ما تزال "جماعات الهيكل" تتخذ من موسم الأعياد نقطة انطلاق لتصعيد عدوانها على المسجد الأقصى المبارك ليبلغ فيها أعلى ذروته، ولتغدو هذه الأعياد مناسبة لرسم واقع جديد في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال الحرص على إظهار الأدوات والشعائر الدينية التوراتية ومن أبرزها نفخ البوق "الشوفار" وفرض القربان، وإدخال القرابين النباتية والصلوات الملحمية وغيرها.

وفي هذه السنة يبدأ موسم الاقتحامات مع ابتداء موسم الأعياد في "رأس السنة العبرية" الذي يأتي يوم الخميس الثاني من أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام 2024، ثم يأتي بعده ما يعرف بأيام "التوبة" العشرة، ليكون بعدها "عيد الغفران" الذي يأتي في 12 أكتوبر/تشرين الأول، وصولا إلى "عيد العرش" الذي يمتد في الفترة الواقعة بين 17 و23 من الشهر نفسه.

يحرص المقتحمون على النفخ بالبوق "الشوفار" في أنحاء المسجد الأقصى المبارك، وقد حرصوا على النفخ فيه في أماكن متفرقة من غزة خلال اجتياحهم البري لها وحربهم الإبادية المتواصلة عليها، والنفخ بالبوق ليس محض طقس شعائري يهودي بل له دلالاته الخاصة التي تغيب عن أذهان كثير من المتابعين.

ما بوق "الشوفار"؟ وما معاني نفخه؟

"الشوفار" هو بوق مصنوع من قرن حيوان مأكول اللحم ما عدا الثور؛ فيكون من الماعز أو التيس أو الكبش أو الغزال ويشترط فيه ألا يكون ملتويا.

ومعنى النفخ ببوق "الشوفار" هو الدلالة على الانتقال بين زمنين مفصليين، فينفخ فيه في العام مرتين فقط؛ الأولى يومي رأس السنة العبرية مع شروق شمس اليوم الأول إلى ظهيرة اليوم الثاني إعلانا ببدء أيام التوبة العشرة عند اليهود، وتكون عدد النفخات مئة نفخة، والنفخ الثاني يكون في غروب شمس يوم الغفران إعلانا بانتهاء أيام التوبة.

وللنفخ ببوق "الشوفار" نوعان من المعاني؛ النوع الأول معاني متعلقة بالدلالات التوراتية، وهي تتعلق باستحضار النفخ بالبوق لقيام الموتى وإعلان يوم القيامة، ومعنى الحاجة للغفران والتوبة، واستحضار الحروب التي خاضها بنو إسرائيل وكانوا يستخدمون البوق فيها للإعلان عن الانتصار والسيطرة.

والنوع الثاني من المعاني متعلق بجماعات الهيكل التي ترى في النفخ بالبوق "الشوفار" إيذانا باقتراب قدوم المسيح المخلص، والنفخ بالبوق بالأقصى قائم على منهجية "توريط الرب" التي تتبعها جماعات الهيكل؛ فالنفخ بالبوق في الأقصى هو توريط للرب كي يستعجل بإرسال المسيح المخلص.

ما الجديد في النفخ بالبوق في اقتحامات الأقصى المبارك منذ سنة لليوم؟

الجديد في هذا السلوك الذي تمارسه الجماعات اليهودية يتمثل في نقطتين؛ الأولى: أن المؤسسة الحاخامية المركزية لجماعات الهيكل المتطرفة المسماة "السنهدرين الجديد" قد أعلنت للمرة الأولى عزمها نفخ البوق داخل المسجد الأقصى ضمن احتفالها برأس السنة العبرية الماضية وقامت بذلك بالفعل، وهذا تطور كبير ومسار تصاعدي نوعي في عمليات الاقتحام الصهيونية للمسجد الأقصى المبارك.

بل إن الحاخام "هيليل فايس"، وهو من أبرز قيادات هذه المؤسسة الحاخامية، أعلن مع بداية المواسم والأعياد التوراتية العام الماضي عن الانتهاء من تصنيع بوق من قرن ذكر الماعز بما يطابق الشروط التوراتية معلنا أيضا أنه سيتم النفخ به في المسجد الأقصى المبارك وقد كان ما أعلنه ونفخ فيه في أنحاء المسجد الأقصى المبارك.

الأخرى: أن "الحكومة الصهيونية" كانت تعلن ظاهريا على الدوام أنها ترفض وتعارض هذه الاقتحامات؛ لكنها اليوم تقدم غطاء ودعما قانونيا للاقتحامات الصهيونية، وللنفخ بالبوق؛ فهذه الاقتحامات ليست اعتداءات من جماعات الهيكل فحسب بل هي اعتداءات تتضافر فيها إرادة وتعاون ومشاركة المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية والمؤسسة الدينية في الكيان الصهيوني.

ما الدلالات الخطيرة للنفخ بالبوق في الأقصى المبارك؟

إن النفخ ببوق "الشوفار" إبان اقتحامات الصهاينة للأقصى أيام رأس السنة العبرية هو جزء من معركة طويلة على الأقصى المبارك؛ غير أن فيه مخاطر جديدة ودلالات مهمة؛ منها:

أولا: تحقيق مكسب للصهاينة على المسلمين في جولة مهمة من جولات معركة السيادة على المسجد الأقصى المبارك، فالأخطر في نفخ البوق داخل المسجد الأقصى أنه يمثل -في كل مرة يتم النفخ فيه- إعلانا سياديا للجماعات اليهودية على الأقصى، لأن من أهم معاني النفخ بالبوق هو إعلان النصر وبسط السيادة على الأرض التي يتم نفخ البوق عليها.

وقد اعتاد الحاخامات نفخ البوق في الأماكن التي يحتلها الكيان الصهيوني عقب السيطرة عليها مباشرة؛ وكان حاخام الجيش الصهيوني "شلومو غورين" يمارس ذلك؛ فقد نفخ بالبوق في سيناء أول مرة عام 1956م ثم نفخ فيها ثانية عام 1967م، كما نفخ في باحات الأقصى المبارك عام 1967م عندما دخله مع الجنود الصهاينة لإعلان انتصار الجيش الصهيوني في القدس.

فالمعركة على الأقصى هي معركة سيادة، ونفخ البوق هو من أجلى مظاهر هذه المعركة لذلك يصر الصهاينة المقتحمون على فعله في الاقتحامات يوم الاثنين والثلاثاء.

ثانيا: النفخ بالبوق هو إعلان صهيوني أن الأقصى صار دار عبادة يهودية؛ تمارس فيها الطقوس التوراتية كالسجود الملحمي وذبح القرابين، والنفخ بالبوق هو من أهم وأبرز هذه الطقوس التوراتية، كما أن النفخ بالبوق لإعلان بداية أيام التوبة معناه أنه يتم التعامل مع المسجد الأقصى بوصفه المركز الرئيس للديانة اليهودية؛ فهو الهيكل المزعوم من حيث السلوك التعاملي، إضافة إلى أن هذا نوع من أنواع تكريس التقسيم الزماني للمسجد الأقصى المبارك.

إن النفخ بالبوق "الشوفار" في اقتحامات الأقصى المبارك خلال مواسم الأعياد اليهودية وما يحمله من دلالات سيادية ودينية؛ يفرض على المسلمين التنبه إلى أن المعركة أخطر بكثير من مجرد صورة حاخام ينفخ بالبوق؛ بل هي معركة تتهدد مسرى نبيهم صلى الله عليه وسلم في أصل وجوده ووجودهم فيه؛ هي معركة سيادة سياسية ودينية، فإما أن تكون السيادة على الأقصى لكم أيها المسلمون أو لعدوكم.

إن الأقصى المبارك هو قبلة المسلمين الأولى ويجب أن يكون اليوم القبلة الأولى لاهتمامهم وعملهم وجهودهم ونصرتهم، فهو قضية تمس عقيدة كل مسلم، وقضية تلامس جوهر كل حر رافض للعدوان، وهو عنوان هوية المعركة الدائرة؛ ومن يقبل التفريط بالأقصى المبارك اليوم أو يتخاذل عن نصرته هو مفرط حكما في الحرمين الشريفين شقيقي الأقصى المبارك في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات الجامعات المسجد الأقصى المبارک السنة العبریة على الأقصى نفخ البوق البوق فی نفخ فی

إقرأ أيضاً:

الإمارات و7 دول تدين التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى

يُدين وزراء خارجية الإمارات، وتركيا، ومصر، والأردن، وإندونيسيا، وباكستان، والسعودية، وقطر، بأشدّ العبارات التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى المبارك، خاصّة استمرار الاقتحامات الحاشدة للمستوطنين بقيادة وزراء إسرائيليين متطرفين للمسجد الأقصى المبارك، تحت حماية قوات الشرطة الإسرائيلية، ورفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته، ونصب الشرطة الإسرائيلية خيمتين، وبقية الأعمال الاستفزازية الأخرى.

ويؤكّدون أنّ هذه الأعمال التصعيدية وغير المقبولة تشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والوضع القائم التاريخي والقانوني في الأماكن المقدسة في القدس الشرقية المحتلة.

استنكار وإدانة التحريض والاقتحامات

كما يستنكر الوزراء ويدينون بأشدّ العبارات الأعمال غير القانونية والمتطرفة المتمثّلة في التحريض والدعوات لحشد الاقتحامات، وأعمال العنف التي يرتكبها الوزراء والجماعات الإسرائيلية المتطرفة. ويحذّر الوزراء من أنّ هذه الأعمال الاستفزازية تغذّي الكراهية والتطرف، وتعرقل الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم على أساس حل الدولتين. وأن القيود المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس وأماكن العبادة فيها، إلى جانب القيود التمييزية والتعسفية على الوصول إلى سائر أماكن العبادة في البلدة القديمة، تشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، ومحاولات غير قانونية لتغيير الوضع القائم التاريخي والقانوني،

ويؤكد الوزراء أنّ لا سيادة لإسرائيل على القدس (المحتلة) أو أماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية.

كما يدين وزراء الخارجية استمرار الانتهاكات والإجراءات المُمنهَجة التي تنفّذها إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، والهادفة إلى تغيير الطابع التاريخي والقانوني والديموغرافي لمدينة القدس الشرقية المحتلة، والنيل من حرمة ومكانة أماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية.

الوضع التاريخي والقانوني في القدس

ويعيدون تأكيد رفضهم القاطع لأيّة محاولات لتغيير الوضع القائم التاريخي والقانوني في القدس وأماكنها المقدسة الإسلامية والمسيحية، ويشدّدون على ضرورة الحفاظ عليه، مع التأكيد على الدور الخاص للوصاية الهاشمية التاريخية في هذا الشأن.

ويجدد الوزراء التأكيد على أنّ كامل مساحة المسجد الأقصى المبارك، البالغة ١٤٤ دونماً، هي مكان عبادة خالص للمسلمين، وأنّ إدارة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى المبارك التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري بإدارة كافة شؤون المسجد الأقصى المبارك/الحرم القدسي الشريف، وتنظيم الدخول إليه.

ويدعوا الوزراء إسرائيل بصفتها القوة القائمة بالاحتلال إلى الرفع الفوري للقيود المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس، والامتناع عن عرقلة وصول المصلين المسلمين إلى المسجد الأقصى المبارك.

كما دعوا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم يُلزم إسرائيل بوقف انتهاكاتها المستمرة وممارساتها غير القانونية بحق الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، وانتهاكاتها لحرمة هذه الأماكن المقدسة.

مقالات مشابهة

  • 8 دول عربية وإسلامية تهاجم إسرائيل وتدعو المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حازم
  • أدانت اقتحام الأقصى.. 8 دول عربية وإسلامية تطالب بتحرك دولي لردع إسرائيل
  • الإمارات: لا سيادة لإسرائيل على القدس المحتلة أو أماكنها المقدسة
  • انتهاكات غير مقبولة.. مصر و7 دول يدينون التصعيد الإسائيلي في المسجد الأقصى
  • الأمم المتحدة: “إسرائيل” عززت سيطرتها على غزة والمدنيون ما زالوا يُقتلون رغم إعلان وقف النار
  • الإمارات و7 دول تدين التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى
  • الأزهر يدين تكرار اقتحام مسؤولي الكيان المحتل للمسجد الأقصى المبارك
  • متحدث القدس المحتلة: 4248 مستوطنا اقتحموا المسجد الأقصى
  • تقسيم المسجد الأقصى
  • الجامعة العربية تدين الدعوات التحريضية لاقتحام الأقصى المبارك وتحذر من تداعياتها