ما سر اندماج اليمين الفاشي مع الصهيونية؟
تاريخ النشر: 23rd, March 2025 GMT
المتطرفون المسيحيون في أميركا يتّحدون مع المتطرفين اليهود في إسرائيل ليس بسبب الدين، بل بسبب الفاشية المشتركة.
يشكل القوميون المسيحيون، الذين يمثلون الدعامة الأساسية لدعم دونالد ترامب -حيث صوّت له 80% منهم في الانتخابات الأخيرة وفقًا لاستطلاع للناخبين أجرته وكالة أسوشيتد برس- حملة منظمة تدعو البيت الأبيض لدعم ضم إسرائيل للضفة الغربية وغزة.
تشمل هذه الحملة زيارات لقادة بارزين إلى إسرائيل، من بينهم رالف ريد، وتوني بيركنز، وماريو برامنيك، وتقديم عرائض للبيت الأبيض، والضغط على الكونغرس، والدعوات إلى الضم خلال المؤتمرات المسيحية، بما في ذلك تبنّي قرار دعم السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية في مؤتمر العمل السياسي المحافظ الأخير (CPAC).
كما جمعت جمعية الإذاعيين الدينيين الوطنيين (NRB) خلال مؤتمرها في دالاس في مارس/ آذار، أكثر من 200 توقيع من قساوسة وقادة دينيين يمينيين من جميع أنحاء الولايات المتحدة، يطالبون بضمّ "يهودا والسامرة" – الاسم التوراتي المزعوم للضفة الغربية- ويصفون حل الدولتين بأنه "تجربة فاشلة".
وقد أيدت منظمة "القادة المسيحيون الأميركيون من أجل إسرائيل"، التي تقول إنها تمثل شبكة من "أكثر من 3000 قائد تنظيمي من جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك جمعية الإذاعيين الدينيين الوطنيين"، هذا القرار وأرسلته إلى ترامب. كما أرسلت النائبة كلاوديا تيني وخمسة أعضاء آخرين من "تجمع أصدقاء يهودا والسامرة" في الكونغرس رسالة إلى ترامب تطالبه بـ"الاعتراف بحق إسرائيل" في إعلان السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بحجة أن ذلك سيعزز "التراث اليهودي المسيحي الذي تأسَّست عليه أمتنا".
إعلانوعد ترامب، الذي ألغى أمرًا تنفيذيًا أصدرته إدارة بايدن بفرض عقوبات على المستوطنين اليهود في الضفة الغربية؛ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، في 4 فبراير/ شباط، بإعلان قرار بشأن احتمال ضم الضفة الغربية خلال "الأسابيع الأربعة المقبلة".
يأتي ذلك عقب دعوته للتطهير العرقي في غزة وتهديده الفلسطينيين بالقتل إذا لم يفرجوا عن الرهائن الإسرائيليين. حيث قال عن غزة خلال حديثه مع الصحفيين على متن طائرة الرئاسة: "أنت تتحدث عن ربما مليون ونصف المليون شخص، وسنقوم بتنظيف كل هذا المكان".
لقد تلاقت أجندة المتطرفين الصهاينة والفاشيين المسيحيين، الذين يشغلون مناصب عليا في إدارة ترامب، منذ وقت طويل. فاللغة والأيقونات والرمزية التي يستخدمها الفاشيون المسيحيون واليهود مستمدة من الكتاب المقدس، لكن الروابط التي تجمعهم سياسية وليست دينية.
وقد تناولتُ في كتابي "الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي والحرب على أميركا" تاريخ وأيديولوجية الفاشية المحلية لدينا وعلاقتها بالفاشية اليهودية.
مايك هاكابي، الحاكم السابق لأركنساس والقسّ المعمداني، رشحه ترامب ليكون سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل. وصرح هاكابي بأنه "لا يوجد شيء اسمه فلسطيني"، وادعى أن الهوية الفلسطينية "أداة سياسية تهدف إلى انتزاع الأرض من إسرائيل". ويقترح أن يتم إنشاء دولة فلسطينية خارج إسرائيل في دول مجاورة مثل مصر أو سوريا أو الأردن، واصفًا حل الدولتين بأنه "غير منطقي وغير قابل للتنفيذ".
ويقول هاكابي: "أنا أُومن بالكتاب المقدس. سفر التكوين 12: من يبارك إسرائيل يُبارَك، ومن يلعن إسرائيل يُلعَن. أريد أن أكون في جانب البركة، لا في جانب اللعنة".
جون راتكليف، الذي عيّنه ترامب لإدارة وكالة الاستخبارات المركزية، دعا إلى مساعدة إسرائيل فيما وصفه بنهجها "القدم على الحنجرة" ضد إيران.
إعلانأما وزير الدفاع في إدارة ترامب، بيت هيغسيث، الذي يقول إن "الصهيونية والأميركية هما خط الدفاع الأوّل عن الحضارة الغربية والحرية في عالمنا اليوم"، فيروّج للادعاء السخيف بأنّ التوراة، التي كُتبت قبل 4000 عام، يمكن استخدامها لرسم حدود الدول الحديثة.
قال لقناة فوكس نيوز في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي: "افتح كتابك المقدس. الله منح إبراهيم هذه الأرض. أسس اثنا عشر سبطًا من بني إسرائيل ملكيةً دستورية في عام 1000 قبل الميلاد. وكان الملك داود ثاني ملوكهم، وجعل القدس عاصمة لهم. لقد قاتل اليهود المحتلين الأجانب لقرون، وظلوا يحتفظون بوجودهم هناك.
والآن، الفلسطينيون والعرب والمسلمون يحاولون محو الروابط اليهودية بالقدس، كما نفعل نحن الآن. لقد زرت المكان مرات عديدة. إنهم يحاولون أن يجعلوا الأمر يبدو وكأن اليهود لم يكونوا هناك أبدًا. والأهم من ذلك أن المجتمع الدولي منح السيادة لليهود، للدولة اليهودية، بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين، وإسرائيل تخوض حربًا دفاعية تلو الأخرى ضد كل من حاول سحقها، فقط من أجل البقاء".
القسيسة التلفزيونية بولا وايت- كين، الصهيونية المسيحية المتشددة، التي تقول إن معارضة ترامب تعني "مقاومة يد الله"، أصبحت مستشارة بارزة في مكتب الإيمان الذي تم إنشاؤه حديثًا في البيت الأبيض.
اتهم الصهاينة الجامعات الأميركية بالتحالف مع حماس مباشرة بعد هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول داخل إسرائيل، قبل أسابيع من بدء الاحتجاجات في الحرم الجامعي. وردًا على الانتقادات وظهور مخيمات للطلاب المعتصمين، منعت هذه الجامعات الاحتجاجات وقيّدت حرية التعبير. كما قامت بمعاقبة أو تعليق أو طرد الطلاب الناشطين، وفصلت أو وضعت تحت المراقبة أساتذة وإداريين تحدثوا ضد الإبادة الجماعية.
وشهدت الحملة ملاحقة رؤساء جامعات هارفارد وبنسلفانيا ومعهد MIT خلال جلسات استماع بالكونغرس قادتها النائبة إليز ستيفانيك، في محاكمة شبيهة بمكارثية.
إعلانوبسبب عدم خضوعهم الكافي، أُجبر رؤساء جامعتي هارفارد وبنسلفانيا على الاستقالة. وأصدرت ستيفانيك بيانًا تعهّدت فيه "بمواصلة كشف الفساد في مؤسسات التعليم العالي الأكثر مرموقية وتقديم المساءلة للشعب الأميركي".
وستيفانيك هي مرشحة ترامب لتكون سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وهي تؤمن بأن "لإسرائيل حقًا كتابيًا في امتلاك الضفة الغربية بالكامل".
وقامت جامعة كولومبيا، قبل أربعة أشهر من إقامة مخيم الاحتجاج في الحرم الجامعي، بحظر فرعي طلاب من أجل العدالة في فلسطين وصوت يهودي من أجل السلام. وعندما أُقيم المخيم وسط الجامعة، سمحت بثلاث مداهمات للشرطة أسفرت عن اعتقال أكثر من 100 طالب.
وفي الأسبوع الماضي، طردت أربعة طلاب، هم ثلاثة من كلية بارنارد وواحد من كولومبيا. كما قامت بفصل أساتذة وإداريين.
ورغم الإجراءات الصارمة التي اتخذتها إدارة كولومبيا، ألغت إدارة ترامب حوالي 400 مليون دولار من المنح الفدرالية للجامعة، بزعم "استمرارها في التقاعس عن مواجهة التحرش المستمر بالطلاب اليهود".
الحملة التي تستهدف الجامعات والكليات لا علاقة لها بمحاربة معاداة السامية. فلا يمكن لكولومبيا وغيرها إرضاء منتقديها مهما فعلت. الهدف هو تجريم المعارضة وإجبار المؤسسات التعليمية على الالتزام بإملاءات الأيديولوجيا اليمينية المتطرفة والفاشية المسيحية. معاداة السامية ليست إلا ذريعة.
الفاشيون المسيحيّون يشوّهون المسيحية لتحويلها إلى أداة تبرر تفوق العرق الأبيض، والإمبراطورية الأميركية، والرأسمالية، بينما يصوّرون من يعارضهم على أنهم شيطانيّون.
وهؤلاء الهراطقة – وأنا أقول هذا بصفتي خريج كلية لاهوت- يحرفون الأناجيل بنفس الطريقة التي يحرف بها الفاشيون اليهود التوراة. وفي الواقع، وفقًا لنظريتهم حول "نهاية الأزمنة"، فإن اليهود في إسرائيل إما سيُجبرون على اعتناق المسيحية أو سيتم إبادتهم، مما يكشف عن جذورهم العميقة في معاداة السامية واحتضانهم العلني نظريات النازيين مثل كارل شميت، ومتعاطفين مثل روساس جون روشدووني.
إعلانتنتهك إسرائيل بانتظام الأعراف الدبلوماسية والأخلاقية، وتتجاهل القانون الإنساني والدولي، وترتكب إبادة جماعية تنتهك اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية لعام 1948. وتسخر من مفهوم المجتمع الديمقراطي المفتوح، حيث تخلق مواطنين من الدرجة الثانية ونظام فصل عنصري يهيمن عليه من هم من أصول أوروبية. كما تمارس العنف المميت العشوائي لتطهير مجتمعها ممن تصفهم بـ"المُلوثين البشريين" و"الحيوانات البشرية".
ويزعم هؤلاء المتطرفون أن تفوقهم اليهودي، كما هو الحال بالنسبة للفاشيين المسيحيين، مقدس من الله. ويُصور ذبح الفلسطينيين، الذين قارنهم بنيامين نتنياهو بالعمالقة الكتابيين "عماليق"، على أنهم تجسيد للشر ويستحقون الإبادة.
وقد استخدم الأوروبيون- الأميركيون في المستعمرات الأميركية نفس النص التوراتي لتبرير إبادة الأميركيين الأصليين. العنف والتهديد بهما هما وسيلتا التواصل الوحيدتان داخل الدائرة السحرية للقومية اليهودية أو القومية المسيحية.
الفاشية اليهودية هي النموذج الذي يسعى الفاشيون المسيحيون لتقليده. فهم أيضًا يتوقون لـ"تطهير" المجتمع الأميركي من "ملوثاته البشرية" كما تفعل إسرائيل مع الفلسطينيين.
ينص "قانون الدولة القومية للشعب اليهودي"، الذي أقرّه الكنيست في 2018، على أن حق تقرير المصير في إسرائيل هو "حقّ حصري للشعب اليهودي". وهذا التمييز القانوني هو ما يخطط الفاشيون الأميركيون لتقليده لصالح المسيحيين البيض.
وستكون الأهداف، كما في إسرائيل، الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وذوي البشرة الملونة والمهاجرين المسلمين والمفكرين والفنانين والنسويات واليساريين والمسالمين والفقراء.
وسيتحول القضاء إلى أداة لقمع المعارضين وحماية الأثرياء، وستذبل النقاشات العامة، وسينهار المجتمع المدني وحكم القانون. ومن يُصنف على أنه "غير مخلص" سيتعرض للاضطهاد، كما يتضح من برنامج وزارة الخارجية الأميركية المدعوم بالذكاء الاصطناعي "Catch and Revoke"، الذي يهدف إلى "إلغاء تأشيرات الأجانب الذين يبدو أنهم يدعمون حماس أو جماعات إرهابية أخرى".
إعلانوفي 8 مارس/ آذار، احتجزت سلطات الهجرة الفدرالية الناشط محمود خليل، طالب بجامعة كولومبيا من أصول فلسطينية، رغم أنه مقيم دائم قانوني. وقالت المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، تريشيا ماكلوغلين، إن خليل تم اعتقاله "دعمًا للأوامر التنفيذية للرئيس ترامب التي تحظر معاداة السامية".
إن احتجاز شخص يحمل إقامة دائمة قانونية، واحتمال ترحيله، أمر ينذر بالخطر.
للفاشية صيغ متعددة، لكن خصائصها الجوهرية واحدة. ولهذا يعمل الفاشيون المسيحيون بحماس شديد لصالح إسرائيل. فالفاشية تعيش على الشعور بالظلم. وسيحدث الخلاص الماسوني في إسرائيل بمجرد طرد الفلسطينيين الذين يُدينونهم على أنهم تجسيد للشر.
وسيحدث الخلاص الماسوني في أميركا عندما تعود السلطة المطلقة إلى دولة عرقية مسيحية بيضاء، تقضي على تشريعات الحقوق المدنية -فقد تم بالفعل إفراغ قانون حقوق التصويت لعام 1965 من مضمونه بواسطة المحكمة العليا- وتخفض الخدمات الاجتماعية التي "تدلل" الفقراء، خاصة ذوي البشرة السمراء.
المد التاريخي ضدنا. التحالفات القديمة تنهار لصالح الأنظمة الاستبدادية حول العالم، سواء في روسيا بوتين، أو الصين بقيادة شي جين بينغ، أو الهند بقيادة ناريندرا مودي، أو المجر بقيادة فيكتور أوربان، وكلها تستخدم القوانين والشرطة العسكرية لإسكات المعارضين والصحفيين والطلاب والأساتذة، حتى في أعرق جامعاتها مثل جامعة جواهر لال نهرو الهندية.
واليمين المتطرف في صعود مستمر عبر أوروبا، لا سيما في فرنسا وألمانيا. أما اليسار الراديكالي والحركة العمالية فقد تم سحقهما. ولم يتبقَّ لنا دفاعات تُذكر. فلن يحمينا حزب ديمقراطي مرتهن للشركات أو مؤسسات ليبرالية خانعة مثل جامعة كولومبيا.
ولا يمكن هزيمة الفاشية إلا بمقاومة نضالية مقابلة – كما فعل الشيوعيون والفوضويون والاشتراكيون في ثلاثينيات القرن الماضي – مقاومة تقدم رؤية بديلة ولا تساوم مع السلطة الاستبدادية.
إعلانهذه المقاومة تدرك حتمية القمع الوحشي من الدولة وضرورة التضحية بالنفس. ولا تسعى للتكيف أو الاسترضاء. سنعيد إحياء هذه الروح النضالية ونكافح عبر أعمال عصيان مدني مستمرة- بما في ذلك الإضرابات- ضد هذه القوى الاستبدادية، أو سنُختزل إلى مجرد عبيد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات رمضان معاداة السامیة الضفة الغربیة فی إسرائیل الذین ی من أجل على أن
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.