لجريدة عمان:
2024-06-15@02:09:56 GMT

مهمة الناقد

تاريخ النشر: 1st, May 2024 GMT

مهمة الناقد

الموضوع الرئيسي لعلم الجمال Aesthetics هو الخبرة الجمالية aesthetic experience، وهذه الخبرة تشمل ثلاثة مجالات رئيسية هي: خبرة المبدع للفن بما في ذلك الأدب، وخبرة المتلقي أو المتذوق للموضوع الجمالي في الفن (وكذلك في البيئات الطبيعية أو المشيَّدة)، وخبرة الناقد. فالخبرة الجمالية ينبغي أن تكون حاضرة في كل مجال أو مستوى من هذه المستويات الثلاثة، ولكنها في كل مستوى يكون لها خصائصها وشروطها.

مهمة الناقد هي تحسين الصلة بين المبدع والمتلقي، بهدف حسن فهم المتلقي للعمل الإبداعي على نحو أكثر عمقًا من خبرته الجمالية البسيطة والمباشرة التي ربما لا يكون قادرًا على وصفها وتحليلها، ومن هنا يأتي دور الناقد الذي يضيء دلالة العمل من خلال تشكيله الجمالي والعلاقات الكامنة بين أجزائه. غير أن الناقد لا يمكن أن يقوم بمهمته هذه ما لم يكن متسلحًا من قبل بالنظريات الجمالية التي يمكن أن تعِينه على قراءة العمل، والتي تنبع منها رؤيته النقدية، وتكون قدرة الناقد وجدارته هنا مرهونة بمدى خصوبة النظريات أو الاتجاهات الجمالية التي يلجأ إليها، وبمدى مرونتها وانفتاحها على الفهم والتأويل بمنأى عن النزعات الدوجماطيقية التي تسعى إلى تأطير النص أو العمل الفني من خلال أطر مسبقة. وعلى الرغم من أن هذا الشرط المعرفي بالنظريات الجمالية يعد شرطًا ضروريًّا لممارسة الناقد لمهمته النقدية، فإننا نلاحظ أن أغلب من يمارسون النقد في عالمنا العربي يمتهنونه؛ لأنهم يستبيحون ممارسته من دون علم أو معرفة، وهذا ما نجده عادةً في النقد الانطباعي الشائع في الكتابات النقدية في الصحف.

غير أننا ينبغي أن نلاحظ في الوقت ذاته أن هذا الشرط المعرفي ليس شرطًا كافيًا لممارسة النقد؛ لأن الناقد ينبغي أن يتمتع بذائقة جمالية. ولذلك فإن الناقد يمر أولًا بالخبرة الجمالية بالعمل بوصفه متلقيًّا، ولكنه في مرحلة تالية يقوم بإخضاع العمل للدرس والفحص والتحليل والتشريح من خلال خبرة أخرى يمكن أن نسميها «خبرة فوق-جمالية» (مع ملاحظة هنا أنني لا أسميها «خبرة لا جمالية»؛ ببساطة لأنها مؤسسة على خبرة جمالية تسبقها)، وتلك مهمة شاقة تستغرق وقتًا طويلًا؛ لأنها لا تكون وليدة انطباعات عابرة. ذلك أن النقد ليس وظيفة يمكن أن نحصل عليها من خلال الدراسة وحدها على أهميتها، تمامًا مثلما أن الإبداع ذاته ليس وظيفة: فليست هناك وظيفة يمكن أن نسميها «كاتب» أو«ناقد»؛ هذا إذا استبعدنا من أذهاننا صورة الكاتب الذي يكتب ليؤدي وظيفة ما، وصورة الناقد الذي يكتب عن كل ما يرد إليه من أعمال بصرف النظر عن قيمتها الفنية أو الأدبية. ولنقارن حال مثل هؤلاء النقاد بحال النقد الذي مارسه كبار الفلاسفة من أمثال مارتن هيدجر: لقد تناول هيدجر باستفاضة سبعة أبيات للشاعر الألماني شتيفان جيورجه في قصيدة بعنوان «الكلمة»، ليبين لنا قدرة الكلمة عند الشاعر على تسمية الأشياء والموجودات؛ كما تناول لوحة فان جوخ بعنوان «حذاء الفلاحة»، ليبين لنا قدرة الفنان على التعبير عن عالم الفلاَّحة من خلال بيان ارتباط هذا الحذاء بالأرض، أي بالتُربة. ولا شك في أن مقاربة هيدجر هنا كانت تنبع من رؤيته الفلسفية الخاصة للعالم والوجود، ولكن تناوله النقدي المحدود لأعمال بعينها قد أسس لتيار نقدي كبير في ثقافتنا المعاصرة. وهذا يعني أن الناقد الأصيل ينبغي أن ينتقي النصوص الأدبية والأعمال الفنية التي يتعاطف معها والتي يمكن أن تؤسس لرؤية نقدية، بدلًا من الكتابة عن كل ما يأتي إليه أو يُعرَض عليه، فيكتب عنه كما لو كان يؤدي وظيفة ينغي الوفاء بها.

ويظن بعض العوام، بل بعض النقاد أنفسهم، أن النقد يعني الانتقاد، من خلال إظهار نقاط القوة والضعف في العمل الإبداعي! وربما يصدق هذا على تقييم مذهب فلسفي أو مقال علمي، ولكنه لا يصدق على نقد عمل إبداعي فني أو أدبي؛ لأن العمل الإبداعي ينبغي أن يؤخذ على النحو الذي يكون عليه، وتكون مهمة الناقد هي حسن فهم هذا العمل وتأويله بحيث يمكن تقريبه إلى الخبرة الجمالية لدى المتلقي. ولهذا فإن الناقد ينبغي أن يكون على ألفة بالعمل، ومن ثم على تعاطف معه؛ أما إذا كان يفتقر إلى هذا التعاطف، فإنه ينبغي أن يدع هذا العمل جانبًا إلى ناقد غيره.

والحقيقة أن بعض النقاد- خاصةً في عالمنا العربي- يتصورون أن مهمة الناقد هي إصدار أحكام على العمل الإبداعي وكأن عمل الناقد يشبه تحقيق القاضي في واقعة ما، وهم بذلك يضعون أنفسهم في مكانة أعلى من مكانة الفنان أو المؤلف؛ في حين أن الناقد لا يكون ناقدًا بحق إلا إذا كانت فيه نفحة من الحس الجمالي الذي يكون لدى المبدع. ولهذا نرى بعض النقاد بدلًا من أن يعكفوا على دراسة العمل الفني أو النص الأدبي ذاته، نراهم يلجأون إلى التنقيب في حياة الفنان أو المؤلف من أجل تفسير شيء ما في العمل! وعلى هذا أقول: ليس من حق الناقد ولا من مهمته أن يفتش في ضمير الكاتب أو الفنان، ولا في أن يخلع معتقداته وتصوراته الخاصة على العمل من دون أن يكون لذلك أساس في العمل نفسه. وذلك قليل مما يمكن أن يُقَال عن مهام الناقد.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: أن الناقد ینبغی أن یمکن أن من خلال

إقرأ أيضاً:

رئيس الأركان يتفقد وحدات القوات المسلحة وقطاعات وزارة الدفاع المشاركة في مهمة الحج

تفقد رئيس هيئة الأركان العامة الفريق الأول الركن فياض بن حامد الرويلي، وحدات القوات المسلحة وقطاعات وزارة الدفاع المشاركة في مهام الحج لهذا العام ١٤٤٥هـ، وذلك بتوجيهٍ من صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع، للتأكد من جاهزيتها لتنفيذ مهامها في دعم الجهات الحكومية العاملة في الحج.

واستهل جولته بتفقد مفرزة القوات الجوية في مطار مشعر عرفات، وكان في استقباله مدير الأركان المشتركة للقوات المسلحة رئيس اللجنة الإشرافية لمشاركة وزارة الدفاع في موسم الحج اللواء الطيار الركن حامد بن رافع العمري، وقائد وحدات القوات المسلحة المشاركة في مهمة الحج اللواء الركن خالد بن سعيد الشيبة، وعدد من ضباط وحدات القوات المسلحة، حيث استمع معاليه إلى إيجاز عن المفرزة والمهام المناطة بها.

بعد ذلك، قام رئيس هيئة الأركان العامة، بزيارة مقر قيادة وحدات القوات المسلحة المشاركة في الحج، واستمع لإيجاز عن مهامها ومسؤولياتها في خدمة حجاج بيت الله الحرام، قبل أن يفتتح عددًا من مشاريع تأهيل مخيمات حملة الوزارة لمنسوبيها ولذوي الشهداء والمصابين السعوديين واليمنيين، بالإضافة إلى افتتاح مشروع تأهيل مخيمات حملة ضيوف الوزارة القادمين من أكثر من 20 دولة.

عقب ذلك، اطلع على البرامج الإرشادية والدينية التي تقدمها الإدارة العامة للشؤون الدينية للقوات المسلحة، بالإضافة إلى تفقده مشاركة الشرطة العسكرية المكلفة بمساندة قوى الأمن الداخلي في عملية إدارة الحشود، وتنظيم حركة الحجاج في ساحات الحرم المكي الشريف. وتضمنت جولة معالي رئيس هيئة الأركان العامة، زيارةً للمستشفى الميداني التابع للخدمات الصحية بوزارة الدفاع في مشعر عرفة، واطلع على تجهيزاته ومعداته الطبية المتطورة، حيث التقى خلالها بالكوادر الطبية والصحية بالمستشفى.

وشهدت جولته زيارة تفقدية لميدان قوة الواجب بالمغمس، حيث اطلع على سير العمل والمهام والخطط الأمنية الموكلة لهم.

ونقل في كلمته التي ألقاها بهذه المناسبة، تحيات وتقدير سمو وزير الدفاع للمشاركين في مهمة حج هذا العام ، مؤكدا أن أمن الحج والحجيج خط أحمر لا تهاون فيه، وأن القوات المسلحة المشاركة تأتي دعمًا للقوات العسكرية المعنية بأمن وسلامة الحجاج.

كما أكد أهمية وعظم الدور الذي تضطلع به المملكة لخدمة حجاج بيت الله الحرام، مشيدًا بالعمل الاحترافي الذي يقوم به منسوبو الوزارة بشكل خاص، والقطاعات الحكومية المشاركة بشكل عام، في ظل الاهتمام البالغ الذي توليه القيادة الرشيدة.

مقالات مشابهة

  • العمل الجماعي استحقاق عالمي
  • سارة حازم لأحد خطباء الجمعة: لماذا لا يكون محمد صلاح قدوة للشباب؟
  • إخماد حريق داخل محل فى الجمالية دون إصابات
  • حرقة في المعدة أم نوبة قلبية؟.. علامات ينبغي الحذر منها!
  • رئيس الأركان يتفقد وحدات القوات المسلحة وقطاعات وزارة الدفاع المشاركة في مهمة الحج
  • على حافة الغابة البدائية: الحلقة (24)
  • شروط اختيار أضحية العيد وحكم التشارك فيها - فيديو
  • شروط اختيار أضحية العيد وحكم التشارك فيها
  • هل يمكن لـ ChatGPT أن يكون شريكًا موثوقًا في رحلتك في عالم التداول؟
  • فتح باب التقدم لشغل وظيفة موجه عام العلوم العربية بأزهر سوهاج