الخرطوم- في خطوة بالغة الأهمية في مسار العمليات العسكرية، حقق الجيش السوداني، الجمعة، تقدما مهما بكسر الحصار المفروض منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، على سلاح الإشارة بالخرطوم بحري والقيادة العامة للجيش وسط الخرطوم.

ويرى خبراء عسكريون أن التقدم المحرز من قبل الجيش، من شأنه فتح الطريق أمام مزيد من السيطرة على نقاط حاكمة وإحداث تحول كبير، في ظل تراجع مضطرد للدعم السريع بكافة محاور العمليات في الخرطوم وولاية الجزيرة.

وطبقا لشهود عيان، تحدثوا للجزيرة نت من الخرطوم بحري حيث احتدمت المعارك، فإن عناصر الدعم السريع شرعت، خلال الأيام التي سبقت انتشار الجيش، في عمليات انسحاب ملحوظة من عدة ارتكازات على شوارع رئيسة، واعتمدت على نشر قناصة محترفين في المباني العالية، علاوة على القصف الصاروخي للحد من تقدم الجيش.

جنود من الجيش السوداني يحتفون بالنصر من داخل القيادة العامة (الجزيرة) فك الحصار

ويقول خبير عسكري، للجزيرة نت، إن ما لا يقل عن 30 وحدة للجيش كانت تعمل وتتقدم في المحاور الساخنة على مسارح العمليات المختلفة. وأشار إلى وصول وحدة من قاعدة وادي سيدنا في أم درمان الى الخرطوم بحري، وتقدم وحدة ثانية من مدينة شندي في ولاية نهر النيل باتجاه مصفاة الجيلي، بالتوازي مع تحرك ثالث لكتيبة قادمة من منطقة الحلفايا باتجاه المصفاة.

بينما توجه الجيش القادم من أم درمان إلى سلاح الإشارة بعد تجاوز مواقع إستراتيجية للدعم السريع وفتح الطريق مباشرة إلى القيادة العامة للجيش وسط الخرطوم، حسب المصدر ذاته.

وأعلن المتحدث باسم القوات المسلحة، نبيل عبد الله، في بيان الجمعة أن "الجيش أكمل المرحلة الثانية من عملياته، بالتقاء قوات محور الخرطوم بحري مع تلك المرابطة في القيادة العامة".

إعلان

وفتح فكّ الحصار عن القيادة الباب أمام إمكانية إدخال المؤن العسكرية والغذائية لمئات الجنود والضباط المحاصرين داخلها لقرابة العامين. وكانوا قد اعتمدوا طوال الفترة الماضية على عمليات الإسقاط الجوي التي كانت تتم بالطيران الحربي للسلاح والمعينات الغذائية وغيرها، وفقا لجندي تحدث للجزيرة نت من داخل القيادة.

يمثل فك الحصار عن القيادة العامة تحولا إستراتيجيا في ميدان المعركة، حسب خبراء (وكالة الأنباء السودانية) تحول إستراتيجي

ويمثل فك الحصار عن القيادة العامة من وجهة نظر الخبير في الشؤون العسكرية أسامة عيدروس "تحولا إستراتيجيا كبيرا في ميدان المعركة".

ويقول، للجزيرة نت، إنه يمكن الآن بسهولة "تطهير الخرطوم من جيوب التمرد المعزولة عن بعضها"، ووصل خطوط الإمداد للجيش ونقل العمليات بالكامل غربا.

وبعدها، يضيف الخبير ذاته، يمكن للمتحركات الأخرى أن تفك الحصار عن الأبيض في ولاية شمال كردفان، وتحويلها إلى قاعدة عسكرية جديدة يتم من خلالها شن معركة تحرير مدن الضعين في ولاية شرق دارفور، وزالنجي والجنينة ونيالا في ولايات وسط وغرب وجنوب دارفور، على التوالي، بالإضافة إلى فك الحصار عن الفاشر شمال دارفور.

وهذه التطورات تعني فعليا أن نهاية التمرد بدأت في العد التنازلي، حتى إنه بات مهيأ للهزيمة وانكشفت كل تحركاته، من وجهة نظر عيدروس. 

ويشير، المتحدث ذاته، في هذا الخصوص، إلى ما قال إنها "عمليات جريئة" قامت بها القوات المشتركة في صحراء شمال دارفور، وتدمير قاعدة الزرق، وإغلاق خط الإمداد في المثلث الحدودي بين السودان وتشاد وليبيا. بما يؤكد، حسب المصدر ذاته، أن الدعم السريع ليس لديها جديد تفاجئ به الجيش الذي استعاد كل قواته وأصبح جاهزا للتقدم وتحرير بقية السودان.

ضربة قاصمة

ويقول فتح العليم الشوبلي قائد العمل الخاص بولاية سنار، للجزيرة نت، إن التحام جيوش أم درمان وبحري، وفك الحصار عن القيادة العامة يمثل أهمية فائقة بالنظر لرمزية القيادة. وإنه بفك الحصار عنها تكون "أوهام المليشيا بإسقاطها والسيطرة عليها قد تبخرت" وفق تعبيره.

إعلان

ويفتح هذا التطور، كما يقول الشوبلي، الطريق أمام قوات بحري وسلاح الإشارة والقيادة نفسها للتقدم نحو جنوب غرب الخرطوم للالتحام مع قوات سلاح المدرعات، وجنوب شرق الخرطوم "لتطهير ما تبقى من جيوب تسيطر عليها المليشيا بمناطق بري والرياض والمنشية وغيرها".

ويمثل فك الحصار وفقا للقائد العسكري، عن القيادة أيضا "ضربة قاصمة للمرتزقة" لأنها ستكون مركز السيطرة وحلقة الوصل بين كل القوات بمنطقة الخرطوم. ويتابع الشوبلي: يفتح فك الحصار كذلك نافذة للقوات المسلحة لتحرير المناطق الواقعة غرب القيادة والالتقاء بالقوات في منطقة المقرن والتوغل أكثر جنوب شرق الخرطوم للسيطرة على كبري المنشية من الناحية الغربية، لقطع الطريق أمام أي إمداد قادم للدعم السريع من جهة شرق النيل وتأمين جنوب شرق الخرطوم بالاشتراك مع قوات سلاح المدرعات.

ويؤكد الشوبلي أن معركة فك الحصار عن القيادة العامة ستكون حاسمة للصراع العسكري بالخرطوم باعتبار أن تقدم القوات في المعركة وتحرير ما تبقى من مناطق داخل الخرطوم سيعملان على حسم كافة الموازين بالمناطق الأخرى خاصة الفتيحاب في أم درمان والكلاكلة وجبل أولياء جنوب الخرطوم. كما سيعيد رسم الخارطة العسكرية التي من شأنها تقليص نفوذ الدعم السريع في كامل ولاية الخرطوم.

رئيس مجلس السيادة يتفقد الخطوط الأمامية (وكالة الانباء السودانية) تحركات مدروسة

أما الخبير العسكري معتصم عبد القادر، فيرى أن فك الحصار عن القيادة العامة وسلاح الإشارة يأتي ضمن سلسلة تحركات القوات المسلحة منذ نهاية سبتمبر/أيلول 2024، وعبورها الجسور من أم درمان إلى الخرطوم وبحري، وهزيمة الدعم السريع في ولايات سنار والجزيرة وجنوب ولاية نهر النيل، بما يعني، وفقه، أن الخطة الهجومية تسير وفقا لما كان مخططا، وأنه تبقى القليل في ولاية الخرطوم وشمال الجزيرة.

إعلان

ويوضح في حديثه للجزيرة نت، أن قوات الدعم السريع كانت قبل الحرب منتشرة في كافة المواقع الإستراتيجية وحول ولاية الخرطوم وغالب الولايات، وهذا أتاح لها الاستيلاء على مواقع عسكرية ومحاصرة أخرى.

ويشير إلى أن الجيش تعامل، في بداية الحرب، بخطة دفاعية تركزت في المحافظة على المواقع الرمزية والحاكمة من أجل القيادة والسيطرة، مثل القيادة العامة وسلاح المدرعات وسلاح المهندسين والإشارة وسلاح الأسلحة وغيرها، واتخذ منها نقاطا للانطلاق في المراحل اللاحقة من الحرب.

ويضيف معتصم عبد القادر، أن الجيش استخدم الطيران في أعمال منتقاة، مثل الهجوم على مقر قيادة وسيطرة الدعم السريع، وسط الخرطوم، وتدميره، وهذا أفقد التمرد القدرة على الاتصال في الأشهر الأولى للحرب.

وعكفت القوات المسلحة بعدها، يتابع الخبير العسكري، على وضع الخطط الإستراتيجية والتفريعات التكتيكية للقضاء على التمرد، ومن بعد ذلك إعداد وتدريب وتجهيز القوة البشرية والمادية، وفقا لتسلسل زمني مرن يتماشى مع مخرجات الواقع الميداني.

ويتضح من سير المعارك والتهاوي السريع للتمرد كما يقول الخبير العسكري فقدانه للقيادة والسيطرة وغياب الخطط الحربية الملائمة، مما يعجل بانحساره وعودة الدولة والمواطن لممارسة حياته الطبيعية.

وردا على حالة القلق التي يمكن أن تفرزها حرب المسيرات التي تشنها الدعم السريع على المرافق الحيوية في الولايات الآمنة، قال الخبير إنه بعد فك حصار القيادة وسلاح الإشارة والدخول للمصفاة، تراجعت وتيرة إطلاق المسيرات على المرافق المدنية لتقهقر المليشيا وهروبها من مناطق الإطلاق لمناطق أكثر أمنا.

ويضيف: "كلما توسعت دائرة انتشار القوات المسلحة تم القضاء على المسيرات… كذلك فإن تكثيف المضادات والتشويش يساهم في الحد منها".

موقف الدعم السريع

التزمت قيادة الدعم السريع الصمت حيال هذه التطورات خاصة بعد دخول الجيش مقر القيادة العامة والإعلان عن فك حصارها، وذلك بعد أن شكك متحدثها الرسمي، في الأنباء التي تواترت صباح الجمعة، عن التحام قوات سلاح الإشارة بتلك القادمة من أم درمان. وقال، في بيان، إن الصور ومقاطع الفيديو المتداولة في هذا الخصوص "مفبركة".

بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة الى الاشاوس في جميع الجبهات
تحية طيبة مباركة

اليوم هو الخامس والعشرون من يناير ٢٠٢٥م والحرب وصلت لما يقارب العامين، خلال هذه الفترة حقق أشاوس قواتنا الابطال انتصارات عظيمة مقدمين أرواحهم رخيصة فداءً للقضية التي أمنوا بها ولا زالوا يقاتلون من أجلها… pic.twitter.com/P58Klk5BAt

— عمر جبريل - Omer Gibril (@OmerGibril) January 25, 2025

إعلان

وعلى منصة إكس كتب عمر جبريل، وهو أحد قادة الدعم السريع الناشطين إعلاميا، ما يشبه الاعتراف بالهزيمة قائلا "إن الحرب نصر وهزيمة يوم ليك ويوم عليك ومن يفرح بالنصر عليه أن يتقبل الهزيمة ويراجع أسبابها ويشحذ الهمة لتحقيق نصر جديد".

واعتبر "ما يحدث الآن في الميدان هو من عند الله ومن عند أنفسنا كما هو أيضا جزء من الحرب ومن سيناريوهاتها المعهودة منذ قديم الزمان".

وتحدث عن ضرورة الانتباه لمن قال إنهم أعداء موجودون داخل صفوف الدعم السريع الذين قال إنهم يبثون الإحباط ويخذلون الجنود في الميدان ويشككون في القيادة، مردفا: "هؤلاء يجب أن نحاربهم أولا قبل مقاتلة العدو".

 

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات القوات المسلحة سلاح الإشارة الدعم السریع الخرطوم بحری للجزیرة نت أم درمان فی ولایة

إقرأ أيضاً:

منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان

يكافح النازحون السودانيون يوميا لتأمين احتياجاتهم الأساسية، فيما لا يتمكن  برنامج الأغذية العالمي  من سد احتياجات سوى 50% من المحتاجين، بينما تحذر منظمات الأمم المتحدة من النقص الحاد في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

ووفقا لمداخلة مراسل الجزيرة أسامة سيد أحمد فإن مئات الآلاف من النازحين في مخيمات السودان يعيشون أوضاعا إنسانية "مأساوية"، وسط نقص حاد في مياه الشرب والغذاء والدواء، موضحا أن استمرار تدفق النازحين من مناطق القتال على المخيمات المكتظة أصلا يزيد الوضع سوءا.

وأشار إلى أن النازحين يعانون من نقص حاد في كل مقومات الحياة، خاصة مياه الشرب النقية التي تفتقر إليها كل المخيمات، رغم استمرار تحذيرات المنظمات الإنسانية والأممية من تفاقم الأوضاع.

وتطرق سيد أحمد إلى تقرير غرفة الطوارئ في منطقة طينة – المتاخمة للحدود التشادية – الذي يؤكد أن عشرات الآلاف من النازحين يتعرضون لأزمات إنسانية متلاحقة، بينما لا تتمكن المنطقة من توفير أكثر من 200 برميل فقط من مياه الشرب الصالحة، وهو رقم لا يلبي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات اليومية للنازحين.

عجز برنامج الأغذية العالمي

ومن جهته، أعلن برنامج الأغذية العالمي عن عجزه عن توفير الغذاء إلا لنحو 50% من المحتاجين، بسبب تراجع الدعم الدولي وتزايد أعداد النازحين.

ويعكس هذا الرقم – وفقا لسيد أحمد – كارثة إنسانية تلوح في الأفق، حيث يتضاعف عدد الجائعين في مخيمات السودان مع استمرار الحرب وتدفق النازحين من جبهات القتال في عدة ولايات.

ويضيف مراسل الجزيرة أن الحرب في السودان تسببت في نزوح 9 ملايين شخص داخليا، وتدفق مليونين آخرين إلى دول الجوار، مما يجعل الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، كما وصفتها منظمات دولية.

ويخلص سيد أحمد إلى أن المجتمع الدولي يواجه اختبارا حقيقيا في التزامه بمعايير حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وأن غياب الاستجابة الدولية الفاعلة لهذه الأزمة يهدد بتحويل الوضع إلى مأساة إنسانية لا تحمد عقباها، خاصة مع تعثر جهود الوساطة واستمرار الحرب التي تزيد من معاناة المدنيين وتعمق جراح السودان.

عودة طوعية

وفي إطار الجهود المبذولة لإعادة بعض النازحين إلى قراهم التي هربوا منها، تمكنت نحو 5 آلاف أسرة من مغادرة مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان – في منتصف الشهر الحالي – والعودة إلى ديارهم رغم وصول نازحين جدد فروا من بيوتهم بسبب المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

إعلان

ووفقا لمسؤول تحدث للجزيرة، فقد عاد نحو 80 ألفا إلى المدينة من أصل 100 ألف غادروها إبان هجوم الدعم السريع عليها عام 2024، فيما يترقب آخرون بحذر العودة إلى مدينتي قيسان والكرمك بعد إعلان الجيش مؤخرا استعادة السيطرة عليهما.

لكن آخرين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، ولا يزالون عالقين في مخيم الكرامة بالدمازين التي قالت مفوضة العون الإنساني بإقليم النيل الأزرق قسمة عبد الكريم للجزيرة، إنها لا تزال تستقبل نازحين جددا.

ويشهد السودان وضعا صحيا حرجا يتفاقم يوما بعد يوم، إذ تشير التقارير الأممية إلى حاجة نحو 30 مليون سوداني إلى المساعدة الصحية العاجلة، في وقت تواجه فيه المنظمات صعوبة في الوصول الإنساني ونقصا في التمويل.

مقالات مشابهة

  • محمود لملوم: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى يوليو خارطة طريق للجمهورية الجديدة
  • الجيش الأمريكي: غيرنا مسار 12 سفينة تجارية منذ استئناف الحصار البحري على إيران
  • المسلاتي: أي تسوية سياسية لن تنجح إلا إذا انطلقت من ثوابت القيادة العامة
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • تأييدًا لقرارات القيادة اليمنية.. مسيرة جماهيرية حاشدة في تعز تطالب بفك الحصار واستكمال التحرير
  • من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي
  • انفو…| خارطة أدوات الحرب الناعمة ومجالات الاستهداف