واقع مأساوي لأصحاب الأمراض المزمنة في غزة
تاريخ النشر: 15th, January 2025 GMT
ياسر البنا- غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، مكث محمد نبهان 17 يوما من دون غسيل كلى، جراء الاجتياح الإسرائيلي لمدينة غزة واقتحام مستشفى الشفاء، وهو ما عرضه لخطر الموت.
آنذاك، قرر نبهان (33 عاما)، المصاب بالفشل الكلوي منذ عام 2012، النزوح إلى محافظة وسط قطاع غزة للحصول على جلسات غسيل الكلى في مستشفى شهداء الأقصى.
وأقام نبهان في الشارع وفي ممرات مستشفى الشفاء نحو 3 أشهر، فالتواجد قرب المستشفى مسألة حياة أو موت بالنسبة له، إلى أن حصل على خيمة داخل مركز إيواء قريب من المستشفى.
وحتى اليوم، يقيم نبهان بجوار المستشفى كي يتلقى جلسات غسيل الكلى، إلا أن حالته الصحية قد ساءت كثيرا.
فعلى مدار الشهور الماضية، اضطرت إدارة المستشفى إلى تقليص جلسات غسيل الكلى للمرضى، كي تتمكن من تقديم الخدمة لأعداد كبيرة من المرضى النازحين من شمال القطاع وجنوبه.
كذلك يعاني نبهان كثيرا من نوعية الطعام المتاح الذي يحصل عليه من "تكية" مركز الإيواء، والتي تقتصر غالبا على البقوليات وصلصة البندورة والمعلبات، مؤكدا أنها مؤذية لمرضى الفشل الكلوي.
لا علاج لمرضى السرطان
قبل الحرب، كانت اعتدال البس (60 عاما)، المريضة بسرطان القولون منذ عام 2015، تجري فحوصات دورية كل 3 أشهر في مستشفى الصداقة الفلسطيني التركي الخاص بمرضى السرطان، بالإضافة إلى تلقيها مجموعة من الفيتامينات اللازمة.
إعلانلكنها منذ بداية الحرب قبل 15 شهرا لم تجرِ أي فحوصات ولم تتلق أي علاج لمرضها.
ودمرت إسرائيل في الحرب مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني الواقع جنوبي مدينة غزة، بالإضافة إلى عشرات المراكز الطبية والمستشفيات.
ومنذ بداية الحرب، لا يتوفر لمرضى السرطان العلاج اللازم وينتظر أغلبهم السفر للعلاج في الخارج.
وأدى فقدان الفحوصات والعلاج إلى تردّي حالة اعتدال النفسية كما تقول؛ فهي تشعر بالقلق الشديد على صحتها، وخاصة مع اضطرارها إلى تناول أطعمة غير صحية وخاصة المعلبات.
قلب وسكري بلا علاج ورعاية
وكغيرها من أصحاب الأمراض المزمنة، تنتظر عائشة البُرعي (65 عاما) انتهاء الحرب، لاستئناف الحصول على الرعاية الخاصة بمرض القلب الذي تعاني منه منذ 11 عاما.
وأصيبت عائشة بتضخم في القلب بالإضافة إلى توسع خطير في الشريان التاجي.
وبسبب الحرب، لم تجرِ أي فحوصات ولم تزر الطبيب على مدار 15 شهرا الماضية.
وأدى سوء التغذية والحالة النفسية القاسية إلى نزول وزن عائشة من 83 كيلوغراما إلى 54 فقط.
أما عدنان حسونة (65 عاما) فيعاني من مرضي السكري وارتفاع ضغط الدم، كما تعاني زوجته سميرة من مرض الفشل الكلوي.
ويقول عدنان إن مرضى السكري يواجهون معضلة كبيرة تتمثل في اعتماد علاجه على الحمية الغذائية، وهو أمر متعذر حيث يتكون معظم الطعام الذي تسمح إسرائيل بدخوله من النشويات كالخبز والبقوليات.
ويضيف أن قلة العلاج وسوء التغذية تسبب بإصابته بأحد مضاعفات السكري الشائعة والمتمثلة في خدر القدمين.
وإلى جانبه، تشكو زوجته من مرض الفشل الكلوي فتقول إنها تركت أولادها في مدينة غزة ونزحت إلى دير البلح لتوفر خدمة غسيل الكلى في مستشفى شهداء الأقصى.
ديمة وأمير.. مأساة من نوع آخر
تعاني ديمة جاد الله (14 عاما)، وشقيقها أمير (5 سنوات)، من نوع مختلف من الأمراض المزمنة، وهو الشلل الناجم عن ضمور العضلات.
إعلانويحتاج الشقيقان إلى بيئة صحية خاصة، نظرا لضعف مناعتهما، بالإضافة إلى العلاج الطبيعي المكثف والتغذية وأدوية خاصة.
لكنّ والدهما أيمن وجد نفسه في وضع مرعب بعد اضطراره إلى النزوح المتكرر من مكان إلى آخر بهدف النجاة بأسرته من حرب الإبادة الإسرائيلية.
وينام الطفلان ديمة وأمير على أرضية الخيمة المكونة من الرمال المغطاة بقطعة من النايلون، وهو ما تسبب بإصابتهما بتقرحات وأمراض جلدية.
وتتعدد أوجه معاناة أيمن مع طفليه، بدءا من غياب جلسات العلاج الطبيعي، ومرورا بعدم قدرته على شراء "الحفاظات" واستبدالها بقطع القماش، وغياب التغذية الصحية والعلاج، وليس انتهاء بمشكلة المرحاض المشترك مع العديد من العائلات.
وتسببت الحرب بتردّي الحالة النفسية للطفلين جراء أصوات الانفجارات، فكثيرا ما يصابان بالفزع الذي يؤدي إلى "التبول اللاإرادي".
ويختم أيمن حديثه بالقول إن "الولدين انتكسا، بعد الحرب سأبدأ معهم من تحت الصفر مجددا".
واقع الأمراض المزمنة في شمالي القطاع
تبدو مأساة أصحاب الأمراض المزمنة في شمال القطاع (مدينة غزة ومحافظة الشمال) أكبر بكثير من منطقة الوسط والجنوب، جراء تركيز الاحتلال لعدوانه هناك.
وتلفت الطبيبة عُلا النجار، مديرة دائرة الأمراض المزمنة بوزارة الصحة بشمالي القطاع، إلى أن الاحتلال دمّر 8 مراكز "رعاية أولية" مختصة بعلاج الأمراض المزمنة من أصل 14.
وتوضح -في حديث للجزيرة نت- أن هذا الأمر أضعف جودة الخدمة المقدمة للمرضى كثيرا، ولفتت إلى زيادة الإصابة بمضاعفات الأمراض المزمنة، مثل جلطات الدماغ والقلب ومشاكل الكلى.
كذلك أوضحت أن سوء التغذية جراء عمليات التجويع الإسرائيلية يفاقم أوضاع الأمراض المزمنة.
وتطرقت إلى تفاقم أوضاع المرضى النفسيين، بعد تدمير إسرائيل للمستشفى الوحيد الذي يخدمهم، مؤكدة عدم وجود أي جهة ترعى هذه الفئة حاليا.
إعلانكما لفتت إلى عدم توفر أي طبيب خاص بأمراض السرطان في شمال القطاع.
350 ألف مريض
يكشف الدكتور خليل الدقران المتحدث باسم وزارة الصحة بقطاع غزة أن عدد أصحاب الأمراض المزمنة في قطاع غزة يصل إلى نحو 350 ألف شخص.
ويقول للجزيرة نت إن جيش الاحتلال يحرمهم من الخدمة الطبية من خلال منع وصول الأدوية وإغلاق المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وهو ما تسبب بوفاة أعداد كبير منهم.
ولفت إلى أن مخزون الأدوية انخفض بنسبة 75%، في حين نفد نحو 80% من الأدوية المنقذة للحياة.
وذكر أن الاحتلال دمر 82 مركزا صحيا من أصل 90، وأخرج 72 مستشفى عن الخدمة في مناطق القطاع كافة.
وقال إن قدرة وزارة الصحة على إجراء التحاليل الطبية لأصحاب الأمراض المزمنة محدودة جدا، نتيجة عدم توفر المستلزمات الخاصة بالمختبرات.
وتطرق إلى معاناة مرضى السرطان بشكل خاص، فقال إن عددهم يبلغ نحو 12 ألفا و500 مريض، بينهم 2500 طفل، لا يحصلون على الخدمة الصحية اللازمة، بعد نفاد نحو 90% من العلاج الخاص بهم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات الأمراض المزمنة فی بالإضافة إلى غسیل الکلى
إقرأ أيضاً:
د. عمرو سليمان يكتب: أوهام المرتب الثابت (2): بين رعب الروتين.. ومخاطر ريادة الأعمال.. أين تقع المساحة المنسية لأصحاب الكفاءات؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أحدث المقال السابق حول "أوهام المرتب الثابت" تفاعلًا واسعًا وحراكًا فكريًا ثريًا تجلى في تعليقات وقراءات عميقة من القراء الذين أعتبرهم شركاء أساسيين في هذه السلسلة من المقالات، واستلفت انتباهي ثلاثة تعليقات بالغة الأهمية؛ الأول يرى أن الحقيقة أوسع من معادلة صفرية بين موظف خائف وصاحب عمل يغامر، مشيرًا إلى ثقل المسؤوليات الأسرية وضرورة التوازن والمؤسسية العادلة، والتعليق الثاني يضع اليد على الجرح الهيكلي؛ مؤكدًا أن بناء الذات يحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة، وسياسات مالية ونقدية داعمة، وتشريعات تحمي من البيروقراطية وتعدد جهات الرقابة، أما الثالث فيرى المقالة السابقة تحريضًا على ترك الوظيفة والاتجاه إلى ريادة الأعمال والعمل الحر بغض النظر عن وضع وكفاءة الموظف في مؤسسته أو وضع المؤسسة نفسها ورؤيتها وأثرها في الاقتصاد.
وهنا تحديدًا تكمن اللحظة المعرفية الفارقة التي أدعوك لمواجهتها؛ فالأزمة الكبرى في الفكر الاقتصادي السائد لدى مواطني الدول النامية هي سجنه للناس داخل "ثنائية مرعبة": إما أن تبقى مسمارًا في آلة الروتين الوظيفي وتستسلم للركود، وإما أن تقفز في الظلام لتصبح رائد أعمال يغامر باستقرار أسرته قبل مدخراته لتأسيس مشروع حر قد تعصف به البيروقراطية أو تقلبات السوق.
هذه المعادلة الحادة - إما الأمان الروتيني الكامل أو المخاطرة المفتوحة الكاملة - هي التي تزرع الفزع، وتدفع الملايين للركون القسري في منطقة الراحة، باعتبار أن أي تحرك هو انتحار مالي، لكن الحقيقة المعاصرة تؤكد أن المساحة الممتدة بين هذين الحدين ليست فراغًا، بل هي مساحة ذهبية ممتلئة ببدائل مهنية حقيقية تمنح الفرد حراكًا ومرونة دون أن تحمله مخاوف ريادة الأعمال ولا قيود الروتين الميت.
إن التحرر من أوهام المرتب الثابت لا يعني بالضرورة أن تترك عملك لتفتح مشروعًا تجاريًا تجهل قواعده، بل يعني أن تدرك وجود مسارات متعددة لتطوير موقعك في بورصة الكفاءة، ليس ذلك فحسب، بل يفتح الباب لترتقي في وظيفتك وتنهض بمؤسستك أو الشركة التي تعمل بها، إذا كانت مؤسسة تقدر كفاءتك وتطور من إمكانياتك وتنمو إنتاجيًا لتترك فيك الأثر قبل أن تترك الأثر في عملائها ومورديها وكافة المتعاملين معها.
1. المبادرة الداخلية:
وهي ممارسة روح الابتكار والتطوير داخل المؤسسة التي تعمل بها؛ عبر طرح حلول خلاقة، وتحويل نفسك من موظف "تسيير أوراق" إلى "صانع قيمة وموارد"، تضيف إلى مؤسستك وتضيف لمجتمعك، وهنا تصبح عنصرًا حرجًا لا يمكن الاستغناء عنه، فتجبر البيئة والمؤسسة على منحك المقابل المالي الذي تستحقه ربما دون أن تطلبه.
2. الارتقاء الأفقي وتغيير البيئة:
زجاجة المياه التي استشهدنا بها سابقًا لا تغير طبيعتها كـ "ماء"، بل تغير "مكانها"، إن الانتقال من مؤسسة راكدة تبخس حق كفاءتك إلى بيئة عمل تنافسية (شركات دولية، مؤسسات ناشئة واعدة، أو قطاعات نمو حديثة) يقفز بقيمتك السوقية فورًا، فالاستمرار في الوظيفة ليس عيبًا، بل العيب في الاستمرار في بيئة تقتل قيمتك وتطفئ طموحك.
3. التحول المهني الذكي:
العقلية الاتكالية تجعل الإنسان يرهن حياته لشهادة حصل عليها منذ سنوات طويلة، بينما العقل المرن يمتلك شجاعة إعادة التدوير المهني؛ بدمج خبرته التراكمية مع أدوات العصر الحديثة (كالذكاء الاصطناعي، أو تحليل البيانات، أو إدارة المشاريع) للانتقال إلى مسار وظيفي جديد بالكامل يرتفع عليه الطلب وتتحقق فيه القيمة المضافة.
4. العمل الحر والاستشارات المستقلة:
يمكن للخبرة والحرفية المتقنة أن تُباع للأسواق المحلية والدولية كاستشاري أو ممارس مستقل دون الحاجة لتأسيس شركة وتحمل تكاليف إدارية ضخمة، وهنا تتعدد مصادر دخلك بدلًا من الارتهان لجهة عمل واحدة تتحكم في مصيرك بمرتب ثابت لا يسد رمق التضخم.
إننا نتفق تمامًا مع طرح قرائنا الأعزاء: البيئة الاقتصادية المشجعة والدولة القوية بمؤسساتها العادلة هي الأساس الهيكلي لأي نهضة، لكنك كفرد، لا تملك رفاهية انتظار أن تكتمل هذه البيئة لتشرع في تغيير حياتك، فدور الدولة والبيئة هو توفير الشروط، ودورك أنت هو اقتناص الفرص وتطوير الذات.
الأمان المالي الحقيقي ليس في اسم الكرسي الذي تجلس عليه، ولا في المخاطرة العشوائية، بل في عقل مرن، وقدرة مستمرة على التعلم، وجرأة إعادة تموضعك في المكان الذي يعظم قيمتك، لا تسمح لأحد بأن يخيرك بين الركود أو الهاوية.. اختر مسارك، وغير موقعك.
وتذكر دائمًا:
أنتَ الفِعْل.. فلا تَنْتَظِر فِعْلًا من أَحَد.