هل تتوفر شروط قيام سلطة فاشية بالعراق ..؟
تاريخ النشر: 1st, September 2024 GMT
آخر تحديث: 1 شتنبر 2024 - 9:23 صبقلم: زكي رضا الإسلام السياسي بالعراق عبارة عن منظومة متكاملة من مرجعيات وأحزاب سياسية وتنظيمات شبه عسكرية رجعية الطابع والتوجه، مهمّتها الأساسية قمع كل أشكال الحريات والتنظيمات النقابية والنسوية والشبابية والطلابيّة المناوئة لها، والتضييق الشديد على الأحزاب السياسية من غير المشتركة في نظام المحاصصة الطائفية القومية كمرحلة أولى.
وبتوظيفها للمقدس في جميع مناحي الحياة بالبلاد، فأنها قامت وتقوم بتوسيع قاعدتها الأجتماعية عن طريق أرهابها وخطابها الديني وهيمنتها على أقتصاد البلاد، وهي تسعى وهذا ما يجب على القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني الأنتباه له والعمل على مقاومته، الى أشاعة اليأس بين الجماهير من خلال خطاب ديماغوجي موجّه وتخديرها بخطاب ديني ماضوي رجعي متخلّف، لتوهمها من أنّ لا أمل في تغيير المعادلة السياسية في البلاد التي تسير نحو هيمنة فكر أسلامي فاشي، سيترجم لاحقا الى نظام سياسي فاشي من خلال التحكّم بقوت الناس وقوّة السلاح والمال والأعلام والفتاوى الدينية وشراء السلطة القضائية. أنّ القوى السياسية المؤمنة بالديموقراطية الحقيقية وليس المحاصصاتية كالتي تقود بلادنا اليوم، مدعوة وبقوة للوقوف بوجه التوجه الفاشي للقوى الأسلامية اليوم من خلال توعية الجماهير بخطورة الفاشية على مستقبلها ومستقبل الأجيال القادمة والوطن، لأن مقاومة هذه القوى أي الفاشيّة الدينية مستقبلا وهي تمتلك كل مفاتيح البلاد سيكون أمرا معقّدا وصعبا ومكلفا جدا. ونحن نتناول أوضاع البلاد المعقّدة والدقيقة من خلال هيمنة الأسلام السياسي على مقاليد السلطة، علينا أن نجيب على سؤال سيترجم مستقبلا الى حقيقة في حالة أستمرار الأوضاع على ما هي عليه اليوم، وهو أن كانت هناك امكانية حقيقية لقيام نظام أسلامي فاشي النزعة، خصوصا وأنّ الأجواء السياسية والآيديولوجية لنجاح الفاشية الدينية لها ركائزها القوية في مجتمع مؤدلج طائفيا ويعاني من تخندق طائفي وبطالة وفقر وأميّة وأنعدام للوعي بشكل مخيف، كما العراق؟ من خلال المهام التي تتبناها القوى الدينية بجميع مؤسساتها السياسية والأقتصادية والعسكرية والأعلامية، نرى أنها متفقة بالكامل تقريبا على قضم الحريات بشكل ممنهج ومدروس، وقمع النقابات والأتحادات المهنية من خلال قوّة “القانون” الذي تسنّه بنفسها وعلى مقاساتها، أو من خلال نقاباتها واتحاداتها المهنية الصفراء المختلفة، وهذه التجربة كانت تجربة مأساوية مرّ بها شعبنا عهد النظام البعثي الفاشي، الذي صبغ بالقوّة الحياة السياسية والأقتصادية والأجتماعية بآيديولوجيته التي دمرّت بلادنا وشعبنا. والقوى الدينية اليوم تصبغ كما البعث الحياة السياسية والأقتصادية والأجتماعية بآيديولوجيتها الدينية الطائفية، لكنّها تتفوق على البعث كونها تصبغ كل شيء بالمقدّس، ولتطرح مرجعياتها الدينية والسياسية والميليشياوية كرجال كاملي القداسة وعلى المجتمع وخصوصا الشيعي تأليههم إن أمكن، ولدينا بالفعل اليوم رجال دين عبروا مرحلة القداسة الى مرحلة التأليه، وهذا التأليه هو القنبلة الموقوتة التي ستنفجر يوما نتيجة تعدد مراكز القوى والتناقضات السياسية التي تعيشها البلاد وقلّة وعي الجماهير، وحينها سيظهر الوجه الفاشي الحقيقي المدمّر للأسلام السياسي. لا تظهر الفاشية كنظام سياسي بالبلدان المختلفة في ظل ظروف متشابهة ولا تصل الى السلطة المطلقة بشكل مفاجئ، فهي تناور وفقا لظروفها الذاتية والسياسية القائمة وتلك التي تمر بها مجتمعاتها، وعليه فأنّها تختلف من بلد لآخر. فالفاشيّة الألمانية الحديثة أي دولة الفوهرر (القائد) وريثة الفرسان البروسيين الذين احتكروا المناصب العسكرية منذ القرن السابع عشر وحتى أنهيار الرايخ الثالث نهاية الحرب العالمية الثانية، هي أمتداد للمؤسسة العسكرية الالمانية التقليدية، وهي تختلف عن الفاشية الأيطالية التي أنبثقت بعد مسيرة ذوي القمصان السوداء من أعضاء الحزب الوطني الفاشي بزعامة موسوليني نحو روما والذي عيّنه ملك البلاد وقتها “فيكتور ايمانويل الثالث”، بعد خوف كبار الرأسماليين والأقطاع من نشاط الحزب الشيوعي الايطالي وثقله بين صفوف الجماهير، أمّا تجربة الفاشية الأسبانية بزعامة فرانكو فهي الأقرب لواقعنا العراقي من الفاشيتين الألمانية والأيطالية. ففي أسبانيا كانت العلاقة وثيقة بين المؤسسة الدينية والنظام القائم حينها، وكانا يعملان من خلال تلك العلاقة على حماية النظام الأجتماعي القائم اللذان يمثلانه ومصالحهما من خطر قوى متضررة بينها عمال وفلاحين و مثقفين يساريين وليبراليين أرادت الحد من تدخل رجال الدين وفرض سلطتهم على الدولة والمجتمع. وحول الحرب الأهلية في أسبانيا ودور الدين وتدخل رجالاته في الشأن السياسي يقول المؤرخ الأسباني خوليان كازانوفا في الفصل الثاني من كتابه “الحرب الأهلية الأسبانية” ويقع الفصل تحت عنوان “الحرب المقدسة والكراهية المعادية لرجال الدين” من أنّ الحرب الأهلية الأسبانية “كانت حربًا عادلة ومقدسة في أحد المعسكرين، وغضبًا عارمًا لا يرحم انفلت من عقاله ضد رجال الدين في المعسكر الآخر، الأمر الذي خلّف ندوبًا كبيرة في ذاكرة الشعب الإسباني”. هل هناك أمكانية لقيام نظام ديني فاشي بالعراق ..؟ الكثير من الآراء تقول بصعوبة بل وبأستحالة قيام أنظمة فاشية في بلدان غير متطورة أقتصاديا وصناعيا، وتنطلق هذه الآراء من أنّ الفاشية كظاهرة نشأت في أوربا في الفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية نتيجة التطور الرأسمالي لتلك المجتمعات. الا أننا نلاحظ أنّ الفاشية هناك لم تظهر في بلدان على نفس الدرجة من التطور الرأسمالي، فإيطاليا لم تكن على نفس الدرجة من التطور مقارنة بألمانيا، أمّا اسبانيا والتي أنتصرت فيها الفاشية هي الأخرى فأنها كانت ولليوم من الأقتصاديات الضعيفة مقارنة بكبار القارّة. فإذا كان شكل التطور الرأسمالي لا يمثل شرطا أساسيا لنشوء الظواهر الفاشية في المجتمعات والدول المختلفة كنشوئها وقيادتها لبلدانها كما حدث في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية والجنوبية، فأنّ أمكانية قيامها في العراق الطائفي وعلى غرار فاشية تلك البلدان ومنها فاشية الأحزاب اللبنانية أثناء الحرب الطائفية فيها وهي القريبة منا جغرافيا ودينيا وثقافيا سيظل قائما، خصوصا وأنّ هناك عوامل تساعد على مضي الأسلام السياسي في مشروعه الفاشي منها: 1 – إستمرار الأزمات السياسية والأقتصادية والأجتماعية وعجز الأسلام السياسي كونه على رأس السلطة التنفيذية والأكثر تمثيلا في البرلمان ومهيمنا على القوّة القضائية، عن أيجاد حلول تحول دون تفاقمها ممّا يؤثر على حياة الناس ومستقبل البلاد. 2 – قدرة الأحزاب الأسلامية على تعبئة الشارع طائفيا، ودور تنظيماتها المسلّحة في تهديد السلم الأهلي متى ما رأت ذلك ضرورة لفرض سياستها وأستمرارها في السلطة. 3 – قلّة وبالأحرى أنهيار كبير في مستوى وعي الجماهير، والتي تستغلّها قوى الاسلام السياسي في ترسيخ الطائفية والعشائرية والقبلية والتي هي من تصبغ حياة العراقيين اليوم. 4 – وجود رموز دينية سياسية تُقدّس وتُعبد كآلهه وقادرة على أشعال حرب طائفية أو تبني مشروع فاشي للسلطة متى ما أرادت، وهي قادرة فعلا على تحشيد وإنزال مئات الآلاف من المؤمنين بهم الى الشوارع. 5 – تسلّح القوى الأسلامية بفتاوى دينية، أي منح نفسها صفة القداسة والعصمة في تعاملها مع من يخالفها الرأي. 6 – أرتباطها الوثيق بعواصم أقليمية تحوّلت أنظمتها بشكل ممنهج الى مشروع سلطة فاشي يمنع قيام أحزاب وتنظيمات سياسية وتشكيل النقابات والأتحادات غير الأسلامية تلك التي ترتبط بأجهزة السلطة وتنفّذ سياساتها، ما يدفع الأسلام السياسي بالعراق وهي التي لها ولاء تام لتلك العواصم لأستنساخ تجربتها وتطبيقها في البلاد. 7 – أستخدامها الغطاء الديني لأثارة الجماهير وتأجيج الخطاب الطائفي لتغييب وعيها أكثر ممّا هي عليه اليوم، وزجّها في تشنّجات ومواجهات طائفية ستقود الى صراع حتمي ومن ثم حرب طائفية كالتي عاش شعبنا ويلاتها سابقا لأستكمال مشروعها الفاشي، أو الدفاع عن سلطتها من الأنهيار كما جرى إبّان إنتفاضة تشرين/ أكتوبر عام 2019 . 8 – تبنيها للأرهاب السياسي والميليشاوي والديني الطائفي لمصادرة الحريات والتضييق على الثقافة التقدميّة بأعتبارها الخطر الاكبر الذي يهدد مشروعها الثقافي الفاشي المتخلّف، فهذه القوى الموغلة في الرجعية هي كما وزير الدعاية الألماني غوبلز تراهم يضعون أصابعهم على زناد مسدساتهم كلمّا سمعوا كلمة ثقافة. 9 – إحتكار موارد الدولة المالية والتصرّف بها بما يخدم مشاريعها الطائفية والعشائرية، من خلال توزيع ثروات البلاد بين أجنحتها السياسية وشبه العسكرية المختلفة حسب قوّتها في الشارع و ثقلها في السلطتين التنفيذية والتشريعية، والذي من نتائ أننا اليوم بالعراق نعاني من أزمة أجتماعية كبيرة وخطرة، وهذه الأزمة التي قام الأسلام السياسي نفسه بتغذيتها بعد أن ورثناها من النظام البعثي، نراه يعمل على توسعتها لتحتل الصدارة في حياة شعبنا وبلدنا. على القوى السياسية المؤمنة بالديموقراطية الحقيقية ولمواجهة هذا الخطر الذي يهدد حياة شعبنا ووطننا، أن تعمل على تعريف الفاشية وخطرها على البلاد للجماهير المكتوية بنار الفقر والبطالة وفساد السلطة، بأستخدامها لكل الوسائل والأساليب السلمية من خلال التظاهرات والأعتصامات والمنابر الأعلامية، وزجّ منظمات المجتمع المدني في هذا النضال الوطني. إننا اليوم بحاجة حقيقية لبناء حركة شعبية واسعة بشعارات وطنية مناهضة للطائفية السياسية والعشائرية والقبلية وهي الركائز التي يعتمد عليها الأسلام السياسي لتمرير مشروعه الفاشي، حركة شعبية تدعو وتعمل على الأسراع في تغيير شكل نظام الحكم المحاصصاتي القائم اليوم. على المؤسسة الدينية أن تستفاد من التجربة الأسبانية أثناء الحرب الأهلية وتبتعد عن التدخل في الشؤون السياسية بالبلاد أحتراما للدين ولرجال الدين أنفسهم، خصوصا وأن الدين اليوم ولفساد أحزاب الأسلام السياسي والخراب الذي يغطي مساحات كبيرة من حياة الناس أصبح محل تشكيك وفي مرمى سهام النقد ومنه النقد الجارح وهذا ما لا نريده للدين لقدسيته عند ملايين المؤمنين به. إنّ تجارب الشعوب التي تداخلت فيها السلطتين السياسية والدينية وسببت مآسي تاريخية فيها، يجب أن تكون تحت أنظار المرجعيات الدينية بالعراق كونها مسؤولة أمام الله والشعب والتاريخ على ديمومة الدين نفسه وحياة الناس وبلدهم. أنّ خطر قيام الفاشية الدينية بالعراق لا تأتي من كونها مشروع فاشي فقط، بل تأتي وكما يستعرض الكاتب التنويري (حامد عبد الصمد) في كتابه الفاشية الأسلاميّة من أنّ خطرها الأكبر يأتي كونها “تبدو كأنها دين سياسى، يعتقد أتباعها أنهم يملكون الحقيقة المطلقة، ويقف قائدهم المعصوم على قمة هرم السلطة، متسلحا بمهمة مقدسة لتوحيد الأمة وسحق خصومها، تشترك الإسلاموية الحديثة فى كل هذه الصفات، ومعارضة كل ما هو حداثي، ومحاربة قيم التنوير وإعلاء فكرة التضحية بالنفس حتى الموت فى سبيل الأفكار الفاشية”، وعراقيا يعني الموت والدمار في سبيل إعلاء قيم الطائفة ومن بعدها العشيرة، ولدينا أكثر من قائد “معصوم” معاد للحداثة وقيم التنوير، وهدفه الأسمى هو العودة بالعراق الى السنوات الأولى لبدء الأسلام… أربعة عشر الف فاشي من أصحاب القمصان السود قادهم موسوليني سنة 1922 من ميلانو نحو روما بالقطارات والحافلات، رافعا شعار “إما أن تُعطى لنا الحكومة أو سنأخذ حقنا بالمسير إلى روما”، وما أشبه بغداد اليوم بروما البارحة، وهناك أمكانية حقيقية للبعض وعلى غرار موسوليني في قيادة مئات الآلاف من البشر لتحقيق مشروعه الديني السياسي، أو من قبل ساسة ينظرون الى السلطة من خلال الديموقراطية الكسيحة رافعين شعار “ما ننطيها” الذي ينسف كل مبادئ الديموقراطية وأسسها ليمضي قدما في مشروعه الفاشي.أرادة الشعب هي ليست الوسيلة للحكم وأنما الوسيلة هي القوّة وهي التي تفرض القانون … (موسوليني).
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: السیاسیة والأقتصادیة الأسلام السیاسی الحرب الأهلیة ة الدینیة من خلال
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.