قالت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، إن الحكومة خلال السنة الماضية واجهت الأزمات بكل جرأة ومسؤولية، سواء منها الأزمات الخارجية التي شهدها العالم بأسره، أو تلك المرتبطة بالظرفية الداخلية، سواء أزمة زلزال الحوز، أو الفيضانات، أو سنوات الجفاف المتتالية.

وأوضحت نادية فتاح، في معرض ردها على ملاحظات وتساؤلات النواب البرلمانيين خلال جلسة عمومية خصصت للدراسة والتصويت على الجزء الأول من مشروع قانون المالية، أن الحكومة اتخذت تدابير إجراءات ذات وقع ملموس واستباقي، مكنت من التقليل والتخفيض من وقع هذه الأزمات على المواطنين المغاربة، جراء تضررهم من غلاء الأسعار، كاشفة أن الحكومة رصدت 105 مليارات درهم لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، بين 2022 و 2025، مقرة بوجود تحديات، قالت إن الحكومة منكبة على مواجهتها.

قالت وزيرة الاقتصاد والمالية، الخميس بمجلس النواب، إن مشروع قانون المالية لسنة 2025 يتسم بأربعة أبعاد أساسية تتمثل في البعد الاستباقي والبعد الاجتماعي، ثم المجالي، فالماكرو اقتصادي.

وفيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، أكدت الوزيرة على استمرار الحكومة في التنزيل الفعلي لورش الحماية الاجتماعية، قائلة « إن التغطية الصحية أصبحت اليوم واقعا يستفيد منه العديد من المغاربة (…) ونعمل ليل نهار لتحقيق التنزيل الفعلي لهذا المشروع »، رغم إقرارها بكون الفلاحين والصناع التقليديين مازالوا لم ينخرطوا بعد.

وتوقفت فتاح العلوي، في هذا الإطار، عند ورش الحوار الاجتماعي الذي أكدت أنه « كان له تأثير غير مسبوق، حيث خصص له مبلغ 20 مليار درهم هذه السنة »، بالإضافة إلى « تخفيض الضريبة على الدخل الذي سيكلف أكثر من 5 مليارات درهم إضافية، وسيستفيد منها أكثر من 80 في المائة من الشغيلة في القطاع الخاص ».

ولدى تطرقها للبعد المجالي لمشروع قانون المالية، نوهت المسؤولة الحكومية بـ « الرفع من حصة الضريبة على القيمة المضافة المخصصة للجماعات الترابية، والتي لم يطرأ عليها أي تغيير منذ سنة 1986″، موضحة أن « الحساب المرصود لأمور خصوصية « حصة الجماعات الترابية من حصيلة الضريبة على القيمة المضافة » ارتفع من 40 إلى 51 مليار درهم في سنة 2025″.

أما بخصوص البعد الماكرو اقتصادي، فأشارت الوزيرة إلى أنه يمثل أحد أهم مكونات تعزيز الإطار الاقتصادي، ويحضر بقوة في مشروع قانون المالية لسنة 2025، مبرزة أن « الحكومة تواصل التقليص التدريجي لعجز الميزانية إلى 4 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2024 قبل أن يستقر في حدود 3.5 في المائة سنة 2025 ثم 3 في المائة سنة 2026، إلى جانب تقليص المديونية إلى 69 في السنة المقبلة.

واعتبرت الوزيرة، انطلاقا من هذه المعطيات، أن الحكومة نجحت في رفع خمسة تحديات كبرى لتنزيل دور الدولة الاجتماعية.

وأفادت أن التحدي الأول يتعلق بمواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية « إذ أبانت الحكومة عن شجاعة سياسية فضلا عن تحليها بالواقعية والجرأة، لتقديم الدعم الاجتماعي لـ 4 ملايين أسرة ».

أما التحدي الثاني، فيتعلق ببرنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن الرئيسي، حيث أوضحت  نادية فتاح أنه « إلى غاية مستهل شهر نونبر 2024، وصل عدد الطلبات المقدمة لهذا الغرض أكثر من 113 ألف طلب، 26 في المائة منها تخص المغاربة المقيمين بالخارج، فيما 37 في المائة من هذه الطلبات تهم فئة الشباب أقل من 35 سنة ».

وتطرقت الوزيرة إلى التحدي الثالث، الذي يتعلق بالحوار الاجتماعي، مؤكدة أنه « في إطار تعزيز السلم الاجتماعي، ستقوم الحكومة سنة 2025 بتخصيص غلاف مالي قدره 20 مليار درهم لتنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي، مما سيمكن من تعزيز القدرة الشرائية لفئة واسعة من المواطنات والمواطنين ».

كلمات دلالية الاقتصاد والمالية غلاء الأسعار نادية فتاح العلوي

المصدر

المصدر: اليوم 24

كلمات دلالية: الاقتصاد والمالية غلاء الأسعار الاقتصاد والمالیة قانون المالیة فی المائة من نادیة فتاح سنة 2025

إقرأ أيضاً:

نظرية الميزان.. حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (٢)

الميزان بين السماء والأرض (الأركان الفلسفية والتأسيس النصي)

تمهيد: في البحث عن الأسبقية المعرفية


انتهينا في الحلقة السابقة إلى أن أزمة العدالة لا تكمن في غياب الرغبة في التبشير بها، بل في غياب "المعيار المشترك" للتقويم. ومن هنا يتحول سؤالنا من البحث الأخلاقي إلى سؤال معرفي: "بأي معيار نعرف أن ما وصفناه بالعدل هو عدلٌ حقاً؟"

وفي هذا السياق، يقدم الطرح القرآني أطروحة متماسكة؛ فلا يكتفي بالحث التطبيقي على القسط، بل يطرح مفهوماً أسبق يمثل حجر الأساس للمشروع، وهو: "الميزان".

أولاً ـ برهان الأسبقية المنطقية (التدرج من المعيار إلى الميزان)

يتأسس البرهان المنطقي في هذه الأطروحة على ثلاث خطوات متدرجة لتجنب الفجوات الاستدلالية:

ضرورة المعيار ـ كل حكم تقويمي (وصف فعل بأنه عدل أو ظلم) يستلزم منطقياً وجود معيار مرجعي سابق ومستقل يُقاس عليه؛ إذ العدل ليس كائناً قائماً بذاته، بل هو حكم ينصبّ على الممارسات.

نُعرّف الميزان إجرائياً بوصفه: "النسق المرجعي الضابط الذي يُحتكم إليه لتحديد النِسَب والمقادير الشرعية والعقلية لتقويم الأحكام والممارسات؛ حيث يؤسس الشرع تلك المقادير، بينما يتولى العقل كشفها بالاستقراء وإدراكها لا إنشاءها من العدم." الحلقة التجسيرية ـ بما أن النص القرآني يقدم مفهوم "الميزان" بوصفه المرجع الحاكم والأسبق المتقدم على القيام بـ "القسط" (التطبيق)، فإن "الميزان" يبرز كـ مرشح مفاهيمي مؤهل لأداء وظيفة ذلك المعيار الموضوعي المتسامي عن الأهواء.

النتيجة: بناءً عليه، نقترح قراءة "الميزان" باعتباره التحقيق الفعلي لشرط المعيار المطلوب منطقياً، دون الادعاء بأن النص يفرض هذه الصياغة الاصطلاحية بلفظها.

سؤال فلسفي واعتراض أول:

الاعتراض ـ قد يُقال: "ما المانع من أن يصنع كل مجتمع معيارَهُ بنفسه عبر التوافق أو العقد الاجتماعي؟"

الرد ـ هذا الاعتراض ينقلنا إلى أطروحات "العقد الاجتماعي" والعقل العمومي؛ وسنفرد لها مساحة واسعة في الحلقات القادمة. ولكن نكتفي هنا بالإشارة إلى أن حتى "العقد الاجتماعي" نفسه يحتاج إلى معيار سابق يُحتكم إليه لتقييم مدى عدالة العقد ومحتواه أصلاً. وغاية ما نطرحه هنا هو استكشاف "الميزان القرآني" كنموذج أوليّ للمعيار الموضوعي، تمهيداً للمفاضلة بين النظريات.

ثانياً ـ التحليل اللساني والتحديد المفاهيمي

تقتضي الدقة التأسيس المعجمي والتمايز المفاهيمي قبل الاستدلال:

1 ـ المؤصل اللساني للجذر (و ز ن):

يدور أصل المادة اللغوية (و ز ن) في المعاجم العربية حول معنى: "التقدير المعتدل، ومراعاة المساواة، ونفي الاختلال". وعند الاستقراء اللساني للقرآن، نجد أن الاستعمال لم يقتصر على الآلة المادية، بل امتد ليعبر عن خاصية الانضباط والمقادير الحتمية المودعة في الأشياء؛ كما في قوله تعالى: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)، أي مقدر بمقادير محددة يقع بها التوازن.

2 ـ التمايز المفاهيمي الإجرائي:

بناءً على ذلك، نتمايز بين ثلاثة مفاهيم يقع بينها خلط:

الميزان ـ المنظومة الضابطة والمقادير الثابتة المودعة في الشيء.

العدل ـ الحكم بالاستقامة بناءً على إدراك ذلك المقدار.

القسط ـ الممارسة المشهودة للعدل في واقع الناس.

ونُعرّف الميزان إجرائياً بوصفه: "النسق المرجعي الضابط الذي يُحتكم إليه لتحديد النِسَب والمقادير الشرعية والعقلية لتقويم الأحكام والممارسات؛ حيث يؤسس الشرع تلك المقادير، بينما يتولى العقل كشفها بالاستقراء وإدراكها لا إنشاءها من العدم."

فالميزان كاشفٌ للقيمة لا منشئٌ لها؛ كالمكيال لا يخلق ثقل الموزون بل يُظهره. ومتى استند الإنسان إليه تحول إلى مرجعية موضوعية يُحتكم إليها دون أن يتوقف صدقها على رغبة أحد.

ثالثاً ـ العلة اللسانية والمفهومية (لماذا "الميزان" وليس "العدل"؟)

يثور سؤال بنيوي: لماذا آثر النص استخدام "الميزان" في هذا السياق دون "العدل"؟

الآلية مقابل الغاية: "العدل" غاية نهائية، بينما "الميزان" هو المنظومة المعيارية والآلية الضابطة للوصول إليها؛ فالنص يضع الأداة أولاً لضمان الغاية.

الشمول الكوني والتشريعي: لفظ "العدل" يُصرف غالباً للإنصاف الأخلاقي، بينما يتسع "الميزان" لغةً واستعمالاً ليشمل التوازن الكوني والتشريعي، محققاً وحدة النسق بين السماء والأرض.

تأسيس الموضوعية: مفردة "العدل" قد تقع صريعة التأويلات الذاتية، بينما يُلزم "الميزان" العقل بمقادير موضوعية محددة، فتنتقل القيمة من انطباعات المكلف إلى معيار مستقل.

رابعاً ـ الشواهد السياقية وتماسُك النَظم

يتجلّى التأسيس السياقي في فواتح سورة الرحمن: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ).

ورود اللفظ بين مَعلمين كونيين (رفع السماء، ووضع الأرض) يُرجِّح استقراءً أن المراد بالوضع ليس مجرد الآلة الجزئية، بل هو نظام كلي.

البرهان النصي على التماثل والوحدة:

تتجلى وحدة الضابط في النظم القرآني عبر استخدام المفردة ذاتها (الميزان) والتحذير من الاختلال بنفس النهي (ألا تطغوا)؛ ليقرر النص أن اختلال التوازن في عالم الطبيعة يُعد طغياناً، كما أن إخلال الإنسان بالعدل في سلوك المكلَّف هو طغيان في الميزان ذاته؛ مما يشير إلى وحدة المنبع المعياري للتوازن في الكون والتشريع.

استئناس بالمأثور التفسيري:

وهنا نستأنس باتجاهات تفكير أئمة التفسير كأرضية تُساند هذه القراءة، دون ادّعاء تبنيهم الصريح للنظرية بصياغتها الحديثة:

الطبري: يتجه في المعنى إلى أن "الوضع" هو: "وَضعُ العدل بين خَلقه ليأتمِروا به".

الراغب الأصفهاني: يُوسِّع المعنى ليكون: "ما يُوزن به، أي يُقدَّر، عقلياً كان أو شرعياً".

تتجلى وحدة الضابط في النظم القرآني عبر استخدام المفردة ذاتها (الميزان) والتحذير من الاختلال بنفس النهي (ألا تطغوا)؛ ليقرر النص أن اختلال التوازن في عالم الطبيعة يُعد طغياناً، كما أن إخلال الإنسان بالعدل في سلوك المكلَّف هو طغيان في الميزان ذاته؛ مما يشير إلى وحدة المنبع المعياري للتوازن في الكون والتشريع. ابن عاشور: يتجه إلى كونه: "قانون العدل الذي به قوام نظام العالم".

سيد قطب: يوسع الدلالة لتكون: "معيار الحق والعدل لتقدير القيم والأحداث والأشخاص والأشياء".

دحض الرمزية: النص يفصل بين "الميزان" بوصفه النسق المنَزَّل، و"القِسط" بوصفه التطبيق: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، مما ينقله من الرمز الشكلي إلى المَرجِع الحاكم.

خامساً ـ النسَق البنيوي للآيات واستنباط المبادئ الإجرائية

تتكامل آيات سورة الرحمن في نسق يربط ثباتَ المعيار بسلوك المكلَّف:

وحدة النَظم ـ الخطاب موجه لـ (الوازن)؛ بين نهي عن الإفراط (ألا تطغوا)، وأمر بالوسط الذهبي (وأقيموا)، ونهي عن التفريط (ولا تخسروا).

دلالة "أَقِيمُوا" ـ الإقامة هي رعاية الميزان مقاصدياً بضبط حركة الوازن.

تأسيس المبادئ الإجرائية (اختبار البنية المعيارية): يمكن أن تُشتق من التوصيات الملازمة للميزان مبادئ كليّة وقواعد إجرائية معاصرة.. النهي عن الطغيان (ألّا تطغوا): يمكن أن تُشتق منه الأصول الحاكمة لمبدأ منع "التعسف في استعمال الحق" ومواجهة "التحايل على القانون".. الأمر بالإقامة (وأقيموا): يُستنبط منه الأصل المعياري لـ "الاجتهاد المقاصدي" لإعمال روح المعيار واستدامته.

(وسنفرد لتطبيقات الفروع تفصيلاً مستقلاً في الحلقات التطبيقية القادمة).

سادساً ـ الخاتمة والنتيجة المنهجية

إذا صح منطقياً أن الحكم التقويمي لا يسبق المعيار المرجعي، وإذا كان النص القرآني يطرح مفهوم "الميزان" بوصفه الشرط الأسبق للقيام بـ "القسط"، فإن قراءة الميزان باعتباره "الإطار المرجعي الحاكم للعدالة" تصبح فرضية تفسيرية واعدة وجديرة بالاختبار والمفاضلة مقارنةً بالنظريات الفلسفية المنافسة في الحلقات القادمة.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • الأقمار الصناعية تكشف المفاجأة.. كيف تعيد إيران بناء قوتها بعد الضربات الأمريكية؟
  • تحت وطأة الحر الشديد.. وفاة طالب بـ«كلي الطب» في قاعة الامتحان ومطالب بتحقيق عاجل
  • بعد إرتفاع الأسعار... تحذير من موجة غلاء جديدة
  • نظرية الميزان.. حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (٢)
  • فرج عامر: ودية الأهلي الأولى كشفت لعموتة أزمات دفاعية وأثارت دهشته من مستوى بعض اللاعبين
  • البنك الدولي: المغرب يسجل أفضل أداء اقتصادي في عشر سنوات
  • وسيط المملكة: الاقتصاد والمالية يتصدران التسويات وضعف تجاوب الإدارة أبرز الإكراهات (فيديو)
  • قطاع الداخلية يتصدر قائمة الإدارات الأكثر موضوعاً للتظلمات سنة 2025
  • بنك المغرب يسجل نتيجة صافية بلغت 5,74 مليارات درهم برسم سنة 2025
  • المداخيل الجارية ترتفع بـ15,4% إلى متم يونيو... والحكومة تتوقع نمو الاقتصاد بـ5,3% في 2026