الذكورية المفرطة، وفهم الفارق بين الرجل الواثق من نفسه والمسيطر الذي يسعى لإثبات قوته بطرق سلبية.
كما شددت على أن الوعي بهذه الديناميكيات يحمي الأطفال ويقلل من أثر العنف النفسي، ويعزز بيئة أسرية صحية قائمة على الاحترام المتبادل والمودة.