مؤيد الزعبي

من أكثر الأمور المُحيِّرة؛ من سيسيطر على الآخر: الذكاء الاصطناعي أم السياسة؟ وماذا لو سيطر الذكاء الاصطناعي على السياسة؟ وماذا لو سيطرت السياسة على الذكاء الاصطناعي؟ ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أنني قد أميل قليلًا إلى فكرة أن يسيطر الذكاء الاصطناعي على السياسة بدلًا من العكس، فبوجهة نظري التي قد لا تُعجب البعض، أعتقد أنني أثق في الذكاء الاصطناعي "الخالص" ولا أثق في تطويع الذكاء الاصطناعي لخدمة الأغراض السياسية، ففي النهاية عندما يفهم الذكاء الاصطناعي فهمًا عميقًا لما نحتاجه كبشر، سيختار أن ننعم بحياة جميلة، بينما السياسة دائمًا ما ستفضل جانبًا أو مجموعة على حساب مجموعة أخرى.

بالنسبة لي، ليس مهمًا أن أجيب على تساؤل "من سيسيطر في المستقبل؛ الذكاء الاصطناعي أم السياسة؟" بقدر ما أن معرفة الإجابة الأهم هي: في حال سيطر أحدهما على الآخر، كيف سيكون شكل الحياة على كوكبنا؟ وفي حال تم توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة أجندات سياسية، فلِك أن تتخيل كيف سيبتكر هذا المارد طرقًا عسكرية وإقصائية لتفوز بها على منافسيك، حينها لا تقل لي بأننا كبشر ابتكرنا قنبلة ذرية لنفوز بمعاركنا، فما سيخترعه لنا الذكاء الاصطناعي أقوى بكثير من ذلك. فهو قادر على توظيف ذكائه لكي يُبِيدَنا وينهي وجودنا، وسيبتكر لنا كل يوم سلاحًا جديدًا، سواء كان بيولوجيًا أو ذريًا أو حتى فضائيًا. فالحدود غير معروفة أمام ذكاء سيفكر في كل الاحتمالات وكل القدرات ليخلق لك ما هو أكثر فتكًا ومرعبًا. وفي كل مرة يبتكر شيئًا مرعبًا، سيطور من قدراته ليجد لك ما هو أكثر مرعبا وأكثر دمارًا.

قد يقول البعض إن السياسة ستسيطر على الذكاء الاصطناعي، وهذا أمر محتوم، ولنا في السياسة تجارب كثيرة في تطويع كل ما بحوزتها لخدمة مصالحها؛ لكن ماذا لو قلت لك أننا الآن أمام لعبة مغايرة؛ لعبة الذكاء فيها ليس ذكاء بشري؛ بل ذكاء اصطناعي. وطالما أن هذا الذكاء ليس مرتبطًا بعواطف أو ميول أو اتجاه معين، فبكل تأكيد سيختار ما هو مناسب لنا جميعًا. ولكن الذكاء البشري دائمًا ما يكون منحازًا لفكرة أن هناك من هم أفضل من الآخرين، هناك مجموعة تستحق ما لا يستحقه الآخرون، وهناك جنس معين أفضل من الجميع، وهناك مصلحة عليا تقتضي أن نتخلص من فئة على حساب فئة أخرى. وهناك بالطبع غاية تسير وفق نظرية المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي نيكولو ميكافيلي: "الغاية تبرر الوسيلة".

نحن الآن مقبلون على مرحلة بات فيها الذكاء الاصطناعي قادرًا على مخاطبة ذكاء اصطناعي آخر، وعلى تطوير نفسه بنفسه أو برمجة نفسه بنفسه. وطالما وصلنا إلى هنا، فلا أستبعد أن نجد الذكاء الاصطناعي سياسيًا صاحب سلطة حقيقية في قادم السنوات، خصوصًا وأن الأنظمة السياسية العالمية قد بدأت في إدخاله غرف الاجتماعات وأجلسته على طاولة المفاوضات. وفي قادم السنوات، سنجده يوقع على عرائض القرارات. ومهما طال هذا الوقت أو قصر، إلّا أننا سنصل إلى يوم تصبح فيه إدارة قضايانا السياسية في أيدي روبوتات وبرمجيات، حينها نحن أمام سيناريوهين اثنين؛ الأول أن تكون فيه السياسة قد سبقت الذكاء الاصطناعي بخطوة، وبرمجته أساسًا لخدمة مصالحها، والثاني أن يكون الذكاء الاصطناعي قد تخلص من الدائرة المفرغة التي أوجدها الإنسان منذ الخليقة، بأن يقتل ويستثني الآخر من أجل خدمة مصالحه.

قبل أن نخوض أكثر، يجب أن نعترف أننا كبشر امتهنا السياسة لعقود طويلة وأدركنا بأنها فن الممكن. ولكن في تطبيقنا لها، لم نتمكن من جعل الممكن حقيقة على أرض الواقع، وجعلناها إقصاء للآخر، وهذا ما نأمل أن يساعدنا الذكاء الاصطناعي على إعادة تعريف السياسة وتطبيقها بالشكل الصحيح الذي يخدم مسيرتنا البشرية. وأنا أعترف بقصورنا البشري في هذه النقطة، إلا أنني مدرك تمامًا أننا من الداخل نجتمع على أفكار متشابهة. وما ينقصنا هو تنظيم وترتيب وتقاسم هذه الأفكار لجعلها مناسبة للجميع. والذكاء الاصطناعي، البعيد عن عواطفنا وامتيازاتنا التي نريدها كبشر، سيستطيع تحقيق ذلك ويسعدنا في الوصول إلى مبتغانا.

السياسة ليست مفهومًا سلبيًا، ولا الذكاء الاصطناعي أداة إيجابية بالضرورة. إنما الحقيقة تقول إنه إذا أردنا كَبشرٍ أن نتوافق، يجب أن نستخدم أداة تمكننا من تطبيق مفاهيم السياسة على أرض الواقع. ولا يوجد ذكاء بشري قادر على أن يكون محايدًا فيفصل بين طموحاتنا ومخاوفنا الإنسانية، بينما الذكاء الاصطناعي قادر على معالجة هذا القصور. فإن مَكَّنَا الذكاء الاصطناعي من دراسة أحوال كوكبنا وشعوبنا، والسماح له باختيار ما يناسبنا جميعًا، فسيكون قراره الأول أن نتوقف عن قتال بعضنا البعض، فكل المناوشات والحروب والصراعات بكافة أشكالها وأنواعها ومستوياتها ما هي إلا استنزاف لقدراتنا وطاقاتنا البشرية.

النقطة التي أود أن نصل إليها أنا وأنت، عزيزي القارئ، تكمن في أننا كبشر قد فشلنا في احتواء الآخر، فشلنا في تقدير مصالحنا الخالصة كبشرية، وسعينا بشكل دؤوب لحماية مصالحنا الشخصية أو مصالح من نمثلهم أو نتحدث باسمهم، سواء كانوا جنسًا أو أجناسًا معينين. ومن أجل ذلك تقاتلنا وتضادت مصالحنا.

وفي المستقبل، لدينا فرصة لإصلاح كل هذا باستخدام ذكاء اصطناعي "خالص" يحدد ما نحن فعلًا نحتاجه، ويدير لنا مصالحنا ويشاركنا مصالح الآخرين، وعندما أقول "خالصًا"، فأقصد هنا أن يكون هذا الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن أجندات السياسيين وجيوب المستثمرين، حينها فقط ستتحقق المعادلة الأصعب رغم بساطتها: "رابح- رابح" والكل رابح.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

عجمان تدشن أول معاملة حكومية بلا واجهة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل

أنجزت حكومة عجمان، ممثلة في دائرة عجمان الرقمية، أول معاملة حكومية لتجديد رخصة تجارية على مستوى الدولة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، ضمن منظومة خدمات استباقية تعمل بلا واجهة، وفق بيان وكالة أنباء الإمارات "وام" اليوم الخميس.

المنظومة الجديدة نموذج للخدمات الحكومية التي لا تنتظر بحث المتعامل عنها، بل تتعرف على احتياجه وتجهز رحلة الخدمة وتطلب موافقته، ثم تنسق الخطوات مع الجهات الحكومية المعنية بأقل جهد ممكن منه، بحسب البيان.

وتركز المرحلة الأولى على خدمة تجديد الرخصة التجارية التابعة لدائرة التنمية الاقتصادية، إذ يُشعر المتعامل تلقائياً قبل انتهاء رخصته، ثم يُنقل مباشرة إلى الوكيل المساعد في التطبيق الموحد لحكومة عجمان "AjmanOne" لاستكمال التجديد. وتتكامل الخدمة مع دائرة البلدية والتخطيط في الحالات التي يرتبط فيها التجديد بصلاحية عقد الإيجار التجاري، فيُوجه المتعامل لتجديد العقد ثم تُستكمل رحلة الرخصة دون تنقل بين الجهات، فيما يبقى صاحب القرار في كل خطوة رئيسية.

الإنسان في قلب كل قرار

قال الشيخ عمار بن حميد النعيمي، ولي عهد عجمان رئيس المجلس التنفيذي، إن "الإنجاز يعكس التزام حكومة عجمان بترجمة رؤية القيادة إلى خدمات عملية تمس حياة الناس وتدعم مجتمع الأعمال"، مؤكداً أن "الذكاء الاصطناعي ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتسريع الخدمات ورفع جودة الحياة وبناء حكومة أكثر استباقية، ويكون الإنسان في قلب كل قرار وكل تجربة".

وأضاف أن "الإطلاق خطوة عملية ضمن برنامج عجمان للذكاء الاصطناعي وترجمة مباشرة لمبدأ (الإنسان أولاً)، ضمن إطار واضح للحوكمة والثقة والمساءلة وحماية البيانات".

تكامل حكومي

قال الشيخ أحمد بن حميد النعيمي، ممثل حاكم عجمان للشؤون الإدارية والمالية رئيس دائرة التنمية الاقتصادية، إن الخدمة خطوة مهمة في دعم بيئة الأعمال، فكلما كانت رحلة المستثمر أسهل وأسرع زادت قدرة الإمارة على تعزيز تنافسيتها وجاذبيتها الاقتصادية.

فيما أكد الشيخ راشد بن حميد النعيمي، رئيس دائرة البلدية والتخطيط، أن النموذج يعكس مستوى متقدماً من التكامل بين الجهات الحكومية بدمج تجديد عقد الإيجار عند الحاجة ضمن رحلة الرخصة التجارية. وقال الشيخ راشد بن عمار بن حميد النعيمي، رئيس دائرة عجمان الرقمية، إن الهدف الانتقال "من خدمات ينتظر فيها المتعامل حتى يبحث عنها، إلى خدمات تبادر إليه وتفهم احتياجه وتنسق الإجراءات في الخلفية".

وأكدت الدائرة أن نجاح الخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي الوكيل يرتكز على منظومة متكاملة تشمل الحوكمة وجودة البيانات والتكامل الآمن والرقابة المستمرة والإشراف البشري عند الحاجة، بما يدعم رؤية "عجمان 2030".

منظومة وطنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي

الإطلاق يتسق مع منظومة وطنية أعلنها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، في أبريل (نيسان) 2026، تستهدف تحويل 50% من قطاعات الحكومة وخدماتها وعملياتها لاعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ خلال عامين، وفق بيان المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات.

كما يندرج ضمن "استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031" المعتمدة عام 2019، التي تستهدف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الخدمات وتحليل البيانات بمعدل 100% بحلول 2031، علماً أن الإمارات أول دولة في العالم تعين وزير دولة للذكاء الاصطناعي عام 2017، وفق بيانات موقع مجلس الوزراء.

مقالات مشابهة

  • اترك هاتفك بالمنزل في المرة المقبلة التي تخرج فيها للمشي لهذا السبب
  • بأكثر من 2%.. تراجع مؤشر نيكي بفعل مخاوف الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
  • بيتكوين تحافظ على تداولها قرب 65 ألف دولار رغم تبخر 800 مليار دولار من أسهم الذكاء الاصطناعي
  • ماسك يتوقع تفوق الذكاء الاصطناعي على البشرية خلال عقد
  • ماذا لو فشل برشلونة في ضم ألفاريز؟.. الذكاء الاصطناعي يحدد 5 بدائل
  • الذكاء الاصطناعي يقود "نوكيا" إلى أرباح تفوق التوقعات
  • هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
  • عجمان تدشن أول معاملة حكومية بلا واجهة باستخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل
  • جامعة الدول العربية وملف الذكاء الاصطناعي
  • بنك إسرائيلي يتخلص من مدرائه بعد اعتماده على الذكاء الاصطناعي