ريما فارس
شهرُ رمضان ليس مُجَـرّد شهر يصوم فيه الإنسان عن الطعام والشراب، بل هو زمنٌ تتجلى فيه الرحمة الإلهية بأبهى صورها، حَيثُ يفيض الله بعطائه على كُـلّ ضعيف، ويواسي كُـلّ قلب حزين. في هذا الشهر، يشعر المرء أن تعاطف الله معه يزداد، سواء كان ضعفه جسديًّا أَو نفسيًّا، فالله رؤوفٌ بعباده، لا يكلّفهم فوق طاقتهم، بل يفتح لهم أبواب التيسير والرخص، وكأنه يقول لكل منهك: “لست وحدك، أنا معك”.
حينما يعجز الصائم عن إتمام صيامه لمرضٍ أَو عجز، يجد في التشريع الإلهي رحمة واسعة، فقد أباح الله الفطر لمن لا يقوى عليه، وبدّل الصيام بالكفارة لمن استطاع، ليؤكّـد أن العبادة ليست مشقة، بل قربٌ ومحبة. وما أجمل قول النبي ﷺ: “إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه”، وكأن الرحمة في هذا الشهر تمتد لتشمل حتى تلك اللحظات التي يعجز فيها العبد، فلا يحرمه الله من أجره، بل يبدله بما يناسب حاله.
أما من أثقلته الأحزان، فَــإنَّ رمضان يأتي إليه كرسالة صبر، ليمنحه من السكينة ما يجعله يحتمل، ومن الرضا ما يهوّن عليه، ومن الأمل ما يجعله يؤمن أن لكل ليلٍ فجرًا. هو شهرٌ تكون فيه الدموع أقرب إلى الله، والأنين مسموعٌ في السماء، والدعاء مستجاب، وكأن كُـلّ من انكسر يجد في رحابه جبرًا، ومن فقد عزيزًا يشعر أن الله يعوّضه بحنانه، ومن حاصرته الهموم يرى أن الفرج ليس بعيدًا. ألم يقل النبي ﷺ: “ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك… إلا أبدله الله فرحًا”؟ رمضان هو ذلك الوعد الإلهي لكل حزين، أن الله لا ينسى أحدًا، وأن رحمته أوسع من كُـلّ ألم.
وهكذا، يمضي رمضان بين صيامٍ وصلاةٍ ودعاء، لكنه في جوهره أكثر من ذلك، هو شهر الطمأنينة لكل من شعر أنه ضعيف، وسندٌ لكل من ظن أنه وحيد، ونورٌ لكل من أظلمت حياته، وكأن الله أراد أن يكون رمضان رسالة حبّ لعباده، يقول لهم فيها: “أنا معكم، فأقبلوا عليَّ بقلوبكم، تجدوني أقرب إليكم من حبل الوريد”.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: لکل من
إقرأ أيضاً:
كسر الحصار.. أو المطار بالمطار
وحانت ساعة الصفر، وبدأ اليمن تصحيح المسارات، فإما أن يكون السلام للجميع، أو الحصار على الجميع. أن نكون أو لا نكون.
طال صبر اليمن، وطالت معاناته، ولا بد لهذه المعاناة من نهاية حاسمة، رادعة لهذا العدو الأهوج الذي لم يحسب لخطواته حساباً، وسيرد اليمن التصعيد بالتصعيد.
إن التاريخ سوف يسجل هذه الحقبة من تاريخ اليمن، وكيف أنه سوف يكسر حصاره، أو يسجن سجانه بسجنه، فليس من حق أحد الوصاية على اليمن، فالشعب اليمني لا يحني رقبته إلا لخالقه، وما غير الله بمقدوره أن يحني رقبة هذا الشعب، ولا قائد هذا الشعب الحر الأبي.
إنه الله من وعد المظلومين بالنصر، ومظلومية اليمن لم يشهد لها التاريخ مثيلاً؛ اليمن التي لم توقظ مظلوميتها ضمير العالم الأخرس، رغم سنوات القصف والحصار الجائر.
سنواتٌ وأطفال ونساء وشيوخ اليمن محاصرون، وتنتهك حرماتهم، وتنهب ثرواتهم، والعالم في سبات عميق. ولقد أثبت اليمن، على مدى سنوات الحرب والحصار، أنه قدّم كل ما يستطيع من أجل أن يكون السلام خياراً ممكناً، غير أن استمرار الحصار والإمعان في معاناة المدنيين لا يمكن أن يكون أساساً لأي سلام عادل، فسلامٌ يُبنى على الظلم ليس إلا هدنة مؤقتة. واليمن لن يقبل أن يبقى الوضع على ما هو عليه.
إنه اليمن، يا أذناب أمريكا. إنه اليمن، يا من لا تقرؤون التاريخ. فهل كنتم تظنون، أيها الأعراب، أنكم تستطيعون الوقوف أمام هذا العملاق؟ ها أنتم قد فتحتم على أنفسكم أبواباً من الجحيم، ولن يكون إغلاقها كفتحها.
فإن كان لديكم المال لشراء الضمائر الميتة، فنحن لدينا الإيمان، والقلوب العامرة بذكر الله، المطمئنة لوعده بنصر المظلوم، المتيقنة أن الظلم إلى زوال.
لديكم السلاح الذي لم يصنع لكم سوى الخزي والعار، ولدينا الرجال الذين يصنعون السلاح، ويستخدمونه، ويقهرون أسلحتكم.
أيها المتخمون بنفطكم، أنتم أمام رجال الرجال. والتاريخ لن ترشوه بنفطكم، ولن يداهنكم كما يفعل العالم الأخرس عن الحق. فكما كتب التاريخ القديم من هم قادة الجيوش، ومن هم الفاتحون، ومن هم أهل الحكمة والإيمان، فهو أيضاً التاريخ الذي سيدون من هم المنتصرون بإيمانهم، المنتصرون رغم فقرهم، المنتصرون رغم حصارهم، ومن هم أصحاب الحق.
إن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية والسيادة قد تتأخر في نيل حقوقها، لكنها لا تتخلى عنها، وسيظل اليمن متمسكاً بحقه في العيش بكرامة، بعيداً عن الوصاية والحصار والإملاءات. وهذا هو قرار اليمن، وهذا هو تاريخ اليمن المعاصر، وليس اليوم كالغد، وإن غداً لناظره قريب.