(عمان) بدأت امس فعاليات النسخة الحادية عشرة من ملتقى قمرة السينمائي، الذي تنظمه مؤسسة الدوحة للأفلام كحاضنة للمواهب السينمائية العربية والدولية. ويجمع الملتقى نخبة من الخبراء البارزين في صناعة السينما بهدف تمكين ودعم الجيل الجديد من صنّاع الأفلام من خلال جلسات إرشادية، وندوات سينمائية، وسلسلة من العروض المختارة.

ويُعد ملتقى قمرة السينمائي 2025، الذي يُمثل “مساحة للأصوات السينمائية الجديدة”، الأكبر في تاريخه من حيث المشاركة، حيث يستضيف أكثر من 250 خبيرًا سينمائيًا من 50 دولة. ويُشرف هؤلاء الخبراء على 49 مشروعًا سينمائيًا من أكثر من 20 دولة، من بينها 18 مشروعًا لمخرجين قطريين أو مقيمين في قطر، في مؤشر على النمو المتسارع الذي تشهده الصناعة السينمائية في البلاد.

وفي كلمتها الافتتاحية، رحبت فاطمة حسن الرميحي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الدوحة للأفلام، بالمشاركين قائلة: قبل 15 عامًا، انطلقت مؤسسة الدوحة للأفلام من حلم يتمثل في دعم الأصوات الجريئة، وسرد القصص غير المروية، وتوفير مساحة للإلهام والإبداع لصنّاع الأفلام.”

وأضافت: “على مدار هذه السنوات، شاهدنا كيف تحولت همسات الجنوب العالمي إلى أصوات مدوية تُسمع عالميًا. لقد لمسنا قدرة السينما على الربط بين الشعوب، ومداواة الجراح، وإعادة اكتشاف إنسانيتنا المشتركة.”

وأكدت الرميحي على أهمية وجود منصات مثل قمرة، في هذه المحطة المهمة من رحلتنا، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى لفضاءات مثل قمرة، ليس فقط كمنصة للنمو الفني، بل كمنبر للأصوات التي ترفض أن تُقصى أو تُهمّش. ومن هنا، نواصل التزامنا بدعم المواهب الجريئة والمبدعة التي لا تحظى بتمثيل كافٍ.”

من جانبه، قال إيليا سليمان، المستشار الفني في مؤسسة الدوحة للأفلام: السينما لا تكمن فقط في القصص التي نرويها، بل أيضًا في الصمت الذي يكتنفها، وفي المساحات التي تنبض بالمعاني. في قمرة، يتردد صدى هذا الصمت بقوة، فتنبثق منه أصوات ناشئة، تحت إشراف خبراء يحملون سنوات من التجربة والحكمة. إنه فضاء لاكتشاف لا يُملى، بل يُصاغ بشغف.”

ويشارك في قمرة 2025 مجموعة مميزة من الخبراء السينمائيين العالميين، من بينهم: المخرج الرائد في السينما البطيئة لاف دياز (أعماله: المرأة التي غادرت، تطور العائلة الفلبينية)، والمصور السينمائي الشهير داريوس خنجي (حب، المهاجر)، المخرج الحائز على الأوسكار والتر سالس (يوميات دراجة نارية، ما زلت هنا)، ومصممة الأزياء السينمائية آنا تيرازاس (روما، طيف)، والمخرج المبتكر جوني تو (المنفي، الانتخابات).

ويقدم هؤلاء الخبراء خلاصة تجاربهم ورؤاهم الفنية لتوجيه الجيل الجديد من صنّاع الأفلام، ومساعدتهم على الانتقال بمشاريعهم من مرحلة الكتابة إلى الشاشة.

تضم نسخة هذا العام 49 مشروعًا سينمائيًا، من بينها 27 فيلمًا روائيًا طويلًا، و10 مشاريع مسلسلات، و12 فيلمًا قصيرًا، وهي في مراحل مختلفة من التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج.

ومن بين هذه المشاريع، 37 مشروعًا حصل على دعم من برنامج المنح في مؤسسة الدوحة للأفلام، في حين أن 21 مشروعًا ينتمي إلى خريجي برامج التدريب التابعة للمؤسسة، مما يُبرز الأثر العميق للنهج الشامل الذي تتبعه المؤسسة في تطوير الطاقات الإبداعية.

وتتميز المشاريع المختارة لهذا العام بحضور قوي لدول الجنوب العالمي، مع تمثيل متنوع لآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تأكيدًا على التزام المؤسسة برعاية الأصوات التي غالبًا ما تُقصى عن المشهد السينمائي العالمي. وتحظى هذه المشاريع بجلسات إرشادية، ونقاشات حول أعمال قيد الإنجاز، وجلسات تحليل وتقييم فردية، بالإضافة إلى عروض تقديمية موسعة.

ويتيح قمرة 2025 للجمهور حضور ورش عمل يقدمها خبراء البرنامج، إلى جانب عروض لسبعة أفلام طويلة نالت استحسان النقاد، وجميعها حظيت بدعم من مؤسسة الدوحة للأفلام، وتُعرض في مسرح متحف الفن الإسلامي.

تُقام الفعاليات الحضورية في أبريل، تليها جلسات افتراضية من 12 إلى 14 أبريل، ما يتيح فرصًا أوسع للتفاعل والتعلم.

ومن خلال دعمه المستمر، يكون ملتقى قمرة قد ساهم في دعم قرابة 850 فيلمًا من أكثر من 75 دولة، مؤسسًا بذلك مجتمعًا عالميًا من رواة القصص الذين يشكلون ملامح السينما المستقبلية.

ندوة مصاحبة

وقال المخرج البرازيلي الشهير والتر ساليس، إن السينما تمثل “أداةً للحفاظ على الهوية في أوقات معيّنة من وجودنا، ووسيلةً مهمة لمواجهة النسيان”.

جاء ذلك خلال كلمته ضمن الندوة الأولى للملتقى، الذي تنظمه مؤسسة الدوحة للأفلام سنويًا ليكون حاضنة للمواهب السينمائية الناشئة من مختلف أنحاء العالم. وفي هذه المناسبة، استعرض ساليس رؤاه الفنية وتجربته الشخصية الممتدة في عالم السينما، بدءًا من شغفه المبكر بالأفلام الوثائقية، وصولًا إلى أعماله الروائية البارزة مثل ما زلت هنا، الحائز على جائزة “أفضل فيلم دولي” في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2025.

وخلال حديثه، شدّد ساليس على العلاقة العميقة بين السينما والثقافة، وعلى الدور المحوري للفن في بناء الهوية. كما تحدث عن بداياته في التصوير الفوتوغرافي، وهو المجال الذي قاده إلى التوثيق البصري عبر الأفلام، قائلاً إن المعلّم الأهم الذي تلقّاه كان من المصورين الذين كانوا جزءًا من مجتمعاتهم، يفهمونها وينتمون إليها قبل أن يرفعوا الكاميرا. تلك الروح الإنسانية، كما أوضح، شكّلت أساسًا لأعماله، وهي ما يسعى دائمًا إلى غرسه في أفلامه.

وأشار ساليس إلى أن تلك الروح دفعته إلى تبني منهج ارتجالي في تصوير أعماله، وإلى العمل مع ممثلين غير محترفين تفوق أداؤهم التوقعات، ما أضفى على أفلامه بعدًا إنسانيًا صادقًا. واستعاد تجربته كمخرج من جيل السينمائيين الذين شهدوا تحوّل البرازيل من حكم الديكتاتورية إلى الديمقراطية، مُستعرضًا فيلمه الروائي الأول أرض أجنبية (1995) كنموذج لدراسة دقيقة للتقلبات السياسية وتجربة الضياع والاغتراب التي عاشها جيله.

وفي حديثه عن فيلمه الشهير المحطة المركزية، الذي نال جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام 1998، استذكر ساليس الدعم الذي تلقّاه من معهد صندانس السينمائي، مشيرًا إلى أن روح العمل الجماعي التي لمسها هناك تشبه كثيرًا ما لمسه في ملتقى قمرة. وقال: “كان لدي مرشدان فتحا أمامي أبوابًا واسعة من الإمكانيات. لم يكن الفيلم ليبلغ ما بلغه لولا روح التعاون تلك”.

وأشاد ساليس بالدور الذي تلعبه مؤسسة الدوحة للأفلام في دعم المواهب الصاعدة، مؤكدًا أن مثل هذه المبادرات الثقافية تتيح لصنّاع الأفلام الناشئين الحديث عن مواضيع لم تُتناول بعد، ومنح أسماء لما لم يُسمَّ أصلًا، وهو ما يعده أمرًا بالغ الأهمية في صناعة سينما ذات هوية متميزة.

وفي معرض حديثه عن عملية صناعة الفيلم، أشار ساليس إلى أهمية الأصالة، قائلًا إن وجود نص متماسك لا يعني الجمود، بل هو أساس يمكن الارتجال من خلاله بحرية، كما في موسيقى الجاز، حيث تتيح البنية الواضحة للمبدع أن ينطلق ثم يعود إليها عند الحاجة.

وعن فيلمه يوميات دراجة نارية، تحدّث ساليس عن العمل مع ممثلين غير محترفين، مؤكدًا أن خوض الرحلة الواقعية أثناء التصوير أسهم في تعزيز فهمه للهوية الثقافية لأمريكا اللاتينية. وأوضح أنه لا يحب الإفراط في التصوير، وإذا اضطر إلى التقاط لقطات إضافية، فإنه يحرص على جعل كل واحدة منها مختلفة عن الأخرى، وقال: “أفضل طريقتي في توحيد الممثلين وكتابة المشاهد خصيصًا لهم، وعند حدوث لحظة حقيقية، أصورها كأنني أُنجز فيلمًا وثائقيًا”.

ويرى ساليس أن أجمل ما في السينما هو ما لا يمكن التخطيط له، قائلًا: “أنا أبحث عمّا يجب رؤيته وما يجب الشعور به، وهذا هو جوهر السينما. إنها البعد الغامض الذي يكمل الواقع المرئي. ما لا نظهره مهم بقدر ما نعرضه. فكل فيلم له بُنية درامية يجب احترامها، لكن هناك أيضًا بنية حسّية لا تقل أهمية”.

ووجّه ساليس رسالة لصنّاع الأفلام الشباب، دعاهم فيها إلى تجاوز السطحية والوضوح المفرط، قائلاً: “عندما ترى كل شيء، فأنت في التلفزيون، ولكن عندما تُدعى لإكمال الصورة، فأنت على الأرجح في السينما. وعندما يُترك لك شيء لتبحث عنه أو لتُكمل به الحوار، فأنت في عالم السينما”.

وتطرّق ساليس إلى فيلمه الأخير ما زلت هنا، الذي يتناول ذكرياته الشخصية عن فترة الديكتاتورية العسكرية في البرازيل، واصفًا إياه بأنه عمل مليء بطبقات من الذاكرة. وأوضح أنّ الفراغات في لقطات الفيلم تعكس المأساة الشخصية التي عاشتها عائلة تمثّل في قصتها صمود المجتمع ومقاومته للظلم.

كما عبّر ساليس عن إيمانه العميق بأن السينما، منذ بداياتها الأولى في رسوم الكهوف، تمثل رغبة بشرية أصيلة في إعادة إنتاج الحياة وتوثيق الإحساس الجمعي لمجتمعات معينة. وقال: “نحمل في داخلنا شيئًا من شغف رسامي الكهوف، وهذا الشغف يجد تعبيره اليوم من خلال السينما”.

واختتم ساليس حديثه برسالة مؤثرة تؤكد على مسؤولية الفن والسينما في هذا العصر، خصوصًا في ظل محاولات طمس الذاكرة الجماعية والعدالة، قائلاً: “السينما ليست وسيلة للتسلية فقط، بل وسيلة لبناء الذاكرة، لا محوها. تراكم الذاكرة هو ما يشكل الهوية المتحركة. سواء التقطت صورة بهاتفك أو صنعت فيلمًا روائيًا، فأنت تشارك في هذه العملية. إنها أداة مقاومة استثنائية”.

وقد أدار الندوة السينمائية مع ساليس الناقد ريتشارد بينه، الذي قدّم بدوره نظرة تحليلية شاملة على مسيرة المخرج البرازيلي، مع عرض مقتطفات من أبرز أعماله: أرض أجنبية، المحطة المركزية، يوميات دراجة نارية، ما زلت هنا، مما أتاح للحضور فرصة التفاعل العميق مع تجربة فنية وإنسانية فريدة، تجسّد التزام ساليس المستمر بروح السينما وطاقتها التحويلية.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: مؤسسة الدوحة للأفلام ملتقى قمرة أکثر من مشروع ا من خلال فیلم ا الذی ی

إقرأ أيضاً:

بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

بنك الذهب أم بنك الحرب؟

 قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية

عمر سيد أحمد

مقدمة

تداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.

هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.

أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي

1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني

المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.

القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.

2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر

البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.

هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.

بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.

3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين

المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.

4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل

السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.

في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.

5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة

حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:

من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.

هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.

ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًا

أي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.

الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.

ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعية

المقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.

1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني

لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:

إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.

أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.

2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي

يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.

3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة

الجهة الدور الضمانة
مجلس إدارة مستقل إدارة العمليات اليومية تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر
البرلمان (لجنة مالية دائمة) رقابة تشريعية ومساءلة سنوية جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة
ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد تدقيق مالي وتقني تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا
هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة)
ممثلو المعدنين وحكومات الولايات مقاعد تصويتية في الشركات الولائية حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية

نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.

4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان

لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:

تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.

5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية

تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًا

قد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.

الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.

خاتمة

مشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.

هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.

* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:[email protected]

يوليو 2026

الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح

مقالات مشابهة

  • إيران..إستهداف مستودعات الجيش الأمريكي بمعسكر العديري وثكنات الدوحة وعريفجان
  • مؤسسة النفط تختتم دورة تدريبية لطلبة الطاقات المتجددة في سبها
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • إقرار قائمة ألعاب دورة المولد النبوي بذمار
  • خلي بالك من نفسك يفتتح رحلته السينمائية بـ Sold Out في مصر والعالم العربي
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الفيلم الجيد أفضل من ألف محاضرة .. أزهري يطالب بإصلاح السينما
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية