لجريدة عمان:
2026-06-03@01:05:20 GMT

غزة .. أنقاض تصرخ بالحياة وكرامة شعب لا تنتهي!

تاريخ النشر: 26th, October 2025 GMT

في غزة، عندما يختلط الغبار بأنين الناجين من هول الحرب والموت وعذابهما، تصحو المدينة على صوت الركام قبل أن يظهر أول خيوط النهار عليها، وتكتب الحجارة فصلا جديدًا من حكايةٍ لم تنتهِ بعد، رغم ما جاء من تباشير سلام ظن الغزيوين أنها نهاية المأساة والمعاناة، فمن تحت الأنقاض تخرج الهمسات ثقيلةً كأنها تنهيدة الأرض، ومن بين الغيوم المتخمة بالدخان ترتفع الأصوات لتقول: إن غزة، رغم الألم، ما زالت على قيد الروح والحياة، هناك فقط، لا يعلو صوت فوق صوت الدمار، ولا رائحة تفوح غير رائحة البارود وفي العيون ضوء صغير لا ينطفئ.

. اسمه البقاء.

وجع العمر المهدور

«دمار، دمار لا يوصف» تقول علا كساب الأرملة وهي تمسك طرف وشاحها الممزق كأنها تحاول أن تضمَّ ما تبقّى من عمرها، تقف أمام بيتٍ صار رمادا بعد أن كان ملاذا من تعب الأيام، ورهق المعاش والحياة، وتتحدث عن آمال ضاعت فضلا عن أرواح قتلت، وكيف أن مدَّخر العمر صار ذكرى عابرة في رمادٍ لا ينتهي.

تضيف خلال حديثها لـ«عُمان»: «قصارانا في بناء دارنا، ودارنا قد سويت بالأرض»، تقولها هكذا كلمات وكأنها تحاكم السماء، لم يعد لها مأوى غير خيمة تنتظرها في العراء، ولا تدري كيف يقيمون بها وهم أسرة كبيرة، ولا سند سوى وجه الله «أنا أرملة، وليس لي أحد، فأين نذهب؟»، حرقة وألم وتسأل والدمع يسيل هطالا من عينيها، كان البيت عالمها، واليوم العالم كله صار خرابا.

الناجون من تحت الخراب

عمر أسامة، من حيّ الصبرة شرق غزة، لقد كتب الله له عمرا جديدا بعد أن أخرج محمولا على الأمل بعد أن ظنه الجميع شهيدا، يقول بصوتٍ واهنٍ ولكنه مفعم بالإيمان: «خرجت أسدا من تحت الحطام، وقالوا استُشهد، ولكن الله كتب لي عمرا جديدا» إذ لم يتبقَّ جدارٌ قائم في هذا الحي المنكوب.

يروي قصته بحزن شديد لـ«عُمان»: «كنت أنا وزوجتي وتسعة من أولادي، انهار السقف علينا، وانقطع النفس، لكن الله نجانا».

ثم يضيف: «الحمد لله على كل حال، إننا ما زلنا ثابتين، لا شيء يكسر عزيمتنا؛ لأن الغزي لا يُكسر، حتى لو دفنوه ألف مرة».

مدينة النزوح الذي لا ينتهي

في شوارع الزوايدة، تتكرر المشاهد نفسها. النساء يحملن بقايا الأثاث على أكتافهن، والأطفال يجرّون ألعابا بلا أذرع. تقول خلود عاشور سيدة خمسينية وهي تتكئ على عصاها: «نزحنا غير مرة، وذهبنا إلى البحر، وحطموا الخيام، فلا مأوى».

تصف النزوح وكأنه رحلة في داخل دائرة مغلقة؛ كل طريقٍ يؤدي إلى دمارٍ جديد. ولا عزاء لأحد «حاولنا؛ لكي نلقى مكانا آمنا، ولكن عبثا، الأرض كلها وجع وألم ومعاناة واحدة»، تقولها لـ«عُمان» وهي تحدق إلى الأفق كمن يبحث عن ملاذ في السماء.

وفي غزة لم يعد ثمة مكان يوصف بأنه مكان ويمكن وصفه بـ«المنزل»، بل سلسلة من الممارِّ المؤقتة، بيوت من خيام، وأحلام معلقة على خيط الرجاء. ولسان حالهم يقول: يا وجعي، ويا وجع الحياة حينما تكابدها المحن!!!.

الذاكرة المحروقة

البيوت التي كانت أحلاما صارت اليوم أطلالا. والشوارع التي ضجّت بالحياة صارت مقابر صامتة. هكذا كل شيء تغير في عزة. وتقول ابتسام سمير إحدى الناجيات: «صُدمنا إذ رجعنا بعد الهدنة، بل وجدنا الحياة معدومة. لم نصدق أعيننا. الدمار بكل زاوية».

في بيتها الذي صار كومة حجارة، تبحث عن ذكرى، عن صورة أو قطعة ثوب لطفل لم يعد. تقول: «صرنا نحفر بأيدينا في الحجارة، لعلنا نجد ما يذكرنا بما كنا عليه».

ذلك البحث العبثي عن شيءٍ من الماضي ليس إلا محاولة لإنقاذ الذاكرة من الموت، لأن الذاكرة في غزة هي آخر ما يمكن أن يُقصف. فهنا حياةٌ تولد من الرماد رغم كل شيء، الحياة في غزة لا تعرف الاستسلام. الأطفال يجمعون الحجارة ليصنعوا منها ملعبا، والنساء يزرعن فوق الركام نبتة نعناعٍ صغيرة كأنها إعلان تحدٍّ صامت.

يقول أشرف فاضل: «نزرع لأطفال غزة، نزرع لعجائزها، نزرع للغزيين العُزل، لأننا نؤمن أن البذرة تكسر الحديد»، ويثبت الله أهل غزة بالقول الثابت. هذا الإصرار على الحياة وسط الدمار هو المعجزة اليومية التي تجعل غزة تختلف عن أي مكان في العالم.

فيها الموت عابر، لكن الكرامة مقيمة بين الألم والإيمان. كل مشهدٍ في غزة يحكي تناقضا بين اليأس والرجاء. الناجون يحملون صور أحبّتهم تحت الردم، والعيون تمتلئ بالدموع، لكن الألسنة لا تكف عن قول: «الحمد لله».

«نحن الشهداء الأحياء»، يقول أشرف. ثم يضيف: «ونحن الأموات، لكن نسأل الله أن يصبرنا حتى نكمل طريقهم». في هذه الكلمات تلخيص لفلسفة الغزيين في مواجهة المستحيل؛ فهم لا يعيشون ليبقوا فقط، بل ليشهدوا أن الكرامة أغلى من السلام الزائف. إن ما يجري في غزة ليس حدثا محليا، بل اختبارٌ لأخلاق العالم، ولضمير أمة لطالما ادعت الانتماء إلى العدل.

كل قذيفة تسقط.. يسقط معها قناع الصمت

وفي كل مرة تنهض المدينة من تحت الركام، تذكر العالم بأن البقاء ليس مصادفة، بل إيمان متجذر في ترابٍ لم يعرف الخنوع.

«غزة ليست وحدها»، يؤكد مصعب أبو جزر ثم يضيف لـ«عُمان»: «كل من بقي له قلب، فهو فيها، يحيا بحياتها ويموت لأجلها، إنها غزة الأبية».

حين يصبح الصبر وطنا

غزة لا تموت لأنها لا تحيا بحرق البيوت ودمارها، وفي النهاية، لا يمكن عدها بعدد البيوت المهدمة، ولا بعدد الشهداء، بل بعدد القلوب التي ما زالت تنبض رغم الألم والخراب والدمار لأن كل زاوية من هذه المدينة تروي شهادة من دم وصبر وأمل لا يكسر.

في غزة، يتعلم الناس أن الحياة لا تمنح، بل تنتزع من بين أنياب المستحيل. قد تدك البيوت، ويسوى بها الأرض، وقد تضيع المدن، لكن الكرامة تبقى عنوانا ثابتا على بوابة البحر. هنا في قلب الدمار، ولدت الحياة مجددا.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: لـ ع مان من تحت فی غزة

إقرأ أيضاً:

من كتب الثانوية لـ"عجلة الديلفري".. إبراهيم يصارع الحياة لإعالة أسرته

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

المرحلة الثانوية عند أغلب الطلاب تعني دروسا وامتحانات وأحلام كلية، لكن عند "إبراهيم وليد"، 16 سنة، طالب بالصف الأول الثانوي بمحافظة بني سويف، المعادلة مختلفة، الظروف جبرته يشيل مسؤولية أكبر من سنة ويبدل الكتاب بمقبض الدراجة البخارية.

الدراجة لإعالة الأسرة

تعرض والد إبراهيم لأزمة صحية منعته من العمل،وتوقفت معها موارد الأسرة الوحيدة، وقتها وقف الابن قدام خيارين: يترك التعليم، أو يترك إخواته الصغار للظروف، لكن إبراهيم اختار الطريق الثالث، وقرر يكون هو المعيل الأساسي لأسرته،ونزل يشتغل عامل توصيل طلبات "ديلفري" بدراجته البخارية.

"اختار التعب على الذل" زي ما بيقول، من الصبح لآخر اليوم بيلف شوارع بني سويف يوصل أوردرات، ويرجع يذاكر عشان حلمه ما يضيعش، المشقة باينة في عينيه، لكن الإصرار باين أكتر.

رغم إنه لسه 16 سنة، إلا إن إبراهيم حمل على كاهله أعباء كثيرة، إشتغل قبل كده في مطاعم وصالات ألعاب رياضية، لحد ما استقر على شغل الديلفري عشان دخله،  بيشتغل يوميًا عشان يغطي مصروفاته الدراسية ويساعد أمه في مصاريف البيت والعلاج.
إبراهيم وجه رسالة شكر لكل أبناء بني سويف اللي تداولوا صورته على السوشيال ميديا برقم تليفونه، وخص بالشكر الشاب السويفي أيمن سلامة على تشجيعه ودعمه،متمنيا دعمه حتى يقدر على تحمل أعباء المعيشة لأسرته.

حلمه بسيط بس كبير: "نفسي أكسب رزق حلال كل يوم، لحد ما أوصل لحلمي وأبقى دكتور في يوم من الأيام".

إبراهيم هو الطفل بحكم السن، والراجل بحكم قراراته. نموذج بيقول إن المسؤولية مش بالعمر، وإن الشغل الحلال عمره ما كان عيب، حتى لو كان على حساب الراحة.

IMG-20260602-WA0012 IMG-20260602-WA0008 IMG-20260602-WA0009

مقالات مشابهة

  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • جائزة الشيخ خليفة للامتياز تنتهي من أعمال تقييم المشاركين بدورتها الـ 22
  • “الصحة ووقاية المجتمع” تنتهي من تنفيذ حملة “حج صحي وآمن” بالتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية
  • موعد صرف معاش تكافل وكرامة يونيو 2026
  • من كتب الثانوية لـ"عجلة الديلفري".. إبراهيم يصارع الحياة لإعالة أسرته
  • موعد صرف معاشات تكافل وكرامة يونيو 2026 | رابط وخطوات الاستعلام
  • الحرس الثوري يصعّد في بحر عُمان.. ترامب: مفاوضات إيران قد تنتهي باتفاق «خلال أيام»
  • الصحة ووقاية المجتمع تنتهي من تنفيذ حملة حج صحي وآمن بالتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية
  • الدفاع المدني اللبناني: انتشال 6 جثث من تحت أنقاض مبنى استُهدف جنوب لبنان
  • الكرملين: الحرب في أوكرانيا قد تنتهي فورًا إذا انسحبت قوات كييف من الدونباس