تقرير تقصي الحقائق عن جرائم الحرب في السودان
تاريخ النشر: 17th, September 2024 GMT
تقرير تقصي الحقائق عن جرائم الحرب في السودان
تاج السر عثمان بابو
1تدخل الحرب اللعينة في السودان شهرها الثامن عشر مع المزيد من الخراب والدمار وجرائم الحرب، وتزايد المطالب الجماهيرية لوقفها، والمزيد من التقصي لجرائم الحرب والتوثيق لها، وبعد أن رفعت لجنة تقصي الحقائق تقريرها، الذي رصد السمات الأساسية لجرائم الحرب مثل: حالات الاغتصاب والاستبعاد الجنسي والإبادة الجماعية وتدمير البنية التحتية والسجلات الحكومية، والحرب العرقية كما للمساليت في غرب دارفور، وحملات الاعتقالات والتعذيب حتى الموت في سجون طرفي الحرب، وحمل التقرير الجيش والدعم السريع المسؤولية عن الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان التي ترقى لجرائم الحرب.
حظر الأسلحة وإرسال قوة لحفظ السلام من أجل حماية المدنيين.
توصية بنشر قوة محايدة لحماية المدنيين في السودان.
دعوة الأطراف المتحاربة للالتزام بالقانون الإنساني.
دعوة الأطراف للسماح بوصول المساعدات إلى جميع أنحاء البلاد.
توقف تدفق الأسلحة سوف يمنع توسع القتال، وعلى الدول التي تدعم الطرفين الالتزام بذلك.
توسيع حظر السلاح الخاص بدارفور (قرار مجلس الأمن رقم 1556 للعام 2004 والقرارات اللاحقة) ليشمل البلاد كلها، وتوقف عملية إمداد أي من الأطراف بالأسلحة والذخيرة.
2لكن من المهم تنفيذ تلك التوصيات حتى لا تصبح حبراً على ورق كما حدث في قرارات دارفور السابقة التي لم يتم فيها القبض على مجرمي الحرب والإبادة الجماعية وتقديمهم للمحاكمة كما في حالات البشير ومن معه. كما أنه من المهم تحديد الدول التي تدعم طرفي الحرب ومحاسبتها في حالة الخرق لتسليح الطرفين.
كما لا بد من التأكيد أن العامل الخارجي مساعد في وقف الحرب، لكن العامل الحاسم هو التصعيد الداخلي الجماهيري لوقف الحرب ومحاسبة مجرمي الحرب، ومنع مخطط تقسيم البلاد من المحاور الإقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب والتي تهدف لتقسيم البلاد ونهب ثرواتها.
3أوضحنا سابقاً ضرورة المزيد من التوثيق لجرائم الحرب، كما في المطالبات العديدة من المنظمات الحقوقية بمد فترة اللجنة، لأن الظروف التي عملت فيها اللجنة لم تكن مواتية، فقد عملت في نطاق ضيق، في ظل رفض طرفي الحرب لها، ولم تتمكن من تغطية أجزاء واسعة من السودان، اضافة لاستمرار الانتهاكات بعد اشتداد اوار الحرب بعد رفض البرهان لحضور مؤتمر جنيف، كما يحدث الآن في الخرطوم الفاشر. الخ، علما أن جرائم الحرب هي امتداد للجرائم السابقة منذ انقلاب اللجنة الأمنية في 11 أبريل 2019، ومجزرة فض اعتصام القيادة العامة والولايات، والانتهاكات والابادة الجماعية في دارفور وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق، اضافة لجرائم نظام الانقاذ كما في الابادة الجماعية التي حدثت في دارفور 2003، التي تطلبت تقديم البشير ومن معه للمحكمة الجنائية الدولية، وهي جرائم لن تسقط بالتقادم، ولابد من عدم الافلات من العقاب وان طال السفر.
4أدت الحرب إلى دمار وجرائم وخراب غير مسبوق في الوضع الإنساني والبنى التحتية، تحتاج للمزيد من التوثيق لها بتفصيل، مع تحديد حجم الخسائر لتعويض المتضررين، وضمان عودتهم لمدنهم وقراهم ومنازلهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، كما في الآتي:
– نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل وخارج البلاد، وتجاوز عدد القتلى 27 ألف شخص واصابة وفقدان الآلاف.
– تدمير المنشآت والبنى التحتية مثل: مصفاة الجيلي وكبري شمبات. الخ، والمنازل جراء قصف الجيش، واحتلال المنازل من الدعم السريع، ونهب عربات وممتلكات المواطنين، وحالات التطهير العرقي في غرب دارفور، اضافة لحالات الاغتصاب والعنف الجنسي والاعتقالات والتعذيب للمعتقلين في معتقلات الجنجويد والجيش. إضافة لقطع خدمات الكهرباء والماء والاتصالات والانترنت.
إضافة لجرائم الحرب كما حدث في الخرطوم ودارفور وكردفان، وفي ولاية الجزيرة بعد الهجوم على الجزيرة الذي أدي لنزوح أكثر من 500 ألف شخص نازح وغيرهم، مع نهب المتاجر والمنازل والأسواق والقرى وادوات إنتاج المزارعين. الخ.
– جلبت الحرب معها كل أشكال المعاناة والأمراض مثل: الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، وملتحمة العين، وتدهور صحة البيئة فضلاً عن كوارث السيول والامطار التي أدت للمزيد من التدهور، وشملت اغلب ولايات السودان، وبعد فشل خدمات الصيانة مما أدى لانهيار سد اربعات في ولاية البحر الأحمر، وعدد كبير من الكباري والمنشآت في الشمالية وغيرها. الخ، وفي ظل غياب الرعاية الصحية وخروج أكثر من 70% من المستشفيات من الخدمة والنقص في الدواء وتدهور صحة البيئة جراء الجثث المتراكمة في الطرقات، وعدم فتح المسارات الآمنة لوصول الإغاثة لمناطق النزوح والحرب. الخ، كما يحاصر الجوع أكثر من 25 مليون من سكان البلاد حسب بيانات الأمم المتحدة.
فضلا عن خسائر الحرب التي تجاوزت أكثر من 100 مليار دولار.. وتدمير الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي، وتدهور القوة الشرائية للمواطنين والانخفاض الكبير للجنيه السوداني مع الارتفاع المستمر للأسعار، فضلا عن فقدان أكثر من 5 ملايين وظيفة، بعد تدمير القطاع الزراعي والصناعي والخدمي. الخ.
إضافة لأثر الحرب على المواقع الأثرية والثقافية والتراثية وتدمير بعضها.
أدت الحرب إلى تدهور الإنتاج الزراعي بخروج أكثر من 70% من مناطق الإنتاج الزراعي بسبب الحرب وتوقف المزارعين عن الإنتاج، ومشاكل الري وزيادة الضرائب ونقص التمويل اللازم وشح الوقود وارتفاع أسعاره، وتقلص المساحات المزروعة، مما يزيد من مخاطر المجاعة والنقص في الغذاء.
– فاقمت الحرب الأوضاع المعيشية وأدت لارتفاع الأسعار وقيمة النقل والخدمات وخروج 90% من المصانع عن العمل حسب وزارة الصناعة بسبب تدمير ونهب المصانع، إضافة لنهب الأسواق والبنوك، وعدم صرف العاملين لمرتباتهم لأكثر من 10 شهور، وفقدانهم لمقومات معيشتهم بعد إخلاء منازلهم وأصبحوا نازحين..
– عطلت الحرب الدراسة في المدارس والجامعات لأكثر من عام والتي يتطلب فتحها وقف الحرب وتوفير الأمن وخروج الجيش والدعم السريع منها والإصلاح العاجل لما دمرته الحرب.
هذا فضلا عن عدم فتح المسارات الآمنة لوصول الإغاثات للمواطنين تحت وابل الرصاص والقنابل، وجرائم الجنجويد في الابادة الجماعية التي زادت في مدن دارفور بعد احتلال الدعم السريع لأربع من عواصم ولاياتها الخمس.
إضافة لتمدد الحرب لبقية الأقاليم بعد احتلال الدعم السريع لمدني ومدن ولاية الجزيرة، وخطر اتخاذ الحرب طابعا عرقيا واثنيا، مما يهدد وحدة البلاد.
5– جاءت امتداداً لخراب نظام الإنقاذ، ولانقلاب اللجنة الأمنية في 11 أبريل 2019 ومجزرة فض الاعتصام، وانقلاب 25 أكتوبر 2021 بعد الصراع الذي دار في الاتفاق الإطاري حول دمج الدعم السريع في الجيش.
مما يتطلب بعد مرور سبعة عشر شهراً على الحرب مواصلة وتقوية الجبهة الجماهيرية القاعدية لوقف الحرب واسترداد الثورة، وعودة الحياة إلى طبيعتها.
– إعمار ما دمرته الحرب، وتقديم مجرمي الحرب للمحاكمات، وعدم تكرار الإفلات من العقاب، وعدم إعادة الشراكة مع الدعم السريع والجيش، والاتفاق الإطاري الذي يعيد إنتاج الأزمة والحرب مرة أخرى، كما ورد في إعلان أديس أبابا، واتفاق “المنامة” الذي يعيد إنتاج الشراكة مع الدعم السريع والأزمة والحرب.
– خروج الدعم السريع والجيش من السياسة والاقتصاد، والترتيبات الأمنية لحل الدعم السريع ومليشيات الفلول وجيوش الحركات، وقيام الجيش القومي المهني الموحد تحت إشراف الحكومة المدنية وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي.
– التصدي بحزم لمخططات “الفلول” والدعم السريع لتصفية الثورة، وتمزيق وحدة البلاد والتفريط في السيادة الوطنية، ونهب ثروات البلاد وتقسيمها من المحاور الإقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب، وغير ذلك من مهام الفترة الانتقالية وأهداف الثورة.
الوسومالإنقاذ التصفية العرقية الثورة الجزيرة الجيش الخرطوم الدعم السريع السودان الفلول انقلاب اللجنة الأمنية تاج السر عثمان بابو دارفور فض الاعتصام
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الإنقاذ التصفية العرقية الثورة الجزيرة الجيش الخرطوم الدعم السريع السودان الفلول دارفور فض الاعتصام لجرائم الحرب الدعم السریع جرائم الحرب طرفی الحرب فی السودان أکثر من کما فی
إقرأ أيضاً:
هاجم العرب وطلاب الشريعة وصادق إسرائيل.. الرحلة المثيرة لجنرال بوركينا فاسو
لا يخرج الحاكم العسكري لبوركينا فاسو الجنرال إبراهيم تراوري من جدل إلا عاد إليه، فمنذ أن قاد هذا الشاب ذو الندبة الغائرة في الخد الأيسر انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس الانتقالي الكولونيل بول هنري سانداوغوداميبا -الذي كان هو الآخر قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب على سلفهما- ظل هذا الجنرال شخصية مثيرة للانقسام ومحط أنظار الداخل والخارج.
ينحدر إبراهيم تراوري من عائلة مسلمة تنتمي إلى قبائل ديولا العريقة في غرب أفريقيا. التحق بالسلك العسكري عام 2010، وحقق صعودا سريعا داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن يقود في 30 سبتمبر/أيلول 2022 انقلابا أطاح بشركيه في الحكم، ليتولى قيادة بوركينا فاسو بعد 12 عاما فقط من دخوله الجيش، في واحدة من أسرع الرحلات صعودا من صفوف المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم في القارة.
بيد أن تراوري لم يدخل القصر الرئاسي في واغادوغو حاملا مفاتيح سلطة مستقرة، بل ورث بلدا حبيسا غارقا في أزمات متشابكة. ومنذ ذلك الحين، انخرط الجنرال الشاب في حروب ومواجهات متشابكة، لم تتوقف عند جبهة واحدة، بل ظلت تتسع بإضافة ملفات جديدة إلى قائمة الصراعات المفتوحة، بعضها مرتبط بالهوية والتاريخ والأعراق، قبل أن تفرض القضايا الأخيرة نفسها كأكثر محطاته إثارة للجدل.
الحرب الرابعة.. العرب وطلاب الشريعةوفيما تتعدد الأزمات وتنقطع الطرق أمام الضابط الشاب، يبدو أن العرب ودارسي الشريعة الإسلامية هما هدف الحرب المقبلة للرجل الذي يخوض معارك على أكثر من جبهة دون أن يحرز حتى الآن الاختراق والنصر اللذين بشر بهما في ملفات بلاده الأكثر إلحاحا.
ففي أحدث تصريحاته التي أثارت موجة واسعة من الجدل، فتح تراوري ملفات بالغة الحساسية والتعقيد، تصدرها تاريخ العبودية في الذاكرة الأفريقية، إلى جانب واقع التعليم الديني في بوركينا فاسو، ما أعاد طرح تساؤلات حول توجهاته وأولويات المرحلة المقبلة.
إعلانوفيما وصفه كثيرون بمغالطة تاريخية كبرى، قال تراوري في 19 يوليو/تموز الجاري، إن الأفارقة تعرضوا لأكثر من ألف عام من الاستعباد على يد العرب، مؤكدا أن "آخر سوق للعبيد لم يُغلق إلا عام 1962″، في تصريحات أعادت إلى الواجهة نقاشا تاريخيا وسياسيا محتدما بشأن تاريخ القارة مع العسف الأوربي.
ولم تقتصر تصريحات تراوري على إعادة قراءة الماضي، بل امتدت إلى إعادة رسم سياسة بلاده تجاه التعليم الديني؛ إذ أعلن عزمه وقف ابتعاث الطلبة البوركينابيين لدراسة العلوم الشرعية في الخارج، والشروع في إعادة نحو 800 طالب يواصلون حاليا دراساتهم الإسلامية في عدد من الدول العربية.
ولوّح بإجراءات غير مسبوقة بحق من يرفضون العودة، محذرا من أن الإصرار على استكمال الدراسة في الخارج قد يعرّضهم لفقدان الجنسية البوركينابية.
وبرر هذه الخطوة -غير المألوفة في البلاد- بقوله إن دارسي الشريعة العائدين من الخارج يحملون معهم، بحسب وصفه، رؤى متشددة وأفكارا مؤدلجة تسعى إلى فرض أجنداتها داخل المجتمع، في حين يفتقرون إلى المهارات المهنية التي يحتاجها سوق العمل، في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة.
لم تمر تصريحات الجنرال تراوري مرور الكرام على مسامع المستعربين الأفارقة، خصوصا ما يتعلق منها باعتبارهم -ضمنا- مشاريع إرهاب، وأن دراستهم في الجامعات العربية لا تفيد بوركينا فاسو.
وقد مثّلت تصريحات تراوري الأخيرة افتتاحا لجبهة رابعة في سلسلة المعارك التي يخوضها منذ وصوله إلى السلطة. وبينما التزمت العواصم العربية الصمت إزاء مزاعمه بشأن تاريخ العرب في أفريقيا، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بموجة واسعة من الانتقادات، إذ عدّها كثيرون مغالطةً تاريخية، تُحمّل العرب وزر حقبة العبودية، فيما تُغفل مسؤولية القوى الغربية عن قرون من تجارة الرقيق والاستعمار في أفريقيا.
ولم يكن الجدل أقل حدة في الأوساط الأكاديمية والفكرية الأفريقية، ولا سيما بين المستعربين وخريجي الجامعات العربية، الذين رأوا في حديثه عن دارسي العلوم الشرعية والثقافة العربية والإسلامية تشكيكا ضمنيا في مساراتهم العلمية، وتصويرا لهم بوصفهم حواضن محتملة للتطرف، واختزالا لسنوات تحصيلهم في الخارج في أفكار متشددة، مع إنكار ما يمكن أن تقدمه من إسهامات علمية ومعرفية لبلادهم.
وكانت المفارقة أن "الثائر البوركينابي" اختار لغة مستعمره السابق وعدوه الحالي ليتحدث بها عن تاريخ استعباد وهمي، متناسيا تاريخا قريبا من تجارة الرقيق الأفريقي وشحنه عبر السفن الأوروبية إلى منافي الجريمة والألم.
وفيما تتفاقم آثار تصريحات تراوري، سواء فيما يتعلق بضعف مصداقيتها التاريخية، فإنها أيضا متفاقمة في اتجاه الإجراءات التصعيدية التي اتخذها ضد المؤسسات والرموز الإسلامية في بلاده، وشملت حتى الآن:
سن قانون الحريات الدينية، الذي يحد من النشاط الدعوي والتعليمي ويمنع بناء المساجد في المؤسسات العمومية، كما يحظر التعليم الديني في المؤسسات التعليمية العمومية، ويعمل بمختلف مواده على تقوية وتعزيز الطابع العلماني للدولة والنظام. إغلاق أكبر مساجد العاصمة، وسط حالة من القلق والتوجس بشأن مستوى التقييد الأمني والقانوني التي تواجهها المساجد في عموم البلاد في ظل الأوضاع الجديدة. اعتقال كبار علماء البلد وعدد من الشخصيات والشباب الإسلامي وإرسالهم -وفق ما تردد في مواقع التواصل الاجتماعي- إلى معسكرات الجيش حيث لاقوا هنالك كثيرا من الجلد والإهانة والضرب. تهديد الطلاب المستعربين المغتربين في الدول العربية بسحب الجنسية إذا ما عادوا إلى البلاد لأنهم يمثلون خطرا عليها ولا يحملون معارف نافعة للبلاد. وبينما كان تراوري يشدد قبضته في الداخل، كانت رسائل مختلفة تُبعث إلى إسرائيل؛ فقد استقبل رسميا في واغادوغو السفير الإسرائيلي الجديد، سيمون سروسي، لتسلّم أوراق اعتماده، بعد أشهر من الغموض أحاطت بطلب اعتماده. إعلانفقد كشفت مجلة "أفريكا إنتلجنس" (Africa Intelligence) أن طلب الاعتماد ظل معلقا منذ صيف 2025 قبل أن يحظى بالموافقة بعيدا عن الأضواء.
ويبدو أن هذا الاستقبال العلني وضع حدا لمرحلة الحذر التي أحاط بها تراوري أي تقارب مع إسرائيل، حرصا على عدم المساس بصورته بوصفه قائدا مناهضا للغرب.
غير أن المشهد الجديد يعكس براغماتية متزايدة في إدارة العلاقات الخارجية، في وقت تسعى فيه إسرائيل لتكثيف حضورها الاستخباراتي والأمني في منطقة الساحل، مستفيدة من اهتمام دول التحالف بتقنياتها وخبراتها في مجالات الأمن ومكافحة التمرد.
وفيما يتوقع أغلب المراقبين أن تضيق هذه الحرب الخناق على نظام تراوري فمن المتوقع أيضا ألا تكون حربه الأخيرة كما لم تكن الأولى.
الحرب الثالثة.. ثورة على أنقاض الديمقراطيةليس العرب وتاريخهم في القارة، والرموز الإسلامية وما ارتبط بها من هيبة ومكانة في نفوس مسلمي بوركينا فاسو الجبهة الوحيدة التي يقاتل عليها تراوري، فللديمقراطية أيضا نصيبها من نيران الحرب التي تنطلق باتجاهات متعددة في ذلك البلد الأفريقي الحبيس.
وقد أعلن تراوري بشكل صريح رفضه التام للديمقراطية، حينما خاطب شعبه في فاتح أبريل/نيسان 2025 "لسنا في ديمقراطية، بل في ثورة تقدمية شعبية وعلى الجميع فهم ذلك".
ولكي يفهم الجميع ذلك بدأت مسارات التنفيذ الفعلي لتضييق متواصل على الحريات العامة في البلاد، فبعد وصوله إلى السلطة في سبتمبر/أيلول 2022، أطلق مرحلة انتقالية ممتدة لـ5 سنوات، قبل أن يصدر في يناير/كانون الثاني 2026 مرسوما بحل الأحزاب السياسية، بدعوى أن تكاثر الأحزاب أفضى إلى انحرافات، عززت الانقسام بين المواطنين وهشّشت النسيج الاجتماعي.
وفي الشهور اللاحقة شنت الحكومة حملة شعواء على الجمعيات والمنظمات الأهلية، أسفرت عن حل وتعليق 929 منها، بشبه وتهم منها عدم تجديد الهيئات أو التجسس أو شبهات تمويل الإرهاب وفقا للمبررات الحكومية.
ولم تكن المنظمات الطلابية بمنأى عن هذه الحرب العوان، حيث تم حل الاتحاد العام لطلاب بوركينا فاسو بعد انتقاده للتضييق على الحريات في البلاد.
الحرب الثانية.. إبراهيم تراوري في مواجهة فرنسا
تمثل فرنسا إحدى الكلمات المفتاحية في خطابات "ثوار" منطقة الساحل، حيث تتوجه إليها سهام النقد والتهديد، خصوصا أن تاريخها الأفريقي كان استعماريا، نهب الثروات وأهان الشعوب.
ولم يخف تراوري منذ أيامه الأولى عداوته لباريس، غير أن مسار التوتر وصل نهايته في يونيو/حزيران 2026 حين أعلن قطع علاقات بلاده بفرنسا متهما باريس بأنها تضمر طموحات استعمارية جديدة تتجلى بوضوح في دعمها النشط للشبكات التخريبية والإرهابيين "الذين يغرقون بلادنا ومنطقة الساحل في الحداد".
ولأن فرنسا بثقافتها وتاريخها أصبحت جزءا أساسيا من الهوية الأفريقية، فقد كان المجلس العسكري في بوركينا فاسو حريصا على تحقيق مناط العلاقة المقطوعة، معتبرا في بيانه أن قرار القطع "يتعلق حصرا بالإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على المستوى الدبلوماسي، ولا يشكك بأي حال من الأحوال في الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين".
وفيما تزداد مشاعر الكراهية لفرنسا في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل خصوصا، وتتحول إلى ورقة يانصيب في أيدي الحكام الشباب في المنطقة، فإن ذلك العداء لم يجلب بعد للساحل الاستقرار، ولم يستطع الحليف الروسي ملء فراغ فرنسا في عالمها الأفريقي الذي صنعت أزماته، وصنعت كثيرا من قادته على أعينها.
الإرهاب الحرب الأولى.. خسائر متصاعدة وتصفيات عرقيةنالت بوركينا فاسو ربع الوفيات الناتجة عن الهجمات التي شنتها الجماعات الإسلامية المسلحة على مستوى العالم في العام الماضي، كما نالت أيضا 9 من 20 من الهجمات الأكثر دموية في العالم خلال عام 2024، وما زال كثير من سكان البلاد يعيشون بين نيران الجماعات المسلحة، ونيران المجلس العسكري.
إعلانوتذهب هيومن رايتس ووتش إلى أن الضحايا بنيران المجلس العسكري يفوقون ضحايا الإرهاب بأكثر من الضعف، أما المهجرون والنازحون داخل البلاد وخارجها فقد أنافوا على المليوني شخص.
وفيما تعلن الحكومة الثورية في واغادوغو من حين لآخر تمكّنها من القضاء على مئات من المسلحين، فإن اللهب ما زال يقتات بقوة من الأرض والناس في بوركينا فاسو (أرض الرجال الصادقين).
ويتداخل في "ملف الإرهاب" في منطقة الساحل العرق بالسياسة، حيث يتهم كثير من خصوم المجلس العسكري قيادته بممارسة التصفية العرقية ضد قومية الفولان، التي ينتمي إليها عدد كبير من مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذراع الأكثر عنفا ودموية تجاه الجيوش والحكومات في منطقة الساحل.
وحتى الآن لا يدعي الرئيس البوركينابي تحقيق انتصار على الإرهاب في بلاده، ورغم افتخاره أكثر من مرة بأنه استطاع تحرير محاور طرقية كانت بيد الجماعات المسلحة، فإن الهجمات ما زالت متواصلة، وما زال الجيش يفقد كل أسبوع تقريبا عددا من جنوده وهيبته، ولا تزال الحرب عوانا بين أطرافها في بوركينا فاسو.
وبين تلك الحروب الأربع يسير الثائر البوركينابي بسرعة خطابية فائقة، وبكثير من التضييق على الحريات وقليل من الانتصار في معارك متعددة الأوجه كثيرة الضحايا واللهب.
إرث سانكارا.. الحرب الأخيرة على صورة الثائر
في فترته الأولى، قدّم تراوري نفسه وقدمه أنصاره باعتباره امتدادا لإرث توماس سانكارا، الزعيم البوركينابي الذي لُقّب بـ"تشي غيفارا أفريقيا" بسبب خطابه المناهض للاستعمار ودعوته إلى الاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ومواقفه الرافضة للهيمنة الفرنسية والداعمة لحركات التحرر، بما فيها القضية الفلسطينية.
غير أن إرث سانكارا بدأ يتآكل بين يدي تراوري الذي أدار الظهر للقضية الفلسطينية، وتوجه إلى الحضن الإسرائيلي، كما أنه انغمس في راديكالية علمانية متطرفة، طالما انتقدها المتنورون الأفارقة على المستعمر الغربي وخصوصا فرنسا التي يقولون إنها جعلت من محاربة الإسلام ورموزه جزءا أصيلا من سياستها الثقافية في أفريقيا طيلة عقود من الزمن.
وفيما تزداد الأمور تعقيدا أمام خطوات تراوري فإنها أيضا تكشف عن غياب مشروع نهضوي أو فكري متماسك، عكس كما كان يميز سانكارا، بل تبدو السلطوية وخطاب القوة، والسير المتعجرف بين حقول ألغام السياسة والأمن أبرز ما يميز الثائر الشاب، والعدو الأكثر صراحة للاستعراب الأفريقي حتى الآن.