لجريدة عمان:
2026-07-24@15:53:39 GMT

الصين وأمريكا- صراع دولي من أجل القوة والنفوذ

تاريخ النشر: 24th, September 2024 GMT

ترجمة: قاسم مكي

أحيانا تبدو السياسة الخارجية للولايات المتحدة وكأنها صورة مِرْآوية (نسخة طبق الأصل) للسياسة الخارجية الصينية. فالأمريكيون مهووسون باحتواء النفوذ الصيني والصينيون مهووسون باحتواء النفوذ الأمريكي. لكن التطابق بينهما ينتهي عندما يتعلق الأمر بالكيفـية التي يتم بها تنفـيذ هذه السياسات. فواشنطن وبكين تأتيان بقوى مختلفة لمعركتهما من أجل القوة والنفوذ.

نتيجة لذلك تتَّبعان استراتيجيات مختلفة.

القوة الفريدة التي تمتلكها الولايات المتحدة هي قدرتها العسكرية واستعدادها لتقديم ضمانات أمنية إلى حلفائها. فالولايات المتحدة لديها اتفاقيات دفاعية جماعية مع 56 بلدا حول العالم وتحديدا فـي أوروبا وآسيا والأمريكيتين. كما تقدم عونا عسكريا حاسما فـي أهميته لبلدان أخرى ليست حليفة بموجب معاهدات رسمية كإسرائيل وأوكرانيا.

الصين بالمقارنة لديها معاهدة دفاع مشتركة مع بلد واحد فقط هو كوريا الشمالية. وخلافا للولايات المتحدة لها أيضا نزاعات حول أراضٍ مع العديد من جيرانها. وهو وضع ينحو إلى الدفع بهم فـي اتجاه الولايات المتحدة.

لكن الصين هي التي تملك الأفضلية والميزة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الاقتصادية. فوفقا لحسابات معهد لوي الأسترالي هنالك حوالي 128 بلدا تزيد معاملاته التجارية مع الصين عن معاملاته مع الولايات المتحدة. وخلال العقد الماضي أنفقت الصين أكثر من تريليون دولار فـي أكثر من 140 بلدا على استثمارات البنية التحتية. وصارت بذلك أكبر بلد دائن فـي العالم وأكبر قوة تجارية فـي العالم. نتائج ذلك واضحة للعيان فـي كل أرجاء المعمورة سواء كانت خط سكة حديد عالي السرعة فـي إندونيسيا أو موانئ وجسور فـي إفريقيا أو طريقا عابرا للقارات يخترق آسيا الوسطي.

يمكن للبلدان الغربية الإشارة إلى عيوب مبادرة الحزام والطريق الصينية. وهي تفعل ذلك. فهذه البلدان تشير تحديدا إلى الديون الضخمة المُستحَقَّة للمقرِضين الصينيين التي تثقل كاهل بلدان مثل باكستان وسريلانكا وزامبيا. لكن بالنسبة للبلدان النامية التي تسعى إلى تحقيق تقدم اقتصادي سريع يظل العرض الصيني جذابا.

فكما أبلغ دانييل رندي وهو مسؤول سابق بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الكونجرس هذا العام بأن «الصين بداية بتحديد المشروع وإلى التوقيع عليه والشروع فـي تنفـيذه وإكماله أسرع وأرخص كثيرا من الولايات المتحدة فـي كل مرحلة من هذه المراحل تقريبا.»

تحاول الولايات المتحدة الحدَّ من تمدد الصين. ففـي العام الماضي وقَّع بنك التصدير والاستيراد الأمريكي اتفاقية لتمويل مشروعات نقل وطاقة بأكثر من بليون دولار فـي أنجولا. لكن مع اتساع عجز الموازنة الأمريكية وعدم تضمين اتفاقيات تجارية جديدة فـي أجندة مداولات الكونجرس سيستحيل على أمريكا منافسة الصين فـي عروضها الاقتصادية.

بدلا عن ذلك يركِّز الأمريكيون على أفضل ما يجيدونه. فنظرا إلى أن إدارة بايدن تسعى لاحتواء القوة الصينية فـي منطقة المحيطين الهندي والصيني عززت الولايات المتحدة روابطها المتعلقة بالأمن الإقليمي «وسجلت أهدافا كثيرة،» بحسب عبارة أحد كبار المسؤولين. وخلال سنوات بايدن يمكن للولايات المتحدة الإشارة إلى تقوية المعاهدة الأمنية اليابانية الأمريكية وتدشين معاهدة «أوكوس» الأمنية مع استراليا وبريطانيا وتمتين الروابط الأمنية مع الفلبين والهند والتقارب بين حليفتين رئيسيتين للولايات المتحدة هما كوريا الجنوبية واليابان.

لكن استراتيجية الولايات المتحدة المرتكزة على الأمن من أجل بسط نفوذها ربما تصل الى حدودها القصوى. فالصين حاليا تستعرض عضلاتها فـي بحر الصين الجنوبي. وتهدد الصداماتُ العنيفة بين السفن الصينية والفلبينية باختبار صلابة تعهدات واشنطن الأمنية.

وفـي مسعى لاحتواء النفوذ الصيني فـي الشرق الأوسط تفكر الولايات المتحدة فـي تأمين اتفاقية سلام إقليمية وأيضا تقديم ضمانات إقليمية. لكن مثل هذا التحرك إشكالي فـي واشنطن. كما سيعني مزيدا من العبء على القوات الأمريكية المُثقَلة سلفا بالتزاماتها فـي أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي.

لكن مع بلوغ الولايات المتحدة حدود دبلوماسيتها المرتكزة على الأمن، تدخل استراتيجية الصين المرتكزة على التجارة والاستثمار فـي متاعب أيضا. فجهود الرئيس الصيني شي لإحياء الاقتصاد المحلي من خلال الاتجاه مجددا إلى التصدير تثير قلق بلدان نامية عديدة تخشى من تقويض صناعاتها المحلية. لقد زادت مؤخرا كل من إندونيسيا والمكسيك والبرازيل والهند وشيلي رسومها الجمركية على السلع الصينية. وهذا يؤكد ما يدعوه المؤلف جيمس كرابتري «المعضلة الإستراتيجية الكبرى للصين.» فهو يرى أن السياسات التي صاغتها الصين لإنعاش اقتصادها المحلي «تهدد بنسف روابطها مع جنوب العالم».

صحيح، الدعمُ الأمريكي لإسرائيل أضرَّ بالولايات المتحدة فـي جنوب العالم وخصوصا فـي البلدان المسلمة. لكن الصين دفعت ثمنا باهظا من سمعتها فـي أوروبا لموقفها المنحاز فـي حرب أوكرانيا.

التنافس بين الولايات المتحدة والصين ليس سيئا كله لأطراف عديدة أخرى. فبلدان مثل جنوب إفريقيا والفلبين والبرازيل تشعر بامتلاكها مزيدا من الحرية لتحدي واشنطن أو بكين فـي عالم ثنائي القطبية.

لكن حتى بالنسبة للبلدان غير المنحازة هنالك جوانب سلبية كبيرة للتنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين.

فالحمائية وانشطار اقتصاد العالم سيضرُّ فـي نهاية المطاف بالنمو الاقتصادي لأي بلد. وانطلاق سباق تسلح جديد يشكل إهدارا للموارد ويزيد من خطر نشوب حرب كارثية.

أيضا التنافس بين الصين والولايات المتحدة يُضعِف من احتمال تعاون البلدين لمواجهة التحديات العالمية التي تهدد كل أحد مثل الذكاء الاصطناعي غير المنظَّم والاحترار المنفلت لكوكب الأرض. واقع الحال، الاحتفاء بحرب باردة جديدة شطَطٌ كبير وتجاوزٌ للحدّ.

جيديون راكمان كبير معلقي الشؤون الخارجية بصحيفة الفاينانشال تايمز.

ترجمة خاصة لـ عُمان

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: للولایات المتحدة الولایات المتحدة

إقرأ أيضاً:

ترامب يفرض رسومًا جمركية جديدة على 60 دولة.. الصين والاتحاد الأوروبي ضمن القائمة

أعلنت الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية جديدة على 60 شريكًا تجاريًا، بحجة التصدي لمخاوف مرتبطة بالعمل القسري، لتدخل هذه الإجراءات حيز التنفيذ الجمعة بدلًا من تعرفات سابقة فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وانتهت صلاحيتها.

وتتراوح الرسوم الجديدة بين 10% و12.5%، وتشمل اقتصادات كبرى من بينها الصين والهند والاتحاد الأوروبي، في خطوة جديدة ضمن سياسة واشنطن التجارية خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقال الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير إن “الولايات المتحدة تفرض منذ نحو قرن حظرًا على استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري وتنفذه بصرامة، وحان الوقت الآن كي يحذو شركاؤنا التجاريون حذونا”.

وجاء القرار بعد تحرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحفاظ على سياستها الجمركية، عقب قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي ألغى جزءًا كبيرًا من الرسوم التي فرضها ترامب سابقًا، معتبرة أن استخدامه للقانون لتبرير تلك الإجراءات تجاوز الصلاحيات الممنوحة له.

وبعد ذلك القرار، لجأت إدارة ترامب إلى فرض رسوم مؤقتة بنسبة 10% استنادًا إلى قانون آخر يسمح بفرض هذه الرسوم الإضافية لمدة تصل إلى 150 يومًا، قبل أن تنتهي صلاحيتها الجمعة.

وتدخل الآن حزمة الرسوم البديلة التي طُرحت للمرة الأولى في يونيو، والتي ترى الإدارة الأمريكية أنها أكثر قدرة على الصمود أمام الطعون القانونية.

وبموجب القرار الجديد، تخضع الدول التي طبقت حظرًا على استيراد السلع المنتجة بالعمل القسري، أو التزمت بهذه الإجراءات، للمعدل الأقل من الرسوم البالغ 10%، وتشمل هذه الفئة كندا والاتحاد الأوروبي والهند والمملكة المتحدة.

أما الصين واليابان وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأخرى، فتخضع للرسوم الأعلى البالغة 12.5%.

وحصل الاتحاد الأوروبي وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا على إجراءات مخففة، بما يتماشى مع الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها هذه الدول سابقًا مع الولايات المتحدة.

وأعربت الحكومة اليابانية عن “أسفها لفرض هذا الإجراء”، وفق ما قال المتحدث باسم الحكومة مينورو كيهارا.

كما وصف وزير التجارة الأسترالي دون فاريل الرسوم الأمريكية الجديدة بأنها “غير مبررة وتتعارض مع اتفاقية التجارة الحرة التي أبرمناها، ويجب إلغاؤها”.

من جهته، انتقد رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون الرسوم، واصفًا إياها بأنها “مخيبة للآمال”، وقال عبر منصة “إكس” إن الولايات المتحدة لم تقدم “أدلة جوهرية تدعم المزاعم المتعلقة بالعمل القسري”.

وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادفة إلى إعادة صياغة العلاقات التجارية مع شركاء الولايات المتحدة عبر استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط اقتصادي.

مقالات مشابهة

  • خبير : الموقف المصري يعزز فرص العودة إلى الدبلوماسية بين أمريكا وإيران
  • حرب الرقائق تشعل سباق الذكاء الاصطناعي بين الصين وأمريكا
  • ترامب يفرض رسومًا جمركية جديدة على 60 دولة.. الصين والاتحاد الأوروبي ضمن القائمة
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
  • عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
  • الأمين العام للأمم المتحدة: الشرق الأوسط ينجرف بعمق نحو صراع أكثر اتساعًا
  • الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟
  • اجتماع دولي في نيروبي لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة