في ظل التحولات المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يعود ملف التفاوض بين إيران وأميركا إلى واجهة الأحداث، وسط تساؤلات ملحة بشأن أسبابه وإمكانياته ومآلاته المحتملة، خاصة في ضوء المتغيرات التي فرضتها مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وطوفان الأقصى.

وفي قراءة معمقة نشرها عبر حسابه بموقع "إكس"، تتبع عبد القادر فايز، مدير مكتب الجزيرة في طهران والصحفي المتخصص في الدراسات الإيرانية، مسار التفاوض بين الجانبين عبر تحليل دقيق يستعرض العوامل التي تدفع الطرفين للجلوس إلى الطاولة مرة أخرى، والتحديات التي تعترض طريقهما نحو اتفاق جديد.

فمنذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ظلت العلاقة بين طهران وواشنطن محكومة بمعادلة "لا حرب ولا سلام"، لكن مع مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، برزت محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على إما الحرب أو السلام الكامل، وهو ما وضع التفاوض أمام منعطف مصيري.

بالمقابل، سعت إيران إلى صياغة معادلة خاصة بها عبر تثبيت مفهوم "لا حرب ونصف سلام"، في محاولة لشراء الوقت وترسيخ مكتسباتها الإقليمية دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع القوة العظمى.

دوافع التفاوض

ويُجمع المراقبون، وفق قراءة فايز، على أن الضرورة الأمنية شكلت المحرك الأساسي لكل جولات التفاوض بين الجانبين، حيث دفعت الضرورات الأمنية والمصالح العليا كل طرف إلى تبني الحوار كأداة لتفادي الصدام المباشر باهظ التكلفة.

إعلان

وتاريخيا، خاضت طهران وواشنطن 6 جولات تفاوضية مهمة، بدءا بمحاولة إبقاء العلاقات قائمة بعد الثورة، مرورا بأزمة الرهائن وصفقة "إيران-كونترا"، وصولا إلى المحادثات النووية التي أثمرت اتفاق 2015، وكلها كانت مدفوعة بالضرورات الأمنية.

ومع التحولات الأخيرة، بدا واضحا أن نمط المفاوضات تغير بشكل جذري، إذ لم تعد المسألة مجرد تفاوض دبلوماسي بين إدارات، بل أصبحت عملية تفاوض بين رأس النظام الإيراني والرئيس الأميركي بشكل مباشر، مما أكسبها طابعا أكثر حساسية وتعقيدا.

منطلقات مختلفة

وتشير قراءة عبد القادر فايز إلى أن المفاوضات الحالية انطلقت دون شروط مسبقة، حيث لم تعد واشنطن تشترط العودة إلى الاتفاق النووي، ولم توقف طهران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، مما خلق أرضية تفاوضية انطلقت من الواقع القائم بدلا من محاولة الرجوع إلى الوراء.

كذلك، تتسم الجولة الراهنة بطابع تفاوضي ثنائي مباشر بصيغة 1+1 بين إيران وأميركا، مع استمرار دول مثل روسيا والصين والترويكا الأوروبية بلعب أدوار خلف الستار عبر قنوات اتصال غير مباشرة.

ومن اللافت أن المفاوضات الراهنة تجاوزت مرحلة التمهيد الطويل، إذ لم تسبقها جلسات تمهيدية مطولة، بل انطلقت مباشرة بقرارات سياسية عليا، في دلالة على حجم الضغوط الداخلية والخارجية التي تحيط بالجانبين.

ضمانات ممكنة

ورغم ذلك، تبقى مسألة الضمانات العقبة الكبرى أمام أي اتفاق، إذ تطالب أميركا بضمانات مادية تمنع إيران من تطوير سلاح نووي، في حين تصر طهران على ضمانات ملموسة بعدم انسحاب واشنطن مجددا من أي اتفاق يتم التوصل إليه.

ويرصد فايز في قراءته أفكارا مطروحة لحل معضلة الضمانات الإيرانية، تتمثل في دور موسع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب إشراك روسيا والصين كضامنين، أو حتى تأسيس صيغة إقليمية لتخصيب اليورانيوم بمشاركة دول حليفة لواشنطن.

إعلان

أما الضمانات الأميركية الممكنة، فتشمل عرض الاتفاق على الكونغرس لتحويله إلى اتفاقية ملزمة قانونيا، والدخول في استثمارات اقتصادية داخل إيران، ومنع فرض عقوبات جديدة ترتبط بملفات أخرى، رغم صعوبة ضمان النقطة الأخيرة.

عوامل مؤثرة

وفي سياق آخر، رصدت القراءة مستجدات نوعية مؤثرة في سير المفاوضات، أبرزها تبدل الموقف الإقليمي، حيث باتت إسرائيل تقف وحيدة نسبيا في معارضة الاتفاق، لكنها أصبحت أكثر جرأة في التلويح بالخيار العسكري المباشر ضد إيران.

وفي المقابل، راكمت إيران قدرات نووية مهمة منذ 2015، شملت تخصيب اليورانيوم بنسب تصل إلى 60%، وزيادة أعداد وأصناف أجهزة الطرد المركزي، مما منحها أوراق ضغط إضافية على طاولة المفاوضات.

ومع ذلك، أضعفت التطورات العسكرية الأخيرة في غزة وسوريا ولبنان واليمن نفوذ إيران الإقليمي خارج نطاق قدراتها النووية، مما انعكس سلبا على موقفها التفاوضي، وفرض معادلات جديدة لا يمكن تجاهلها.

كما تغير موقف روسيا والصين مقارنة بمفاوضات 2015، حيث يبدو أن موسكو وبكين تدفعان اليوم بجدية نحو إنجاح التفاوض، انسجاما مع أهدافهما الإستراتيجية في تحجيم النفوذ الأميركي بالمنطقة.

وتتداخل معطيات الداخل الإيراني بدورها في رسم ملامح التفاوض، فالضغوط الاقتصادية والاجتماعية أصبحت اليوم محددا مركزيا وليس هامشيا، مما يزيد من إلحاح القيادة الإيرانية على رفع العقوبات وتحقيق انفراجة اقتصادية سريعة.

ويضاف إلى ذلك عامل الوقت الضاغط على كلا الطرفين، إذ يسعى ترامب إلى إنجاز اتفاق شامل خلال فترة قياسية، في حين تحتاج طهران بشدة إلى تخفيف الضغط الاقتصادي قبل حلول مواعيد مفصلية قريبة مثل تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وانتهاء بعض بنود اتفاق 2015.

مآلات متوقعة

تشير المعطيات، وفق تحليل عبد القادر فايز، إلى أن كلا الطرفين مضطران للوصول إلى صيغة اتفاق جديدة، تتيح الخروج من معادلة "لا حرب ولا سلام"، وتفتح الباب أمام ترتيب مشهد إقليمي مغاير لما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

إعلان

ففي الوقت الذي يأمل فيه ترامب تسويق الاتفاق كإنجاز تاريخي يغير خريطة الشرق الأوسط دون طلقة واحدة، تسعى إيران لإعادة تموضع داخلي وخارجي ينسجم مع المعطيات الجديدة، ويحصنها أمام الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.

ويبدو أن نجاح هذا المسار، أو إخفاقه، سيتحدد في غضون أشهر قليلة، مع دخول مفاوضات الوقت الحرج، وسط مراقبة دقيقة لكل إشارة تصدر عن طهران وواشنطن، ولأي تحرك على رقعة الشطرنج النووي التي باتت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات التفاوض بین

إقرأ أيضاً:

رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري

كشفت أربعة مصادر مطلعة لوكالة "رويترز"، الخميس، أن إيران أرسلت خلال يوليو الجاري قيادات من الحرس الثوري ومستشارين عسكريين، إلى جانب شحنات من المعدات الخاصة بالصواريخ والطائرات المسيرة، إلى اليمن، في خطوة تشير إلى مساعٍ لتعزيز قدرات جماعة الحوثي على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وقالت المصادر، التي تضم مصدرين إيرانيين ووزير الإعلام اليمني ومحللا أمنيا إقليميا، إن طهران نقلت أفرادا من الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى معدات عسكرية، على متن طائرة انطلقت من العاصمة الإيرانية طهران إلى اليمن في 13 يوليو، في عملية لم يُكشف عنها من قبل.

وبحسب المصادر، فإن هذا التحرك في إطار دعم إيران لحلفائها الحوثيين، وتعزيز قدراتهم العسكرية، لا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، بما يزيد من قدرتهم على استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

وقال المصدران الإيرانيان لـ"رويترز" إن الرحلة الجوية التي سيرتها شركة (ماهان إير) أقلت ما بين 10 و21 من أفراد الحرس الثوري، وبينهم قيادات كبيرة.

والوجهة المقررة للطائرة كانت في البداية العاصمة صنعاء التي تخضع لسيطرة الحوثيين لكن جرى تغيير وجهتها الى الحديدة على البحر الأحمر بعد تعرض المطار لهجوم من الحكومة اليمنية.

وقال أحد المصادر "سافر قادة الحرس الثوري إلى هناك لدعم عمليات الحوثيين وتقديم التدريب على أنظمة صواريخ جديدة"، مشيرا إلى أن إيران أرسلت أيضا كمية من الذهب على الطائرة لتمويل أنشطة الحوثيين.

وطلب المصدران الإيرانيان عدم ذكر اسميهما بسبب مخاوف أمنية.

ويقدم إرسال إيران لهذا الدعم دليلا جديدا على جهود طهران لدعم الحوثيين الذين يخوضون حربا مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا منذ أكثر من عقد ونفذوا من قبل هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة في المنطقة.

ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه البحر الأحمر توترات متصاعدة، مع استمرار هجمات الحوثيين على السفن التجارية والعسكرية، وهو ما دفع الولايات المتحدة ودولًا أخرى إلى تكثيف عملياتها العسكرية لحماية الملاحة الدولية في المنطقة.

مقالات مشابهة

  • إيران ترفض مقترح وقف إطلاق النار.. وتعثر جديد في جهود التهدئة عبر الوساطة العراقية
  • خبير: الضغط العسكري يعزز التفاوض مع إيران.. والمخاطر تتصاعد
  • مصر تحدد شروط استئناف مفاوضات سد النهضة وسط تحركات أمريكية لإحياء مسار التفاوض
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • ترامب يهدد بتوسيع العملية العسكرية ضد إيران
  • مصطفى بكري : استمرار التصعيد يهدد أمن واستقرار المنطقة .. وترامب : الإيرانيون يريدون التفاوض لكنهم غير مستعدين لإبرام اتفاق حاليا | أخبار التوك شو
  • إيران وأميركا... هل سيصل الطوفان الى لبنان مجددا؟
  • منيف عماش الحربي: إيران حركت الحوثيين للعودة إلى التفاوض بعد تراجع نفوذها الإقليمي
  • رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
  • ترامب: إيران تريد التفاوض لكنها غير مستعدة لاتفاق في الوقت الحالي