بوابة الوفد:
2026-07-24@16:05:33 GMT

«نجيب محفوظ».. حياً

تاريخ النشر: 8th, September 2024 GMT

أخبرنى نادل مقهى الفيشاوى العجوز الذى كان يقوم على تلبية طلباته وخدمة مريديه بأنه يظهر فى المقهى مرتين منذ رحيله عن عالمنا فى 30 أغسطس 2006، ثم اقترب منى متفرساً فى وجهى صائحاً: عرفتك يا بنتى، أنت من جالسته طوال نهار مولده فى ديسمبر العام الماضى، ورأيتك تبكين أمامه، ممسكة بكتابه «أصداء السيرة الذاتية» وهو يستمع إليك باهتمام وأنت تقرأين عليه رؤى شيخه التائة عبدربه، مرتباً على كتفك كلما فاضت دموعك وكثرت حركات يديك فى الهواء.

ثم صمت لبرهة وقال: تحدثوا فى المقهى أيام عما كتبته فى جريدة «الوفد» حينها بعنوان «نجيب محفوظ الذى أعرفه»، شكرته ببضع كلمات وقلت: هل نهار رحيله هو ظهوره الثانى فى المقهى؟ فأجاب بنعم، ثم بصوت هامس لا يريد أن يسمعه أحد غيرى قال: لكن لا يظهر إلا لمن يريد، ليس كل من بالمقهى يشعر بوجوده.

نكست رأسى وانصرفت أجلس على نفس الطاولة التى جاورته فيها فى ديسمبر العام الماضى، مرت الساعات وأنا أتلفت حولى وأطيل النظر فى الممر الطويل الذى يعج بالمارة والسائحين ويوصل لباحة المقهى من ناحية مسجد سيدنا الحسين.

بدأت خيوط شمس المغيب تتسلل إلى طاولتى لتعكس على زجاج أكواب الشاى وفناجين القهوة المستهلكة لوناً برتقالياً خافتاً يدعو إلى التأمل والسكون.

وبينما أنا فى حالة من الغفوة والأنتباة من طول الانتظار، هيئ لى أنه قادم بهيئته القديمة الممتلئة، وبذلته الرمادية الشهيرة، ممسكاً بكتابه الأخير «أحلام فترة النقاهة»، ابتسم حين لمحنى، ثم اقترب وجلس فى الطرف المقابل من طاولتى، طال الصمت بيننا، ثم ثحدث كمن يحدث شخصاً أمامه بصوته الأبوى الهادئ: إن الموت غاية كل حى، وإذا ألقينا بنظرة إلى الوراء قلنا: إن الميت قد وُجد قبل الحى.

وأضاف: قبل رحيلى عن هذا العالم، ومع تقدمى فى العمر وموت كثير من الأصدقاء وصعوبة الحركة بعد حادث الاعتداء علىَّ عام 1994 لم يعد أمامى يا بنتى عزاء إلا فى «أحلام فترة النقاهة».

أنصت فى إكبار لشيخنا الروائى الكبير «نجيب محفوظ» وتذكرت قوله فى أصداء سيرته الذاتية: كان‏ ‏الموت‏ ‏ما زال‏ ‏جديداً‏، ‏لا‏ ‏عهد‏ ‏لى ‏به‏ ‏إلا‏ ‏عابراً‏ ‏فى ‏الطريق‏، ‏وكنت‏ ‏أعلم‏ ‏بالمأثور‏ ‏من‏ ‏الكلام‏ ‏أنه‏ ‏حتماً‏ ‏لا‏ ‏مفر‏ ‏منه‏، ‏أما‏ ‏عن‏ ‏شعورى ‏الحقيقى ‏فكان‏ ‏يراه‏ ‏بعيداً‏ ‏بعد‏ ‏السماء‏ ‏عن‏ ‏الأرض.

ثم تذكرت فى روايته «قشتمر» يقول أحد الصغار: «نينة قالت لى إننا كلنا سنموت». ويعقِّب الراوى قائلاً: «لا يتصور أن تموت أمه أو يموت أبوه. وليس فى قوله جديد فى ما يبدو ولكن شعورهم آمن بأن الموت حتم مؤجل إلى أجل غير مسمى. كلنا نسلِّم بالموت بألسنتنا، أما قلوبنا فترمى به إلى موضع فى الزمان قصى».

أما عبارته النافذة: «الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة» من روايته المربكة «أولاد حارتنا» فشتت ذهنى لثوانٍ قبل أن أعود وأنتبهة لتوافد الجمع إلى الطاولة، لمحت من بين عشاق شيخنا «نجيب محفوظ» من البسطاء شلته «الحرافيش» كما أسماها وتضم راحلون وأحياء: المخرج توفيق صالح والكاتب الروائى ثروت أباظة والكاتب الصحفى محمد عفيفى والفنان أحمد مظهر ورسام الكاريكاتير بهجت عثمان والفنان التشكيلى توفيق شفيق والطبيب يحيى الرخاوى والكاتب عادل كامل.

وقد كانت هذه المجموعة نسجت صداقة «بنجيب محفوظ» امتدت على مدار سنوات طوال، وضمت عدد من الكتاب والفنانين التشكيليين يجتمعون بشكل دائم فى المقاهى حيث يتبادلون أحاديث الثقافة والأدب والفن.

حينما هدأت ضجة الوافدين من حول كاتبنا وشيخنا الكبير «نجيب محفوظ» قال: سأختار من دون ترتيب حلم من أحلام مخطوطى «أحلام فترة النقاهة»، ثم شق صفحات الكتاب ووضع يده على صفحة بعينها، ثم بدأ يقرأ حلمه الخامس قائلاً: حلمت أننى أسير على غير هدى وبلا هدف، ولكن صادفتنى مفاجأة لم تخطُر لى فى خاطرى، فصرت كلما وضعت قدمى فى شارعٍ انقلب الشارع سيركاً.

اختفت جدرانه وأبنيته وسياراته والمارة، وحلَّ محل ذلك قبة هائلة بمقاعدها المتدرِّجة وحِبالها الممدودة والمُدلَّاة وأراجيحِها وأقفاصِ حيواناتها، والممثِّلون والمُبتكِرون والرياضيُّون، حتى البلياتشو.

سكت «نجيب محفوظ» ومال برأسه إلى حائط المقهى، بينما ساد الصمت الجميع، وبدأ المتحلقون حوله يغمضون أعينهم، ليحلم كل ضيف بسيرك حياته، فأتبعتهم فى استسلام وأغمضت عينى. 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: نجيب محفوظ الوفد نجیب محفوظ

إقرأ أيضاً:

الموت يغيب لاعبا شابا إثر سكتة قلبية مفاجئة في الملعب

توفي لاعب كرة القدم الأوروغوياني برونو بيتانكور عن عمر 22 عاما، بعد تعرضه لتوقف قلبي تنفسي مفاجئ، وفق ما أعلن ناديه ديبورتيفو إيطاليانو، وأكدته رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين في أوروغواي.

وكان بيتانكور، المتوج مع بينارول بلقب موسم 2023، يدافع عن ألوان ديبورتيفو إيطاليانو في الفترة الحالية، قبل أن يرحل، وسط حالة من الحزن في الأوساط الكروية الأوروغويانية.

ونشر ديبورتيفو إيطاليانو نبأ الوفاة عبر حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما أصدرت رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين في أوروغواي بيانا عبرت فيه عن تعازيها لعائلة اللاعب والمقربين منه.

وعقب الإعلان عن وفاة بيتانكور، سارعت عدة أندية أوروغويانية إلى نعي اللاعب واستذكار مسيرته، حيث كان قد خاض موسم 2024 مع نادي إيفرتون التشيلي.

وقال نادي أتلتيكو بينارول في بيان: "ينعى نادي أتلتيكو بينارول بحزن عميق وفاة برونو بيتانكور، اللاعب الذي دافع عن ألواننا خلال موسم 2023، وكان جزءا من الفريق الذي توج بلقب تورنو أبرتورا في ذلك العام".

وأضاف النادي أنه يتقدم بأحر التعازي إلى عائلة اللاعب وأصدقائه ونادي ديبورتيفو إيطاليانو، مؤكدا تضامنه معهم في هذه اللحظات الصعبة.

وخلال فترة وجوده مع بينارول، شارك بيتانكور في 14 مباراة رسمية، حقق خلالها الفريق أربعة انتصارات وثلاثة تعادلات مقابل سبع هزائم.

وخاض اللاعب مباراته الأولى مع بينارول في 25 مارس/آذار 2023 أمام ليفربول ضمن منافسات بطولة تورنو أبرتورا، قبل أن تكون مباراته الأخيرة بقميص الفريق في 16 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته أمام المنافس نفسه في نهائي بطولة أوروغواي.

من جانبه، أعرب نادي أتلتيكو سيرّو عن "بالغ حزنه" بعد وفاة بيتانكور، مشيرا إلى أن اللاعب "سبق له ارتداء قميص النادي والدفاع عن ألوانه بكل التزام".

إعلان

وقال النادي في بيان: "نتقدم بأصدق التعازي إلى أفراد عائلته وأصدقائه والمقربين منه، ونقف إلى جانبهم في هذا الوقت المؤلم".

بدوره، استذكر نادي سنترال أتلتيكو فينيكس أن بيتانكور كان أحد لاعبي فئاته السنية، وقدم تعازيه الحارة إلى عائلته وجميع أحبائه، في أعقاب رحيل اللاعب الشاب الذي توفي في سن مبكرة.

مقالات مشابهة

  • احتسِ قهوتك وسط أندر السيارات الكلاسيكية في العالم بهذا المقهى بأبوظبي
  • مصر.. سجال ديني وتوضيح من نجيب ساويرس عن رأيه بمن سيدخل الجنة
  • الموت يغيّب فاروق هلال فيلسوف الموسيقى العراقية
  • تقدم الى محكمة وصاب السافل نجيب الظهرة بطلب حكم انحصار وراثة
  • الموت يغيب لاعبا شابا إثر سكتة قلبية مفاجئة في الملعب
  • الداخلية تكشف ملابسات الاعتداء على صاحب مقهى ونجله في كفر الشيخ
  • أسعار القبور في إسطنبول تصدم المواطنين.. حتى الموت أصبح يحتاج إلى ميزانية!
  • نتمنى الموت.. صرخات سكان غزة تحت الركام في انتظار الإعمار