الشيخ العالم والقاضي سيف بن حمود بن حامد بن حبيب البطاشي ، ولد في 23رمضان 1347هـ/ 3مارس 1929م بقرية إحدى، قرية من قرى ولاية دماء والطائيين. تلقى تعليمه في قريته وحفظ القرآن الكريم وتلقى بعض من علوم اللغة العربية والحساب، بعدها قرر الاستزادة في العلم فجلس في مجلس الشيخ محمد بن أنيس بن شامس البطاشي ليتعلم علوم اللغة العربية، ثم شق عصا الترحال إلى نزوى ليتعلم على يد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، بعدها عاد إلى قريته وفيها تفرغ للمطالعة والاعتماد على نفسه في طلب العلم.
وفي عام 1951م سافر البطاشي إلى زنجبار ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في طلب الرزق والعلم وشراء كل ما يقع بين يديه من كتب ومخطوطات وعاد بها إلى قريته لينشأ فيها مكتبة عامرة بفرائد الكتب والمخطوطات.
عمل البطاشي في القضاء فتولى القضاء من عام 1960م وحتى عام 1981م، وخلال هذا التنقل بين ولايات عمان للعمل في القضاء، لم ينس البطاشي شغفه بالكتب فكان يقرأ الكثير منها ويشتريها ليزود بها مكتبته.
وفي عام 1981م عمل في وزارة التراث والثقافة، في لجنة تصحيح المخطوطات ومراجعتها، بعدها انتقل للعمل في ديوان البلاط السلطاني سنة 1990م ليعمل باحثا في مكتب معالي السيد محمد بن أحمد البوسعيدي المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية والتاريخية.
للبطاشي مؤلفات عدة منها: كتاب " إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل"، الذي كتب في مقدمته مغزاه من هذا هذا الكتاب القيم حيث قال:" فقد خطر بالبال أن أجمع ما أطلعت عليه من الأحاديث والأخبار وأمثال العرب وغيرها مما جاء على لفظة أول، مبتدئا بما ورد منذ أول الخليقة وهلم جرا". وأشار البطاشي أن الداعي لكتابة هذا الكتاب أنه لم يجد من كتب في هذا الموضوع من قبل ويعد هذا الكتاب من الكتب الشيقة التي تقدم معلومات خفيفة وسريعة وشيقة في آن واحد، فهو يستعرض كما أشار المؤلف في مقدمته الأوائل في كل أمر كأول من كتب وأول من تسمى باسم معين، وأول من اخترع وأول من اكتشف، وابتدأ الكتاب بتعريف لفظ الأول فقال:" الأول هو اسم من أسماء الله الحسنى وهو اسم احاطة كالآخر ومعناه الأول قبل كل شيء، كما أن الآخر، الآخر في كل شيء". وعملت وزارة التراث والثقافة على نشر الكتاب في عام 1988م ويقع الكتاب في 458 صفحة.
ومن المؤلفات القيمة للشيخ البطاشي كتاب " تاريخ المهلب وآل المهلب" وهو كتاب نشرته مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي في 233صفحة، ويشير البطاشي في مقدمة هذا الكتاب أن الهدف من كتابته التعرف على سيرة الصالحين والقادة الذين لابد من التشبه بهم وبكريم أفعالهم وأنه أراد من كتابة تاريخ المهلب بن أبي صفرة وأولاده من بعهده أن يجمع سيرتهم في كتاب واحد ، فالشيخ البطاشي بحكم اطلاعه على جميع ما كتب عن المهلب لم يجد كتاب جامعا لأخبارهم فقرر كتابة هذا الكتاب لجمع شتات تاريخهم. سعى البطاشي من خلال الكتاب تسليط الضوء على آل المهلب وتناول مثالبهم والرد على عدد من الأفكار المتداولة عنه، كالمقارنة بينهم وبين البرامكة ، فالبطاشي لا يرى أن البرامكة وآل المهلب متشابهين إلا في كونهم أسر سياسية لها صيت واسع وأن الأسرتين عرف عنهما الكرم أما ما عدا ذلك فهو يقول :" وأما ما عدا ذلك من حسن السياسة وتدبير الحرب والشجاعة وقيادة الجيوش ومقارعة الأبطال فآل المهلب أشهر وأبعد صيتا لتطاول الأيام بهم".
وللبطاشي كتاب الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد ، تولى الأستاذ دكتور سعيد بن محمد الهاشمي التعليق على الكتاب، ونشرته مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي ، في 469 صفحة. يتألف الكتاب في تسعة أبواب تتمحور حول الإمام أحمد بن سعيد والتعريف بنسبه، وسيرته، والقصائد التي قيلت في مدح الإمام أحمد بن سعيد، ولاة الإمام والمراسلات المتبادلة بينه وبينهم واستعرض البطاشي ثلاثة عشر مراسلة ، والباب السابع في بلدان البوسعيد والأفلاج التي أحدثوها في عمان، والباب الثامن خاص بأولاد الإمام والباب التاسع والأخير في نسب البوسعيد.
أما كتاب" إيقاظ الوسنان في شعر وترجمة الشيخ خلف بن سنان" فلقد كتبه البطاشي بهدف :" وكان القصد أن أكتب ترجمة – الشيخ خلف بن سنان الغافري- مع تراجم علماء زمانه ولكن لما لهذا لشيخ من ثروة علمية نظما ونثرا تحصلت عليها من مواضع متعددة، وبعضها من بين أوراق مبعثرة ومتمزقة هنا وهناك... ولأجل هذه الحصيلة المتوفرة عندي من أثر هذا العالم الشهير ... دعاني أن أفرد ترجمته في جزء مستقل". نشر الكتاب مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، وكانت طبعته الأولى بتاريخ 1995م، ويقع الكتاب في 263صفحة.
أما كتاب " فتح الرحمن ومورد الظمآن في جوابات الشيخ سلطان" فهو كتاب اشتمل على جوابات الشيخ سلطان بن محمد بن صلت البطاشي، وهو من علماء القرن الثالث عشر الهجري الموافق التاسع عشر الميلادي
ومن الكتب بالغة الصيت والأهمية للشيخ البطاشي كتاب" إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان" وهو نتاج لشغف سيف بن حمود البطاشي للمخطوطات ودراسته لها، فتولدت في ذهنه فكرة كتابة كتاب يضم ترجمة لأبرز علماء عمان، وأن تكون المخطوطات هي المصدر الأساسي الذي يعتمد عليه في كتابة هذا الكتاب حتى يُغطي من خلاله النقص الحاصل في المكتبة العمانية، بالإضافة إلى مصادر أخرى كالكتابات على الصخور وشواهد القبور ووثائق الأفلاج والصكوك الشرعية. وكتب البطاشي في تمهيد الكتاب:" فقد دعتني الهمة إلى أن أكتب تاريخا من علمائنا من أهل عمان الأقدمين منم والآخرين، ابتداء من عصر الصحابة ممن عرفت منهم ، وأطلعت على أخبارهم أو مؤلفاتهم أو أجوبتهم العلمية، لا لقصد التأليف بل للتعلم والاستفادة".
بدأ البطاشي في كتابة إتحاف الأعيان في حدود سنة 1990م وانتهى منه سنة 1998م، وجعل الكتاب في ثلاثة أجزاء، الجزء الأول جمع فيه علماء عمان من القرن الأول الهجري وحتى القرن الثامن الهجري، جمع فيه ترجمة مائة شخصية بالإضافة إلى 132 عالما قيد أسمائهم لعدم توفر معلومات كافيه عنهم. وفي هذا الجزء ركز على أئمة عمان خلال القرنين الرابع والخامس من الهجرة، حيث كان يكثر الخطأ في ترتيبهم الزمني عند عدد من المؤرخين فأراد البطاشي أن يوضح الترتيب الصحيح لهم.
والجزء الثاني يضم ترجمة لأربعين عالما من علماء القرنين التاسع والعاشر الهجريين، وقيد اسم سبعة وثلاثين عالما لم تتوفر عنهم معلومات كافية. وقيد فيه أسماء العائلات العلمية في عمان والترتيب الزمني لعلمائها.
أما الجزء الثالث فجمع فيه البطاشي عماء القرن الثاني عشر الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر الهجري، وترجم فيه لمائتان وواحد وأربعون عالم. رتب البطاشي التراجم حسب التسلسل التاريخي، وترجم لعلماء دولة اليعاربة والدولة البوسعيدية.
ويعد كتاب إتحاف الأعيان من المراجع المهمة في كتابة التاريخ العماني، فلقد سهل البطاشي على من جاء من بعده في كتابة التراجم العمانية، نشر هذا الكتاب القيم مكتب المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية.
انتقل سيف بن حمود البطاشي إلى رحمة الله يوم الخميس التاسع من سبتمبر سنة 1999م، بعد حياة حافلة بالعطاء والإخلاص للعلم وخدمة لطلاب العلم وتوثيق لتاريخ عمان المجيد.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: هذا الکتاب البطاشی فی الکتاب فی فی کتابة فی کتاب
إقرأ أيضاً:
نصف قرن من البث المباشر من عمّان.. حين يصبح برنامج إذاعي صوتا للمواطن
عمان- من مقطوعة موسيقية رافقت افتتاحه منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى أصوات مواطنين يعرضون شكاواهم على الهواء، ظل برنامج "البث المباشر من عمان" واحداً من أكثر البرامج الإذاعية التصاقاً بالحياة اليومية للأردنيين، ومنبراً خدمياً يصل بين المواطن والمسؤول، ويتابع قضايا الناس في المدن والقرى والمخيمات والبادية.
وعلى مدى أكثر من نصف قرن، لم يكن البرنامج مجرد مساحة صباحية لاستقبال الاتصالات، بل تحوّل إلى جزء من الذاكرة الإذاعية الأردنية، وإلى عنوان يلجأ إليه المواطنون حين تتعثر معاملاتهم أو تتأخر الخدمات المقدمة إليهم، حتى ترسخت بينهم عبارة مفادها أن القضية إذا استعصت، فإن عرضها على "البث المباشر" قد يفتح أمامها باب الحل.
ويُبث البرنامج عبر أثير الإذاعة الأردنية، التي صدح صوتها من موقعها الحالي في العاصمة عمان عام 1959، بعدما كانت تبث أخبارها وبرامجها من رام الله، ثم انتقلت إلى منطقة جبل الحسين، قبل افتتاح مقرها في منطقة المقابلين في 1 مارس/آذار من العام نفسه.
ومنذ انطلاقه عام 1974، تعاقب على إعداد "البث المباشر" وتقديمه عشرات الإعلاميين الأردنيين، الذين أصبح لكثير منهم حضور بارز في المشهد الإعلامي المحلي والعربي. واستطاع البرنامج أن يحافظ على استمراريته من دون انقطاع، وأن يرسخ مكانته بوصفه أحد أعرق البرامج الإذاعية الخدمية في الأردن.
يقول رئيس فريق البرنامج ومقدمه، الإعلامي صدام راتب المجالي، للجزيرة نت، إن "البث المباشر" انطلق ليكون همزة وصل بين المواطن الأردني والمسؤول، وإنه لعب أدواراً كبيرة في متابعة قضايا الناس وشكاواهم وملاحظاتهم.
ويضيف أن البرنامج ظل طوال سنواته صوتاً للمواطن، ينقل همومه المرتبطة بالخدمات العامة، ويتابع قضايا التعليم والصحة والنقل والطرق والمياه والكهرباء وغيرها من الملفات التي تمس حياة الأردنيين بصورة مباشرة.
إعلانويشرح المجالي أن البرنامج في شكله الحالي يقدم مزيجاً من المحتوى الخدمي والإخباري والحوار السياسي المرتبط غالباً بالشأن الداخلي، إذ يبدأ بإطلالة على حالة الطقس وأبرز الأخبار، ثم ينتقل إلى نقاشات تتناول القضايا العامة، قبل فتح خطوط الاتصال أمام المواطنين لعرض مشاكلهم مباشرة على الهواء.
وبحسب المجالي، فإن آلية البرنامج لا تقتصر على استقبال الشكاوى، بل تمتد إلى الاتصال بالمسؤول المختص وربطه بالمواطن، بما يتيح الاستماع إلى المشكلة والرد عليها أو توضيح الإجراءات المتخذة بشأنها. كما يرصد البرنامج أبرز القضايا والتصريحات العامة، ويمنح الوزراء والمديرين والمسؤولين فرصة التعليق المباشر.
ويرى مقدم البرنامج أن العمل في "البث المباشر" يحمل مسؤولية إعلامية كبيرة، لأن المذيع لا يتعامل مع مادة إخبارية مجردة، بل مع قضايا إنسانية وخدمية تتصل مباشرة بحياة الناس. ويقول إن هذه التجربة تجسد "نبل الرسالة الإعلامية" من خلال متابعة مشاكل المواطنين ومحاولة الوصول إلى حلول لها.
على مدار عقود، نجح البرنامج في بناء علاقة ثقة مع الجمهور الأردني. ويشير المجالي إلى أن مواطنين كثيرين كانوا يرون في الوصول إلى البرنامج خطوة قد تقود إلى حل مشاكلهم، وهو ما منحه مكانة خاصة، رغم ظهور محطات إذاعية عديدة وبرامج خدمية أخرى استنسخت تجربته.
ويقول إن "البث المباشر" حافظ على نكهته الخاصة، ليس فقط بسبب طبيعته الخدمية، بل أيضاً بفعل ارتباط المستمعين بتفاصيله، بدءاً من أسلوب التقديم وانتهاء بالموسيقى التي ترافق شارة البداية منذ عام 1974.
وتعود هذه الموسيقى، وفق المجالي، إلى مقطوعة للأخوين رحباني من مسرحية "المحطة" للسيدة فيروز، التي أُنتجت عام 1972، وظلت منذ ذلك الوقت جزءاً ثابتاً من هوية البرنامج، تستحضر لدى المستمعين صباحات الإذاعة الأردنية القديمة.
ولا يتوقف حضور البرنامج عند الموسيقى، إذ ترافقه أيضاً الأغاني الأردنية الفلكلورية، بما يعزز هويته المحلية وارتباطه بالمجتمع. ويصفه المجالي بأنه "حكاية أردنية بامتياز"، تبدأ من شارة الافتتاح وتمتد إلى تفاصيل القرى والبلدات والمخيمات التي ترد أسماؤها عبر اتصالات المستمعين.
بعد عشر سنوات قضاها في تقديم البرنامج، يقول المجالي إنه تعلّم من "البث المباشر" كثيراً عن بلاده، إلى درجة أنه بات يعرف أسماء القرى والتلال والمخيمات ومناطق البادية والريف، فضلاً عن آليات عمل شبكات الطرق والمياه والكهرباء والخدمات المختلفة.
ويضيف أن العمل في البرنامج أتاح له الوقوف إلى جانب أسماء إعلامية كبيرة سبقته إلى تقديمه، وأسهم البرنامج في صناعة حضور عدد منهم، قبل أن ينتقل بعضهم للعمل في محطات عربية بارزة، من بينها الجزيرة وبي بي سي ومؤسسات إذاعية وتلفزيونية أخرى.
ويعتقد المجالي أن الإعلامي الأردني الذي لم يعمل في الإذاعة الأردنية، وتحديداً في "البث المباشر"، فاته جانب مهم من التجربة المهنية، لما يوفره البرنامج من احتكاك مباشر بالناس وبقضاياهم اليومية، وما يفرضه من مسؤولية وسرعة في التعامل مع المداخلات الحية.
يضم أرشيف البرنامج عدداً كبيراً من اللقاءات والتصريحات لمسؤولين خدموا الأردن على مدار عقود، من وزراء ورؤساء حكومات ومديرين، غير أن أبرز ما يحتفظ به الأرشيف، وفق المجالي، مداخلات الملك الراحل الحسين بن طلال، الذي كان يواظب على الاستماع إلى البرنامج ويتدخل أحياناً عبر الاتصال المباشر لمتابعة قضايا المواطنين والعمل على معالجتها.
إعلانكما يشير المجالي إلى أنه تشرف باستقبال اتصال هاتفي من ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، استخدم خلاله البرنامج لتهنئة الملك عبد الله الثاني في إحدى مناسبات عيد ميلاده.
وحظيت إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية بتكريم ملكي حين أهداها الملك عبد الله الثاني وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، وهو تكريم يرى المجالي أن "البث المباشر" أسهم في صنع أسبابه، بوصفه أحد أبرز أعمدة الإذاعة ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون.
كما حصد البرنامج، خلال مسيرته، عشرات الميداليات والدروع الذهبية والفضية والبرونزية في مسابقات ومؤتمرات إعلامية أردنية وعربية.
وبعد 52 عاماً على انطلاقه، لا يزال صوت المذيع يفتتح الحكاية من المكان ذاته: "هنا عمان، إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية"، قبل أن تُفتح خطوط الهاتف، ويبدأ فصل جديد من فصول علاقة البرنامج بالأردنيين، بوصفه منبراً حمل أصواتهم، وتابع شكاواهم، وحفظ في أرشيفه جانباً من تاريخهم اليومي.