جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-24@22:45:00 GMT

معنى الانكسار

تاريخ النشر: 11th, September 2024 GMT

معنى الانكسار

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي **

 

عندما كنت على مقاعد الدراسة الجامعية، كان مدرس مادة الدراسات المالية مدرسًا مُتمكنًا من المادة وكان عميدًا للكلية في نفس الوقت، وبالرغم من أنه يحمل درجة الأستاذية، لكنه كان يتسم بالتواضع، وكان يتحاور مع طلابه، ويُبدي رأيه في كثير من القضايا المالية التي تشغل الرأي العام في ذلك الوقت، ويربط هذه الآراء بما يحتويه المقرر الدراسي.

ومن بين هذه القضايا، العجز المالي والدين العام والبطالة وسعر الصرف والخصصة، والغريب أن هذه القضايا المالية هي نفسها التي ما زلت تشغل العالم العربي منذ ذلك الحين وحتى اليوم. وبالرغم من تواضعه لكنه كان ذا شخصية قوية، وفي كثير من الأحيان يطرد العديد من الطلبة خارج قاعة المحاضرة، لعدم التزامهم بالانضباط وإثارة الهرج في المحاضرة. وفي يوم من الأيام، وصل إلى المحاضرة لكنه لم يتقبل أي أسئلة كعادته، وبدى حزينًا مُنكسرًا، لم يفوت الطلبة الفرصة وأرادوا معرفة سبب هذا الانكسار والحزن، فتحدث بعيون دامعة بأنَّه فقد والده منذ يومين، فتقدَّم عدد من الطلبة لمواساته.

عرفتُ من يومها معنى الانكسار الحقيقي، عندما تفقد أحدهم إلى الأبد ويرحل عن دنياك مهما كنت، وخاصة إذا كان هذا الراحل هو أحد والديك. ومن موقف هذا الأستاذ الجامعي، عندما انكسر وسمح لدموعه أن تسقط بهذه الغزارة أمام طلابه، وهو الذي كان يمثل لهم العزة والكبرياء والشموخ وهو في هذه السن لفقدانه والده، يُمكن أن تعرف ببساطة ما يعنيه الأب في حياة الإنسان.

وها هي الأيام تمر وذكرى رحيل والدي العزيز- رحمة الله عليه- تُذكِّرُني بهذه القصة كل عام، تُذكِّرُني بمعنى الإحساس بالانكسار عندما تفقد من كان سببًا في وجودك بعد الله في هذه الحياة، وهو الذي بنى حياتك وشخصيتك وربّاك وعلّمك.

كنت لا أعرف القراءة والكتابة، لكن أبي أصر ألا يُفارِق يدي القلم، وألا يفارق ناظري الكتاب، وقد كنتُ ولدًا شقيًا كحال أبناء جيلنا في ذلك الزمن، نعشق كرة القدم حتى الثمالة، ونطاردها أين ما حلت، وكان يُعنفني لأني أُهمل دروسي، وعندما حاولت أن أختصر الطريق، والقبول بفرص للعمل، كانت تلك "اللا" الوحيدة من طلباتي الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى!

كان يركب الطرقات ويجوب الشوارع ويتتقل بين مركبات الأجرة لكي يصل إلى مقر عمله، ليوفر لي ما أُريد حتى لا  يساورني التفكير في ترك الدراسة. وأتذكرُ أنه عندما عُدتُ من مسقط في ذلك اليوم وأنا أحمل كشف درجاتي لأخبره بنبأ حصولي على شهادتي الجامعية الأولى، لم تسعه الفرحة، وكأن أحدهم بُشِّر بمولود بعد طول انتظار.

وعندما مرَّت السنون، وأُخبِرتُ بأني حصلت على الدرجة العلمية الثانية، كان الوقت قد تأخر، لكنني ذهبت إلى غرفته وأيقظته من النوم لكي أخبره بهذا النبأ، لأني كنت أريد أن أمنحه فرحة كبيرة ليقيني بأنَّه لا خبر سيُفرِحه أكثر من هذا الخبر.

وعندما حصلت على آخر درجاتي العلمية، كنتُ أتمنى أن أبحث عنه لكي أخبره، لكن مع الأسف، تأخرتُ كثيرًا هذه المرة، فقد ودّعنا وفارق هذه الدنيا للقاء ربه، وتركنا ورحل منذ بضع سنين.

في شريط الذكريات، أتذكر أنه عندما انشغلت عنه بالعمل والأسرة، كنت عندما أعود إليه أتعمد أن أسمعه ولا أضيع الوقت في الحديث عن أي شيء يخصني، وأتذكر عندما أُخبِره عن ما يفرحه تتساقط دموعه وهو يدعو لي بأن يزيدني الله من العلم والمعرفة، وأظن بفضل الله وهذا الدعاء اشتعل رأسي شيبًا، وما زلت أحمل الكتاب أين ما ذهبت وأين ما حللت.

هكذا تنكسر كإنسان، ففي الجانب الآخر من هذه الحياة ثمة مواقف قد تُسبِّب لك أشد الآلام، فقد يخذلك أحدهم في العائلة، أو في العمل، أو قد يخذلك أحد الرفاق عندما تحتاج إليه لأي أمر!

غير أن أصعب الانكسارات هو انكسار الأُمّة، وما يحصل اليوم في غزة الجريحة، من خذلان أمة بأكملها لشعب أعزل يُعتدى عليه ويُباد ويُذبَّح أطفاله ونساؤه وشيوخه من الوريد للوريد منذ ما يقارب السنة، فقط لأنه يدافع عمّا تبقى من شرف هذه الأمة، ولم يرض بالظلم ويطالب بأرضه ووطنه، بينما الأمة ما تزال مشغولة بتجميع الأوراق والقراطيس والأدلة، لتذهب بها لتشتكي في أروقة المنظمات والمؤسسات التي تُدار من قوى البغي والشر والعدوان.

** خبير في الشؤون المالية

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

الحروب لا تبدأ عندما تُطلق أول رصاصة، بل عندما تفقد المفاوضات قدرتها على إنتاج الحلول، وعندما يُصبح السلاح أكثر قدرةً على تغيير الوقائع من الكلمات، تتحول الدبلوماسية إلى شاهد على الأحداث بدلًا من أنّ تكون صانعتها، هذا هو المشهد الذي يقترب منه العالم اليوم؛ مساحة التفاوض تنكمش، بينما تتسع خرائط المواجهة العسكرية بصورة غير مسبوقة.

لسنوات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تُدير أزماتها الكبرى وفق معادلة مزدوجة، تفاوض من جهة، وضغط عسكري من جهة أخرى، لم يكن الهدف الحرب، بل استخدام احتمالها لتحسين شروط السلام.

 لكن ما يجري اليوم في إيران منذ أواخر فبراير الماضي يُوحي بأنّ هذه المعادلة بدأت تميل بصورة واضحة نحو القوة، وأنّ المؤسسة السياسية في واشنطن أصبحت أكثر اقتناعًا بأنّ بعض الخصوم لا يغيّرون سلوكهم إلا تحت وقع الضربات، وليس تحت ضغط البيانات الدبلوماسية.

داخل الإدارة الأمريكية يزداد نفوذ المدرسة التي ترى أنّ المفاوضات الطويلة تحولت إلى فرصة تمنح الخصوم وقتًا لإعادة بناء قدراتهم، وتطوير برامجهم العسكرية، وتوسيع نفوذهم الإقليمي، أصحاب هذا الاتجاه لا يرفضون التفاوض من حيث المبدأ، لكنهم يرفضون التفاوض الذي لا يغيّر شيئًا في موازين القوى، بالنسبة إليهم، القوة ليست بديلًا عن السياسة، بل هي أداتها الأكثر تأثيرًا.

هذه المدرسة ليست جديدة في الفكر الأمريكي، فقد حضرت في إدارات جمهورية وديمقراطية على السواء، لكنها تستعيد نفوذها كلما تصاعدت الأزمات، وازدادت الهجمات على المصالح الأمريكية أو مصالح الحلفاء. وهي ترى أنّ التردد في استخدام القوة يرفع كلفة المواجهة لاحقًا، وأنّ الضربة المبكرة أقل ثمنًا من حرب مؤجلة بعد سنوات.

في المقابل، لا تزال هناك أصوات داخل الإدارة الأمريكية ومؤسسات الأمن القومي والدبلوماسية تُؤمن بأن القوة تستطيع إسقاط أهداف، لكنها لا تستطيع بناء استقرار، وتعتقد أنّ أي حرب جديدة في الشرق الأوسط لن تكون نسخةً من الحروب السابقة، بل ستكون أكثر اتساعًا، وأعلى تكلفةً، وأشد تأثيرًا على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية، بالنسبة إلى هذا التيار، فإنّ السلام السيئ يبقى أفضل من حرب جيدة.

غير أنّ المشكلة لم تعد في وجود تيارين داخل واشنطن، بل في أنّ الوقائع الميدانية تمنح الأفضلية يومًا بعد آخر لأنصار القوة، فكل هجوم جديد، وكل تعثر تفاوضي، وكل تصعيد إقليمي، يُضعف حجج دعاة التسوية، ويُقوي موقف من يُطالبون بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع المباشر.

والمفارقة أنّ الأطراف الأخرى تسير في الاتجاه نفسه، فكل طرف يعتقد أنّ الوقت يعمل لصالحه، وأنّ خصمه هو الذي سيضطر إلى تقديم التنازل أولًا، وهكذا يتحول التفاوض من وسيلة للوصول إلى حلول إلى أداة لكسب الوقت، بينما تتحول القوة من ورقة ضغط إلى خيار يقترب تدريجيًا من التنفيذ.

هذا التحول يحمل دلالةً أخطر من مجرد احتمال اندلاع مواجهة جديدة؛ فهو يعكس تراجع الثقة في قدرة الدبلوماسية نفسها على إدارة الأزمات، فعندما يفقد القادة ثقتهم في نتائج التفاوض، يبدأون بالاعتماد على القوة لتغيير الوقائع، ثم يعودون إلى طاولة الحوار بعد أنّ تكون الخرائط قد تغيرت.

السؤال، هل تقع مواجهة عسكرية؟ وما حجمها؟ وأين تبدأ؟ وأين تنتهي؟ فالسيناريو الأكثر ترجيحًا ليس حربًا عالميةً شاملةً، وإنما سلسلة من المواجهات المتدرجة، تبدأ بضربات محدودة، ثم تتوسع إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير رد فعل الآخر، هذا النوع من الحروب أكثر خطورةً؛ لأنه لا يمنح أحدًا فرصةً لإعلان النصر، ولا يسمح في الوقت نفسه بإعلان نهاية واضحة للصراع.

ومن المرجح أنّ تُصبح المنطقة أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف أكثر منها مرحلة الحسم، عمليات عسكرية متقطعة، وهجمات عبر الوكلاء، وضغوط اقتصادية، وحروب إلكترونية، واستهداف للممرات البحرية، ومحاولات لإعادة رسم توازنات الردع، إنها مواجهة لا تبحث عن الانتصار الكامل، بقدر ما تسعى إلى منع الخصم من تحقيقه.

ومع مرور الوقت، ستزداد كلفة هذا المسار على الجميع، فالدول الكبرى ستدفع ثمن اضطراب الأسواق، والدول الإقليمية ستتحمل أعباء عدم الاستقرار، والاقتصاد العالمي سيدفع فاتورة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، بينما ستصبح الممرات البحرية جزءًا من ساحات الصراع لا مجرد طرق للتجارة.

ورغم هذا المشهد القاتم، فإنّ باب التفاوض لن يُغلق بالكامل، فالتاريخ يعلمنا أنّ القوى الكبرى تتفاوض غالبًا وهي تقاتل، وتتبادل الرسائل عبر الوسطاء حتى في أشد لحظات التصعيد، لكن الفارق أنّ التفاوض المقبل لن يُشبه التفاوض السابق؛ سيكون تفاوضًا تُحدده نتائج الميدان أكثر مما تحدده النصوص الدبلوماسية.

إنّ العالم يقف أمام لحظة انتقالية، ليس لأن الحروب أصبحت أكثر احتمالًا، بل لأن الإيمان بقدرة السياسة على منعها أصبح أضعف، وكلما انكمشت مساحة التفاوض، اتسعت مساحة المخاطرة، لأن الحرب، مهما بدت خيارًا محسوبًا عند بدايتها، كثيرًا ما تنتهي إلى نتائج لم يخطط لها أحد.

ربما يكون أخطر ما في المرحلة الحالية أنّ الجميع يتحدث عن السلام، لكن الجميع يستعد للحرب، وبين الخطابين تتحدد ملامح النظام الدولي الجديد؛ نظام تُكتب قواعده على طاولات التفاوض، لكن تُرسم حدوده في ميادين القتال. 

مقالات مشابهة

  • الرئيس اللبناني: حان الوقت لإنهاء الحرب
  • عندما يختلط الزيت بالماء!
  • معاهدة لوزان: مئوية الانكسار الكردي وصناعة الشرطي التركي في الشرق الأوسط
  • أمريكا الجنوبية تعمل على استئصال الجوع
  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
  • فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
  • أميمة بنت علي الراشدية
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • عون مخاطبا ترامب: الوقت حان لينعم لبنان بالسلام