المعارك العسكرية هي الحلقة الأخيرة من حلقات الحرب
تاريخ النشر: 27th, June 2024 GMT
عساكر وضباط الجيش يقدمون أنفسهم بكل سخاء في ظل ظروف سيئة للغاية. رواتب متدنية لا تكفي لشخص واحد ناهيك عن أسرة، وحتى في ميدان المعركة بعضهم لا يجد ولا حتى عناية طبية؛ جرحى يتم علاجهم بالتبرعات وآخرين يتكفل بهم أهلهم. مواقع عديدة سقطت بسبب نفاد الذخيرة.
ومع كل ذلك، العسكري يقاتل ويستشهد. بلا مرتب، بلا معينات، بلا ذخيرة ويقاتل حتى النهاية.
إذن لا توجد مشكلة في الجيش كجيش. وفي الوقت نفسه، ورغم كل شيء، لا ننكر المجهود الذي تقوم به قيادة الجيش من الناحية العسكرية البحتة، والذي لولاه لسقطت البلد ولأصبحنا تحت سلطة عملاء الأمارات. بعد أن تسببت في تردي الأوضاع الأمنية والعسكرية في البلد إلى هذا الدرك، لاشك أن قيادة الجيش تبذل أقصى ما في وسعها. ولكن أقصى ما في وسع الجيش ليس كافيا.
لا يمكن للجيش أن يقاتل وينتصر بدون دولة تسنده. في كل تاريخ العالم والبشرية الحروب تخوضها الدول والممالك والإمبراطوريات لا الجيوش؛ بمعنى أن الجيش هو أداة الدولة في الحرب، وهو ليس الدولة ولا يخوض الحرب من تلقاء نفسه بمعزل عن الدولة.
لذلك، فالوضع الحالي في السودان شاذ للغاية. يوجد جيش يقاتل ولكن لا توجد دولة. حينما اندلعت الحرب لم تكن هناك حكومة. وفي الحقيقة فقد توقف وجود الدولة في السودان منذ لحظة بيان ابنعوف وإنهاء نظام الإنقاذ. أصبحت البلد تحت قبضة حميدتي لبعض الوقت ثم حميدتي والقحاتة الخونة ومعهم البرهان كشريك ثم بعد الإطاحة بحكومة حمدوك استمر الفراغ، وظلت الدولة تتآكل وتذوب طوال هذا الوقت قبل الحرب وبعدها. والمسئول الأول عن كل هذا هو البرهان شخصيا.
الجيش يقاتل لوحده بلا أي سند. معينات كثيرة فيما يخص الجانب العسكري كان يمكن توفيرها لو أن هناك حكومة فاعلة، ولكن الجيش يقاتل بلا ظهر لأن قيادته تسجن الدولة وتعطلها. قيادة عسكرية قد تجيد العمل العسكري أو لا تجيده ولكنها قطعا غير مؤهلة لإدارة دولة كاملة في حالة حرب؛ دولة بلا حكومة وبلا مؤسسات.
عساكر وضباط الجيش يجب أن يعلموا أن ظهرهم مكشوف بسبب قيادتهم التي تسيطر على الدولة دون أن تملك القدرة السياسية على إدارة هذه الدولة؛ وأنهم كجيش لن يستطيعوا الصمود لفترة طويلة في ظل هذا الوضع. قد تصمد اليوم وتنتصر غدا، ولكنك على المدى القصير ستنهزم.
لا يوجد جيش في العالم يستطيع أن يحارب حرب طويلة تدعمها دول ومنظمات لها قدرات إقتصادية وسياسية ودبلوماسية فائقة دون أن تكون هناك دولة وراء هذا الجيش.
لقد جرد أعداء السودان الدولة السودانية من صفة الدولة واختزلوها في الجيش؛ حتى في التفاوض يتفاوض الجيش كجيش، لا كحكومة. ولكن اللوم ليس على الأعداء، فهم أعداء في النهاية. السؤال هو ماذا فعلت القيادة التي تحتكر في بورتسودان لكي يتم التعامل مع السودان كدولة؟.هل البرهان نصف إله مثلا أو سوبرمان لكي يستمد الشرعية من ذاته؟
يوجد في السودان حاليا أكبر التفاف جماهيري حول هدف الدفاع عن الدولة والمحافظة عليها؛ لا يمكن أن تتوفر شرعية لأي حكومة في تاريخ السودان أكثر من شرعية الدفاع عن الدولة والشعب في هذه اللحظة، ولن تجد سندا أكثر من السند المتاح حاليا. ولن يكون السودان في أي لحظة من تاريخه أحوج إلى وجود حكومة ودولة من الآن.
حليم عباس
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
يتجه التعاطي الأميركي مع الحرب في السودان نحو مرحلة جديدة، مع تقدم مشروعي قانون داخل الكونغرس يهدفان إلى تشديد الضغوط على أطراف النزاع وداعميهم، عبر توسيع العقوبات، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، وتعزيز حماية المدنيين، وإعادة تنشيط الدور الأميركي في جهود إنهاء الحرب.
التغيير ــ وكالات
وينظر مجلس الشيوخ في مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026، المعروف باسم قانون سلام السودان (PEACE in Sudan)، فيما يبحث مجلس النواب قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني، الذي يطرح رؤية أوسع تشمل العقوبات، والمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ودعم العملية السياسية.
ورغم اختلاف نطاق كل مشروع، فإنهما يعكسان توافقاً متزايداً بين الجمهوريين والديمقراطيين على تحويل السياسة الأميركية تجاه السودان من إجراءات تنفيذية متفرقة إلى إطار تشريعي دائم، يركز على محاسبة أطراف الحرب، والجهات التي تمولها أو تزودها بالسلاح، إضافة إلى المسؤولين عن الانتهاكات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يزال المشروعان في مراحلهما التشريعية، إذ يحتاج كل منهما إلى إجازة المجلس الذي ينتمي إليه، قبل التوصل إلى صيغة موحدة يعتمدها مجلسا الكونغرس، ثم تُحال إلى الرئيس الأميركي للتوقيع عليها لتصبح قانوناً نافذاً.
مشروع مجلس الشيوخ
قدم رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، السيناتور الجمهوري جيم ريش، إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس كونز، مشروع قانون سلام السودان بدعم من الحزبين، وأقرت اللجنة المختصة المشروع في يونيو الماضي تمهيداً لطرحه أمام المجلس.
ويمنح المشروع الإدارة الأميركية صلاحيات أوسع لفرض عقوبات على قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب الأفراد والجهات التي تقدم التمويل أو السلاح للطرفين، كما يوسع نطاق العقوبات الحالية.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس حول التدخلات الخارجية وشبكات التمويل والتسليح المرتبطة بالحرب، فضلاً عن تحديث التحذيرات الخاصة بالاستثمار والتعاملات التجارية مع السودان.
كما يقترح تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من عامين إلى خمسة أعوام، مع تعزيز الرقابة البرلمانية على تطورات النزاع، ومنع توجيه أي دعم مستقبلي قد يسهم في إعادة تمويل المؤسسات العسكرية أو الأمنية المتهمة بتقويض مسار الانتقال المدني.
مشروع مجلس النواب
في المقابل، يتبنى مشروع قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني رؤية أشمل للسياسة الأميركية تجاه السودان، إذ يدعو إلى دعم وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، واستئناف العملية السياسية وصولاً إلى حكم مدني ديمقراطي.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بوضع استراتيجية متكاملة للتعامل مع الأزمة، تشمل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود السلام، إلى جانب استخدام النفوذ الأميركي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان.
كما يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في جرائم الحرب أو عرقلة المساعدات الإنسانية، بما يشمل تجميد الأصول، وحظر التعاملات المالية، ورفض منح التأشيرات، فضلاً عن ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
حماية المدنيين وإمكانية دعم قوة دولية
ويتضمن مشروع مجلس النواب بنداً يتيح للولايات المتحدة دعم بعثة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي، أو قوة متعددة الجنسيات، إذا تقرر نشرها في السودان لحماية المدنيين.
كما يوجه الإدارة الأميركية إلى استخدام نفوذها داخل الأمم المتحدة للدفع نحو إعداد خطط عملية لحماية المدنيين، وتوثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والعمل على إزالة القيود التي تعرقل وصول المساعدات الإنسانية.
ولا يعني ذلك اتخاذ قرار أميركي بإرسال قوات إلى السودان، وإنما يهيئ أساساً قانونياً يسمح بدعم أي بعثة دولية أو أفريقية قد يتم الاتفاق على نشرها بتفويض دولي.
استهداف داعمي الحرب
ويشترك المشروعان في التركيز على دور الأطراف الخارجية في إطالة أمد النزاع، إذ يطالبان الإدارة الأميركية بتحديد الحكومات والجهات التي تزود طرفي الحرب بالسلاح أو التمويل أو أي شكل من أشكال الدعم، وتقييم مدى مخالفة تلك الأنشطة لحظر الأسلحة المفروض على السودان.
ويمضي مشروع مجلس النواب خطوة أبعد، إذ ينص على حظر بيع المعدات الدفاعية الأميركية الرئيسية لأي دولة يثبت دعمها العسكري لأحد طرفي النزاع، مع منح الرئيس الأميركي صلاحية استثناء محدود إذا اقتضت ذلك اعتبارات الأمن القومي.
كما ناقشت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مقترحات مماثلة لمنع مبيعات السلاح للدول الداعمة لأي من طرفي الحرب، وحظيت بتأييد عدد من أعضاء الحزبين، إلا أن بعضها لم يُدرج في الصيغة النهائية للمشروع.
العدالة والمساءلة
ويولي مشروع مجلس النواب اهتماماً خاصاً بمسار العدالة، إذ يدعو إلى دعم جهود توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها، وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، بما في ذلك جرائم العنف الجنسي المرتبطة بالنزاع.
ويمتد نطاق المساءلة، وفق المشروع، ليشمل الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما أعقبه من انتهاكات.
كما يدعو المشروع إلى دعم عملية سياسية لا تقتصر على الأطراف العسكرية، وإنما تشمل منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب والمجتمعات المهمشة، ضمن مسار دستوري يقود إلى استعادة الحكم المدني.
تحول في السياسة الأميركية
ويعكس تقدم المشروعين داخل لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب اتجاهاً متنامياً داخل الكونغرس يرى أن العقوبات الفردية والبيانات الدبلوماسية لم تعد كافية للتأثير في مسار الحرب، وأن المطلوب هو إطار تشريعي أكثر صرامة يربط بين الضغط على أطراف النزاع، ومحاسبة داعميهم الخارجيين، وحماية المدنيين، ودفع عملية سياسية تقود إلى الحكم المدني.
وفي حال إقرار المشروعين بصيغة موحدة، فسيشكلان أول إطار تشريعي أميركي متكامل للتعامل مع الحرب في السودان، واضعين العقوبات والمساءلة وحماية المدنيين ومكافحة التدخلات الخارجية في صلب السياسة الأميركية تجاه الأزمة.
الوسومتجفيف تمويل الحرب تعزيز حماية المدنيين جهود إنهاء الحرب مشروعا قانون في الكونغرس