المقاومة الفلسطينية وأسطورة ترامب
تاريخ النشر: 30th, January 2025 GMT
عندما وافقت إسرائيل أخيرًا على اتفاق هدنة يوم الجمعة، 17 يناير/ كانون الثاني 2025، بالغت وسائل الإعلام الأميركية في تمجيد دونالد ترامب، وتجاهلت معاناة الفلسطينيين، وأعادت تكرار الدعاية الإسرائيلية (هاسبارا)، وفشلت في التقاط جوهر القضية.
دخلت الهدنة حيّز التنفيذ يوم الأحد بعد أن قدمت حركة حماس لإسرائيل أسماء ثلاث أسيرات ليكنّ أول من يتم الإفراج عنهن ضمن الاتفاق، وذلك مقابل نحو 90 أسيرًا فلسطينيًا.
كان الاتفاق نفسه مطروحًا على الطاولة منذ أشهر. واعترف جو بايدن نفسه بأنه وضع "ملامح هذا الاتفاق" في 31 مايو/ أيار 2024. وفي المنتدى الاقتصادي العالمي، أشار رئيس وزراء قطر، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، إلى أن الاتفاق يعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2023.
ظهر أول أنباء الهدنة بينما كانت فريق الانتقال الرئاسي لدونالد ترامب يدافع عن اختيارات الرئيس المنتخب المثيرة للسخرية لقيادة وزارات أميركية قوية مثل وزارة الدفاع (البنتاغون)، والأمن الداخلي، والصحة والخدمات الإنسانية. لكن أخبار دور ترامب في الهدنة دفعت كل ذلك إلى الخلفية.
ومع أن الاتفاق جرى التوصل إليه بمساعدة مفاوضين من قطر، ومصر، وحماس، وإسرائيل وممثلين عن كل من بايدن وترامب، إلا أنّ معظم وسائل الإعلام الرئيسية نسبت نجاح الاتفاق إلى ترامب وحده.
كان الإجماع شبه فوري. ففي الأخبار الدولية، اقترحت صحيفة "ذا غارديان" أن "ضغط ترامب الحازم"، هو ما دفع "نتنياهو أخيرًا إلى الموافقة على الاتفاق". كما أشادت وسائل الإعلام الإسرائيلية بترامب، مشيرة إلى أن نتنياهو كان "أكثر خوفًا من ترامب منه من بن غفير". فيما أكد صحفيون إسرائيليون آخرون أن ترامب أخاف حماس أيضًا، عندما كتبوا أن "ضغط ترامب" كان "مصدر قلق لحماس".
إعلانتحولت رواية عن مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيفن ويتكوف، الذي وصل إلى القدس صباح السبت وأبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه لا ينوي انتظار نهاية السبت اليهودي (شبات)، إلى ما يشبه الأسطورة. وظهرت صورة ترامب كرجل قوي يجيد ليّ الأذرع، متماشية مع الثقافة الشعبية الأميركية، واكتسبت أبعادًا أسطورية. وكما كتب ميرون رابابورت في مجلة "+972":
"لم يكن ليحدث أي اتفاق لولا أن دونالد ترامب العظيم والقوي أمسك بيد نتنياهو، وثناها خلف ظهره، ثم ثناها أكثر قليلًا، ثم أكثر قليلًا، ثم ضغط رأسه على الطاولة، وهمس في أذنه أنه في لحظة ما سيركله في موضع حساس".
ما بدا وكأنه انتصار لترامب كان في الواقع نتيجة لفشل جو بايدن في فرض أي ضغوط على إسرائيل. ففي الحقيقة، شكّل بايدن استثناءً للتاريخ الطويل لرؤساء الولايات المتحدة الذين حاولوا كبح جماح إسرائيل، بدءًا من نيكسون وصولًا إلى ريغان.
ومع نقل السفارة الأميركية إلى القدس الشرقية، واتفاقيات أبراهام، التي حددتها حماس كأسباب لشن عملية "طوفان الأقصى"، يمكن اعتبار فترة ترامب الأولى واحدة من الأسوأ في إنهاء الصراع.
بينما كانت وسائل الإعلام الأميركية تحتفي بترامب، كانت أقل انتقادًا لإسرائيل مقارنةً بالإعلام الإسرائيلي نفسه. على سبيل المثال، دعمت شبكة "إن بي سي" بنيامين نتنياهو مجددًا، وألقت باللوم على حماس لعدم تفاوضها في وقت سابق.
في برنامج "TODAY" على NBC، نسب المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في إدارة بايدن، جون كيربي، الاتفاق إلى "عزل وإضعاف حماس". وزعم أن حماس كانت تضع العقبات "مرة بعد أخرى" وأنها "لم تكن مستعدة للتفاوض بنية حسنة".
لكن نتنياهو أظهر أنه لم يكن مهتمًا بإعادة الرهائن إذا كان ذلك يعني وقف الإبادة الجماعية، وأظهرت تقارير عديدة أن إسرائيل هي التي كانت ترفع سقف شروط الهدنة. واستشهدت NBC بالمتحدث باسم نتنياهو، ديفيد مينسر، الذي ادعى أن الهدنة لم تتحقق إلا بعد أن "غيرت حماس موقفها" من الاتفاق. وأشار مينسر إلى أن مقتل يحيى السنوار "لعب دورًا أيضًا".
إعلانولكن هل هذا صحيح؟ وفقًا لمصادر إعلامية تابعة لحماس، فإن الخسائر الإسرائيلية في رفح وشمال غزة كانت كبيرة، على الرغم من أن شمال غزة قد دُمّر بالكامل، واستمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي في قتل الفلسطينيين حتى اليوم الأخير قبل الهدنة.
ومع ذلك، كانت حماس لا تزال تحتفظ بالقدرة والإرادة القتالية، وحتى استغلال الذخائر الإسرائيلية غير المنفجرة لشن هجمات مباغتة ضد قوات الاحتلال. وذكر أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب القسام، في حسابه على "تليغرام" بتاريخ 13 يناير/ كانون الثاني، كيف اقتحم مقاتلو القسام مبنى كانت تتحصن فيه قوة إسرائيلية قوامها 25 جنديًا مشاة، "وتعاملوا معهم بمختلف أنواع الأسلحة، ما أسفر عن مقتل وإصابة جميع أفراد القوة".
أشارت المحللة رباب عبدالهادي إلى نقطة مشابهة خلال مكالمة عبر زوم مع منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام" (JVP)، حيث أكدت على صمود الفلسطينيين، قائلة: "إسرائيل تمتلك رابع أقوى جيش في العالم"، بينما الفلسطينيون لا يمتلكون شيئًا، "ومع ذلك، يواصلون المقاومة". وبينما تعاني قوات الاحتلال الإسرائيلي من تدهور كبير في الروح المعنوية، تظل حماس تتمتع بدعم شعبي كبير.
كان هذا واضحًا، وأثار إحراجًا كبيرًا لإسرائيل، يوم السبت، 25 يناير/ كانون الثاني، عندما أطلقت حماس، وسط احتفاء كبير في عرض مسرحي ضخم، سراح أربع مجندات إسرائيليات بزيهن العسكري. كانت الرسالة البصرية واضحة: لم يكن كل الرهائن مدنيين.
وكتبت صحيفة "نيويورك تايمز" بنبرة ازدرائية أن عملية التسليم كانت "عرضًا أدائيًا"، لكنها اضطرت إلى الاعتراف بأن حماس أعدت "استعراض قوة"، حيث وصفت المنصة في "ميدان فلسطين" بوسط مدينة غزة – المنطقة التي دمرتها حملة القصف والاجتياح البري الإسرائيلي – والتي تضمنت لافتة تحمل عبارة: "الصهيونية لن تنتصر". كما أشارت الصحيفة إلى تجمع "مئات من المقاتلين المقنعين بالزي العسكري والمدنيين" في المكان.
إعلانبدت لهجة الصحيفة ساخرة ومتحاملة، وكأنها تريد إيصال أن الفلسطينيين لم يتعلموا بعد أن المقاومة الصامدة أمر غير مقبول. وفي إشارة غير واعية إلى تراجع أهميتها كناطقة باسم إسرائيل، كتبت "نيويورك تايمز" أيضًا أن "المسلحين الذين يحملون كاميرات باهظة الثمن كانوا يتبعون الرهائن، ربما لتصوير فيديو سينشر على وسائل التواصل الاجتماعي".
خارج الدوائر الإعلامية الأميركية السائدة، استمر الصحفيون والمحللون المستقلون في مناقشة الأسباب التي دفعت إسرائيل في النهاية إلى وقف قصف غزة. وكتب رمزي بارود أن الفترة ما بين رفض إسرائيل وقبولها النهائي للاتفاق شهدت مقتل أو إصابة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، رغم أن هذه المجازر تم تجاهلها تمامًا أو التقليل من شأنها في إسرائيل (وأضيف، في الولايات المتحدة أيضًا).
خلص محمد شحادة، مستشار حقوق الإنسان في منظمة "يوروميد"، إلى أن تدمير غزة كان الهدف الرئيسي لإسرائيل. وأشار إلى ذلك في حوار مع الصحفي المستقل بيتر بينارت، بعد أن راجع الإعلام الإسرائيلي.
أما المحلل الدولي يانيس فاروفاكيس، فقد تحدث بتعاطف عن أهوال غزة، ثم جادل بأن "الدمار الذي ألحقته [إسرائيل] لا يترجم إلى نصر". فلا تزال إسرائيل غير قادرة على السيطرة على غزة، والمقاومة المسلحة لا تزال تفجر "دبابات إسرائيل العظيمة". ولم تحقق إسرائيل أيًا من أهدافها المعلنة، وخاصة الوعد بالقضاء على حماس، كما صرخ أحد العناوين المثيرة في صحيفة "تايمز أوف إسرائيل": "لأول مرة، إسرائيل تخسر حربًا".
بينما سخرت "ميدل إيست مونيتور" من الجيش الإسرائيلي، مشيرة إلى أن الرهائن كانوا محتجزين أحياء في شمال غزة "تحت أنف قوات الاحتلال الإسرائيلي، مما يتحدى رواية إسرائيل بشأن حملتها العسكرية وقدراتها الاستخباراتية".
يكمن الفرق بين الاستعراض الإعلامي لحماس والدعاية الإسرائيلية في أن حماس بنت رسالتها على الواقع. فقد كشفت صور الدمار الشامل في غزة زيف الأكاذيب والخداع والتبريرات التي قدمتها إسرائيل.
إعلانفإسرائيل لم تخض حربًا لتدمير حماس، بل سعت إلى تدمير غزة، وقد تم فضح عنفها الإبادي على نطاق واسع. وكما قال بارود: "إسرائيل تواجه الآن واقع فشل سياسي وعسكري على مستوى غير مسبوق." ومرة أخرى، خسرت إسرائيل أيضًا الحرب الإعلامية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات وسائل الإعلام قوات الاحتلال بعد أن إلى أن
إقرأ أيضاً:
لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
انشغلت المحافل الإسرائيلية السياسية والعسكرية، بالتقارير التي تتحدث عن اتفاق نووي أمريكي سعودي بصورة لافتة، دون تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال، مما يُعرّضها لما تعتبره أسوأ سيناريو متمثل في خطر أمني غير مسبوق دون أي مكاسب سياسية.
الباحث الأول ورئيس برنامج الخليج بمعهد الدراسات الأمنية بجامعة تل أبيب، والرئيس السابق لقسم إيران والخليج في مجلس الأمن القومي، يوئيل جوزانسكي، أكد أن "إسرائيل ينبغي لها أن تقلق من الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية، لأنها قد تجد نفسها في أسوأ وضع بالنسبة لها، وهو الخطر المتزايد لانتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ودون تحقيق الإنجاز السياسي المتمثل في التطبيع مع أهم دولة عربية".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا" وترجمته "عربي21" أنه "لسنوات، كان من الواضح أن استعداد الولايات المتحدة لتلبية المطالب السعودية في المجال النووي ليس غاية في حد ذاته، بل جزء من اتفاق إقليمي أوسع، وقد كانت الفكرة بسيطة، وبموجبها ستحصل الرياض على ضمانات أمنية وبرنامج محطة طاقة نووية مدنية متطورة، وفي المقابل ستحصل إسرائيل على اتفاق تطبيع تاريخي، لكن يبدو الآن أن الصلة بين المسألتين بدأت تتلاشى".
ردود فعل إسرائيلية
ويمكن الاستنتاج من هذا التطور أنه إذا منحت واشنطن السعودية ما تريده حتى دون إحراز تقدم مع دولة الاحتلال، فهذا يعني أنها ستتحمل المخاطر وحدها، ودون تحقيق أي مكاسب استراتيجية، وبالتالي فلا تكمن المشكلة في تطوير الطاقة النووية المدنية بحد ذاتها، لن العديد من الدول تشغل مفاعلات لأغراض سلمية، لكن السؤال الذي يشغل صناع القرار في تل أبيب هو ما إذا كانت الرياض ستُمنح أيضاً خيار تخصيب اليورانيوم، فإذا كان الأمر كذلك، فهذه سابقة ذات خطورة إقليمية واسعة على دولة الاحتلال.
هنا يمكن استعراض أهم ردود الفعل الإسرائيلية من هذا الاتفاق، وقد كان لافتا أن الائتلاف بقي صامتا، خشية الصدام مع واشنطن، فيما تصدر قادة المعارضة إصدار التصريحات المعارضة للاتفاق:
رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، الذي يعتبر أحد منافسي نتنياهو في الانتخابات المقبلة، اعتبر أن "هذه الاتفاقية تعني الانضمام لسلسلة إخفاقات دبلوماسية شهدناها إسرائيل خلال الفترة الماضية، مما يعتبر فشلا استراتيجيا خطيرا يهدد أمننا القومي، وتفقد فيها إسرائيل تأثيرها على مصيرها".
بدوره، زعم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الحرب الأسبق، أفيغدور ليبرمان، أن "علينا أن نعي أن البرنامج النووي السعودي سينتهي بسلاح نووي، وبسباق تسلّح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، على إسرائيل أن توضح بحزم أنها تعارضه، وعلى الحكومة ان تعمل بقوة في الكونغرس لإفشال هذا المسار".
واتهم رئيس حزب "الديمقراطيين"، يائير غولان، الذي يمثل يسار الوسط، نتنياهو بأنه "فعل ما لا يصدّق بخسارة التطبيع مع السعودية، ويمكّنها من التحول إلى دولة نووية، لقد خسرنا أحد محفّزات التطبيع، وإسرائيل لم تكن شريكة في هذه الخطوة".
الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، الجنرال يعكوب ناغال، زعم أن "أي تخصيب لليورانيوم، من أي نوع كان، على الأراضي السعودية هو خطأ، بغض النظر عمن سيقوم به، وكيف سيتم الإشراف عليه، هكذا كان موقفي قبل السابع من أكتوبر في إطار حزمة التطبيع، وموقفي لم يتغير".
خطوات متوقعة
هنا يمكن الحديث عن سلسلة خطوات إسرائيلية متوقعة:
إعادة الحديث عن المسار السياسي التدريجي في الساحة الفلسطينية، من خلال الدعم الأمريكي الواضح، وإن كان ذلك متعذرا في ظل موسم انتخابي حامي الوطيس.
إمكانية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يخدم المصالح الإسرائيلية أيضًا، وليس المصالح الأمريكية والسعودية فحسب.
لا يمكن لدولة الاحتلال الاكتفاء بمعارضة الاتفاق، والمخاطرة بتوقيعه على أي حال، أو أن تسعى لصياغته بحيث يُقلل من المخاطر النووية، ويُعيد هدف التطبيع إلى الواجهة.
الاستنتاج الاسرائيلي من هذا الحراك السعودي الأمريكي المتلاحق في الملف النووي يتمثل بين التخوف من تبعاته من جهة، ومن جهة أخرى الخشية من عدم التأثير في الواقع، والتصالح معه، لأن إذا مضت هذه الصفقة قدمًا، فإن مكمن القلق الإسرائيلي هو عدم تقليل مخاطرها، وضمان ألا تنتهي هذه الخطوة الاستراتيجية الهامة بحصول السعودية على كل شيء، وبقاء الاحتلال بلا شيء.
في الوقت ذاته، ليس لدولة الاحتلال مصلحة في تحويل هذه القضية لمواجهة علنية مع إدارة ترامب، أو حتى القيادة السعودية، ولأنها قضية حساسة، تنصح الأوساط البحثية والتحليلية بضرورة إجراء حوار مكثف وسري مع واشنطن، هدفه الأساسي تقليل المخاطر قدر الإمكان من خلال آليات تفتيش أكثر صرامة، واعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على التخصيب وإعادة المعالجة، وضمان إمداد الوقود النووي من مصادر خارجية.
إبعاد السعودية عن الصين وروسيا
يتوافق الإسرائيليون على أن اتفاق بين الولايات المتحدة والسعودية ربما يسعى لترسيخ التعاون النووي المدني لعقود، والحدّ من نفوذ الصين وروسيا في المملكة، رغم أن غياب قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم قد يُقوّض التوازن الإقليمي، ويُعرّض دولة الاحتلال لواقع استراتيجي أكثر خطورة، رغم أن هذه محاولة أمريكية لإعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وهي في الوقت نفسه مقامرة محفوفة بالمخاطر بشأن مدى الحرية النووية التي يمكن منحها للرياض دون إشعال سباق تسلح إقليمي.
خبير الشئون الأمنية والاستراتيجية، البروفيسور عوزي رابي، أعرب عن مخاوفه من قيام "إدارة ترامب بفصل التعاون النووي مع السعودية عن شرط تطبيع علاقاتها مع إسرائيل أولاً، بعد أن كان هذا الخيار يطرح سابقا بهدف تعميق التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، وتصعيد المواجهة المشتركة مع إيران، وتقريب الرياض وتل أبيب في المستقبل، رغم عدم وجود التزام سعودي بذلك في الاتفاق".
وأضاف في مقال نشره موقع "واللا"، وترجمته "عربي21" أنه "من وجهة نظر إسرائيل، فإن فصل التطبيع عن التعاون النووي يعني أن السعودية قد تحصل على مكسب استراتيجي هام، دون أن تضطر لتغيير علاقاتها مع إسرائيل بهذه المرحلة، مع أن الخطر، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا ينبع من نوايا الرياض الحالية فحسب، بل من السابقة التي يُرسيها الاتفاق، لأنه قد يُغيِّر موازين القوى الإقليمية، وهذا بحد ذاته يُعدّ مقامرة".
لا يختلف إسرائيليان على أنه إذا كانت الإدارة الأمريكية عازمة على المضي قدمًا في الاتفاق مع الرياض، فقد لا تنجح محاولات إلغائه، وفي هذه الحالة، فقد سيكون من الأنسب محاولة التأثير على بنوده، لاسيما إعادة التطبيع إلى صلب الاتفاق، وبدلًا من الاكتفاء برفضه، فإنه يمكن لدولة الاحتلال أن تسعى لتحويل هذه الخطوة إلى ورقة ضغط سياسية.
سباق التسلح
من وجهة نظر أخرى، لا تقل خطورة عن سابقاتها، فإن دولة الاحتلال ترى أن التعامل مع واقع إقليمي لا تقتصر المعرفة النووية، والبنية التحتية، والقدرة على الاقتراب من عتبة التسلح النووي، لا تقتصر على إيران فحسب، بل تطالب فيه دول عربية رئيسية بمسار مماثل، فإذا قبلت السعودية بشروط متساهلة، فقد تطالب دول مثل تركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة بمعاملة مماثلة.
صحيح أن الولايات المتحدة تحاول القيام بمناورة دقيقة تتمثل باحتواء إيران من خلال تعزيز قدرات السعودية، لكن ذلك قد يُحوّل هذا التعزيز إلى بداية سباق نووي، وفي مثل هذه الحالة فقد تُنشئ هذه الخطوة برنامجًا نوويًا للرياض تحت إشراف أمريكي، في أحسن الأحوال، أم أنها تُرسّخ سابقةً ستستغلها دول المنطقة عندما يتلاشى الثقة في واشنطن، وهنا قد تحرم دولة الاحتلال من احتكار السلاح النووي في المنطقة.