قبل خطوة الدوحة الأخيرة.. تاريخ علاقة قطر مع حماس
تاريخ النشر: 9th, November 2024 GMT
انسحبت قطر من دور الوسيط الرئيسي في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة والإفراج عن الرهائن، وأبلغت حماس أن مكتبها في الدوحة "لم يعد يخدم الغرض منه"، وفق ما قالت مصادر لرويترز وفرانس برس السبت.
وتضم الإمارة الخليجية الغنية بالغاز وحليفة الولايات المتحدة المكتب السياسي لحماس منذ أكثر من عشرة أعوام، فضلا عن كونها مقر إقامة الرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية الذي قتل في 31 يوليو في هجوم في طهران نسب إلى إسرائيل.
يعود تاريخ مكتب حماس بالدوحة إلى 2012، بعدما توترت علاقات الحركة بالنظام السوري حيث قررت حماس بعد ذلك الوقوف إلى جانب المعارضة السورية وقطع العلاقات مع نظام بشار الأسد خلال الثورة السورية.
الدوحة بديلا عن دمشقوكان مقر الحركة في العاصمة السورية، دمشق، قبل 2012، لكن النظام السوري أغلق مكاتب في دمشق عائدة لمسؤولين في حركة حماس التي كانت لفترة طويلة من أقرب حلفائه.
في خريف عام 2012 زار أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، قطاع غزة ليكون أول زعيم عربي أو دولي يزوره منذ سيطرة حركة حماس عليه في 2007، وشهدت تلك الفترة تزايدا كبيرا في نفوذ قطر بالمنطقة.
وكانت حماس بالفعل قبل ذلك قد أنشأت مكتبا سياسيا في الدوحة، حيث أقام فيه كبار أعضاء الحركة هناك بشكل دائم، وما يزال يواصل عملياته إلى اليوم.
وكان مسؤول أوضح في بداية الحرب أن مكتب حماس في قطر "افتتح في 2012 بالتنسيق مع الحكومة الأميركية، إثر طلبها أن يكون لها قناة تواصل" مع الحركة.
وأضاف أن هذا المكتب اضطلع بدور "في وساطات تم تنسيقها مع العديد من الإدارات الاميركية لإرساء وضع مستقر في غزة وإسرائيل".
قناة تواصلوقال مسؤول قطري لصحيفة "فايننشال تايمز" تحدث دون الكشف عن هويته، إن واشنطن طلبت من الدوحة لأول مرة فتح قنوات غير مباشرة في عام 2006، بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
وأضاف المسؤول "تم استخدام المكتب السياسي لحماس بشكل متكرر في جهود الوساطة الرئيسية المنسقة مع إدارات أميركية متعددة لإرساء الاستقرار" في غزة وإسرائيل.
على مدى سنوات، قدمت قطر الدعم المالي لقطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس وتحاصره إسرائيل منذ 2007. وأكد مسؤولون في الدوحة أن ذلك يحصل "بالتنسيق الكامل مع إسرائيل والأمم المتحدة والولايات المتحدة".
خلال زيارته إلى قطر بعد نحو أسبوعين من هجوم السابع من أكتوبر، حذّر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الدولة الخليجية من علاقاتها الوثيقة مع حماس. وقال بلينكن في وقته إنه "لا يمكن أن تستمر الأمور كالمعتاد مع حماس".
إلا أن رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني دافع آنذاك عن مكتب الحركة، مشيرا إلى أنه يُستخدم لغرض "التواصل وإرساء السلام والهدوء في المنطقة".
تحتضن قطر على أراضيها القيادة السياسية لحركة حماس، منهم عضو المكتب السياسي والمتحدث باسم الحركة حسام بدران والقيادي الرفيع محمد أحمد عبد الدايم نصرالله.
وتحدثت تقارير أيضا أن الرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة خالد مشعل وعضوا المكتب موسى أبو مرزوق وفتحي حماد موجودون في قطر، وفقا لـمعهد دول الخليج العربي في واشنطن.
الخبير في شؤون الخليج في "كينغز كولدج" أندرياس كريغ قال سابقا إن الحرب بين حماس وإسرائيل، قد تدفع الدوحة إلى "التراجع" في علاقتها مع الحركة تحت ضغط أميركي.
وأضاف في مقابلة مع فرانس برس أن الدوحة قد تستمر في استضافة مكتب حماس لكنها تحتاج إلى تحديد "مسافة ما بين قيادة حماس وصناع القرار القطريين".
وأوضح كريغ أن المكتب السياسي لحماس في قطر أُنشئ في أعقاب انتفاضات الربيع العربي عام 2011 وسط مخاوف أميركية من احتمال أن تقيم الحركة قواعد في إيران أو لبنان.
ويرى أن من شأن طرد قادة حماس من الدوحة أن يخلق وضعا مماثلا ستفقد خلاله الدول الغربية "الرقابة والسيطرة عليهم".
بدورها ترى الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط سنام وكيل أن قطر ستقرر "بشكل واضح الأولوية" في علاقاتها، معتبرة أن علاقات القطريين و"استثمارهم في الروابط الثنائية مع واشنطن ستتفوّق على أي علاقات أخرى في المنطقة".
وتضيف "بالنسبة لواشنطن، من المفيد أيضا التفكير بأن أحد شركائها قادر على التواصل عبر القنوات الخلفية".
وتوقعت وكيل وهي نائبة مدير "برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في معهد "تشاتام هاوس" للأبحاث ومقره لندن، أن تقوم قطر "ببعض الخطوات" لإعادة تقييم علاقتها بحماس "ومع الوقت النأي بنفسها عن هذه العلاقة".
لكنها أشار ت إلى أن "الأمر سيتطلب، أن تكون لدى المجتمع الدولي والولايات المتحدة خطة لمعالجة مسألة تقرير الفلسطينيين مصيرهم".
وقادت قطر، قبل أن تنسحب، مع الولايات المتحدة ومصر وساطة بين إسرائيل وحماس منذ التوصل إلى هدنة وحيدة في الحرب في غزة في نوفمبر 2023، استمرت أسبوعا وأتاحت الإفراج عن رهائن كانوا محتجزين في القطاع مقابل معتقلين فلسطينيين لدى إسرائيل.
ومذاك، جرت جولات تفاوض عديدة من دون أن تسفر عن نتيجة.
المصدر
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: المکتب السیاسی مکتب حماس فی الدوحة فی غزة
إقرأ أيضاً:
أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية
الإسكندرية- لم يكن المصور المصري الشاب عبد العزيز بدوي يبحث عن أكثر من مساحة إضافية داخل استوديو التصوير العائلي العتيق في منطقة كوم الدكة بالإسكندرية، الذي ورثه عن جده المصور أحمد بدوي، حين قادته المصادفة إلى باب صغير يفضي إلى سرداب ظل مغلقا لعقود طويلة.
وما إن أزيحت الأتربة عن المكان حتى بدا المشهد أقرب إلى اكتشاف مقبرة فرعونية ظلت عصية على الزمن؛ لكن الكنز هذه المرة لم يكن من الذهب أو الجواهر، بل من الذاكرة نفسها.
في أعماق السرداب، عثر المصور الشاب على أكثر من نصف مليون صورة تركها جده الراحل، المصور أحمد بدوي، لتروي بصمت تاريخ مدينة كاملة؛ من وجوه سياسيين وفنانين ورياضيين، وشوارع وأحياء، وأفراح وأحزان، ولحظات انتصار وتحولات اجتماعية وثقافية كبرى، كلها محفوظة داخل آلاف الأظرف وأشرطة النسخ الأصلية (النيغاتيف)، تؤرخ للإسكندرية منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة.
وبينما كانت الصور تستعيد الحياة بعد سنوات طويلة من العتمة، وجد عبد العزيز ورفاقه أنفسهم أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن الاكتشاف ذاته، تمثلت في إنقاذ هذا الأرشيف النادر من الضياع، وتحويله إلى مشروع مفتوح يتيح للجميع الاطلاع على ذاكرة مدينة حُفظت لعقود تحت الأرض، قبل أن يقرر القدر أن ترى النور من جديد.
يقول المصور الثلاثيني عبد العزيز بدوي، خلال حديثه مع الجزيرة نت، إن زملاءه من المصورين كانوا يحرصون على زيارة الاستوديو الخاص بجده الراحل من أجل مشاهدة الكاميرات ذات الطرز القديمة والتصوير بها وسط هذه الأجواء التاريخية العتيقة.
وخلال إحدى المرات، قبل عامين تحديدا، قادهم الفضول إلى محاولة استكشاف بعض المقتنيات القديمة المهملة في إحدى زوايا الاستوديو، ليفاجؤوا بباب صغير يقودهم إلى سرداب أو غرفة أسفل الاستوديو، ليجدوا أنفسهم أمام كنز حقيقي من الذكريات واللقطات الفوتوغرافية لأحداث مهمة عاشتها عروس البحر الأبيض المتوسط.
إعلانيقول عبد العزيز "وجدنا أنفسنا أمام أكثر من 500 ألف صورة ونيغاتيف، كثير منها في حالة سيئة ويحتاج إلى ترميم"، يوضح المصور الشاب لحظة فتح السرداب رفقة صديقيه أحمد ناجي وحازم جودة، مضيفا "المفاجأة كانت كبيرة للغاية، والمشهد كان أقرب إلى فتح مقبرة فرعونية"، مشيرا إلى أن جده، الذي توفي عام 2013 وعانى قبل وفاته من مرض الزهايمر، لم يبلغه من قبل بوجود هذه الخبيئة.
وتعود ملكية الاستوديو إلى الجد أحمد بدوي، الذي أسسه بعد أن اشترى المكان من شخص إنجليزي كان يملك العقار وقتها ، قبل أن يغادر مصر لاحقا.
ويكشف المصور الحفيد عبد العزيز بدوي تفاصيل الكثير من محتويات تلك الصور، قائلا إنها تحوي صورا نادرة وفريدة من نوعها لكثير من الأحداث التي عاشتها الإسكندرية، ما بين أحداث سياسية كبرى، وانتصارات الأندية الرياضية بالمحافظة، مثل الاتحاد السكندري "زعيم الثغر" ونجومه التاريخيين، وفي مقدمتهم الكابتن "بوبو".
وكذلك صور نادي الأولمبي الذي كان أول فريق من خارج القاهرة يحصد الدوري المصري في موسم عام 1965، بالإضافة إلى صور للحياة اليومية والأعياد والمناسبات الشعبية للمسلمين والأقباط، وصور أخرى لروابط الطلاب الخليجيين الذين كانوا يدرسون في جامعة الإسكندرية.
لكن بدوي يقول إن "الموضوع مرهق للغاية، خاصة أن عدد الصور ضخم جدا، وتحتاج إلى مجهود خارق لترميمها"، مضيفا: "حتى الآن استطعنا معرفة هوية وتفاصيل بعض الصور والأحداث التي تؤرخ لها، وذلك فقط من الجزء الذي استكشفناه، حيث لا يزال هناك عدد هائل من الصور لم نتمكن من فتح الأظرف الموجودة بها، وأيضا الكثير من النيغاتيف الذي يحتاج إلى تحميضه وطباعته لمعرفة محتوياته".
ويشير بدوي الحفيد إلى أن من بين ما تم التعرف عليه صورة من زيارة الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف إلى الإسكندرية برفقة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، والتي جرت في مايو/أيار 1964 خلال تجولهما في سيارة مكشوفة، موضحا "يبدو أن جدي التقط تلك الصورة على عجل بينما كان يقف في شرفة الاستوديو أثناء مرور موكب الزعيمين عبد الناصر وخروتشوف".
صورة أخرى نادرة التقطها الجد أحمد بدوي، واختص بها المصور الشاب الجزيرة نت، تسجل لحظة الاستقبال الشعبي لأبطال الكتيبة 603 في محطة مصر بالإسكندرية يوم 17 فبراير/شباط 1974، والذين عُرفوا برجال الصمود بعد معركة شرسة خاضوها في مواجهة الجيش الإسرائيلي عند نقطة كبريت الحصينة بالقرب من السويس، حيث رفضوا الاستسلام بعد حصار خانق استمر لأكثر من 130 يوما، بادلوا خلالها العدو الهجمات رغم الحصار.
كما تم العثور على صور للجنازة الرمزية التي أقيمت للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الإسكندرية بالتزامن مع تشييع الجثمان في القاهرة، بالإضافة إلى صور لحفلات الغناء الخاصة بالفنانة أم كلثوم في الإسكندرية، والتي كانت تشهد حضورا كثيفا من رموز وأبناء المدينة.
إعلانوكذلك صور للمسارح الصيفية التي كانت تشهدها المحافظة، حيث التقط الجد أحمد بدوي صورا للفنان فريد شوقي خلال أحد العروض المسرحية، وكذلك للفنان محمد نجم.
كما توضح الصور الملتقطة من جانب الجد احتفالية أقامها طلاب خليجيون من قطر والكويت والإمارات، ضمن فعاليات كانوا يحرصون على إقامتها عبر لجنة للنشاط أسسوها خلال فترة دراستهم بجامعة الإسكندرية.
لا يفضل المصور الشاب عبد العزيز بدوي أن تعود الصور إلى الحبس مرة أخرى، أو أن تكون قاصرة فقط على أنشطة الباحثين أو الدارسين، إذ يتمنى أن تكون متاحة أمام الجميع لمشاهدتها عبر أنشطة شعبية. وربما كان هذا هو السبب الرئيسي الذي جعله غير متحمس لعرض قدمته إدارة مكتبة الإسكندرية للحصول على الصور ووضعها ضمن مشروع "ذاكرة مصر المعاصرة".
ويقول عبد العزيز "عقب ترميم بعض الصور بمجهود شخصي، قمت بمساعدة أصدقاء بإقامة معرض مفتوح في شوارع وأزقة منطقة كوم الدكة القديمة بالإسكندرية، حيث يوجد الاستوديو"، ويضيف "فوجئنا بعدها بتفاعل كبير مع المعرض من سكان الحي، الذين أخذوا يدققون في الصور على أمل التعرف على ذويهم وأجدادهم".
ويحكي المصور الشاب عن أحد المواقف المؤثرة حينما وقفت إحدى المسنات أمام صورة في فرحة كبيرة، وأشارت إلى شخص يظهر فيها قائلة إنه نجلها الأصغر الذي استشهد في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.
وبينما لا يزال الجزء الأكبر من هذا الكنز البصري ينتظر الترميم والفهرسة والكشف عن محتوياته، يأمل عبد العزيز بدوي أن يتحول المشروع مستقبلا إلى أرشيف مفتوح ومعارض عامة تتيح للباحثين والمهتمين وأبناء الإسكندرية الاطلاع على صفحات نادرة من تاريخ مدينتهم، وحفظها للأجيال القادمة قبل أن يطويها النسيان من جديد.