لماذا الإنصرافي؟
لا توجد محاولات كافية لتفكيك أهم ظاهرة إعلامية في الفضاء السوداني وتحديد أسباب المتابعة الواسعة التي يحظى بها الأستاذ صرفة الذي أستطاع جذب انتباه مئات الألاف إن لم يكن ملايين المتابعين من جميع الأعمار والأركان.
في الفضاء السوداني معظم المعلقين لا يهمهم تحليل الظاهرة وفهم أسبابها. يبدأ وينتهي الاهتمام بقبول الظاهرة أو رفضها, مع أو ضد، بدون أي محاولة لسبر غورها وفك شفرة نجاحها الساحق في الوصول حتي لو كان فرد مثل الأستاذ صرفة قادرا علي الوصول لأذن جماهير غفيرة لا تستطيع كل الأحزاب مجتمعة علي الوصول لعشرها ببضاعتها البائرة.
يمكن لأي مراقب الاختلاف أو الاتفاق مع جوهر محتوي خطاب الأستاذ صرفة ولكن لن يجادل مراقب جاد في نجاحه في الوصول إلي جماهير واسعة وهذا الوصول يحتاج لتحليل أسبابه حتي تستفيد منه الجماعات السياسية الأخرى لان التأثير الايجابي هو هدف كل حزب وكل مثقف عام.
مع ملاحظة أن قوة التأثير لا تعني سلامة البضاعة ولا فسادها بالضرورة. فمن من الممكن أن يكون الشخص مؤثرا تأثيرا صحيا أو تأثيرا ضارا وعدم الإتفاق مع محتوي الرسالة لا يثبت عدم تأثيرها.
ويستحيل التأثير في غياب لغة تواصل فعال مع الجماهير وللاسف هذا هو حال الأحزاب السودانية والجماعات الأيديلوجية فقد صارت كل جماعة كالممسوس الذي يتحدث مع نفسه في شكل شلة مغلقة تعرف رطانته، يتحدث مع ذاته الجماعية فقط. وصار أعلام من مثقفين كل منهم مجرد كاهن يعظ داخل كنيسته لجماهيره التي أمنت بالرسالة قبل سنوات وأتت إلي المعبد خاشعة وجاهزة للحوقلة والتهليل بلا فحص ولا تفكير ولكن بكل لغات الدين والإلحاد وما بينهما. ولا يملك هذا المثقف أي لغة تواصل مع جماهير واسعة خارج كنيسته لكسبها لصف قضيته.
وهكذا يصير التبشير السياسي والفكري ممارسة نرجسية في إحتضان الذات الجماعية هدفها التطمين المتبادل وليس التواصل مع الجماهير بغرض التعليم المتبادل والمزاوجة بين النظرية والممارسة والواقع.
الأحزاب لا تسأل نفسها لماذا انصرفت الجماهير عن أدبياتها والصحافة الأسفيرية صارت مضحكة، مليئة بالهراء المكرر والمعتت الذي لا يهتم أحد بالاطلاع عليه لان كل المكتوب تنويعات علي نغم وااي الكيزان.
أدناه قراءة ذكية لظاهرة الأستاذ صرفة، وجدتها في صفحة الصديق عمرو صالح يس، ولكنها مقتضبة تفتح الموضوع علي أمل إثراء من أخرين.
معتصم اقرع معتصم أقرع
كتب الأستاذ عمر صديق:
“في كل مجتمع يمر بلحظة تحولات كبرى، يظهر صوتٌ لا ينتمي إلى النخبة، لا يخضع لمعاييرها، ولا يعترف بشرعية أدواتها في صناعة الوعي. هذا الصوت لا يولد في القاعات المغلقة، ولا يصوغ عباراته وفقًا لموازين الخطاب النخبوي الرصين، بل ينطلق من تفاعل مباشر مع نبض الحياة اليومية، من الحاجة الفطرية إلى خطاب لا يتعالى على التجربة، بل يتماهى معها. في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عن دقة الطرح أو اتساقه النظري، بل عن السبب الذي جعل الناس يجدون فيه ذاتهم، عن السر في أن خطابًا بسيطًا قادرٌ على تحريك ما عجزت عنه خطابات معقدة ومؤدلجة.
النخبة تنزعج، ليس لأنها تملك حقيقة مختلفة، بل لأنها تكتشف فجأة أن سلطتها الرمزية ليست مطلقة، أن قدرتها على تحديد مسارات الفكر والتوجيه لم تعد مسلّمة. الإنزعاج الحقيقي للنخب لا يكمن في معارضة الطرح، بل في الشعور بأن شيئًا ما قد أفلت من قبضتها، أن هناك لحظة جماعية تتشكل خارج إطارها، دون الحاجة إلى منظّريها وخبرائها. إن رفضها لهذه الظاهرة ليس رفضًا لعناصرها المباشرة، بل رفض لفكرة أن يكون للشارع وعيٌ مستقل، أن يتحدث بصوته الخاص، بلا وساطة معرفية تفرض عليه ما يجب أن يفكر فيه.
لكن هل يمكن اختزال هذه الظاهرة في شخص، في أسلوب، في خطاب معين؟ إن الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بفرد هو سوء فهم جوهري، فالذي يتكرر عبر التاريخ ليس الأشخاص بل الحاجات النفسية والاجتماعية التي تستدعي ظهورهم. في أزمنة الانهيارات الكبرى، ينهار المنطق الرسمي، ويتراجع الخطاب العقلاني البارد أمام فيض المشاعر الجمعية. في هذه اللحظة، يصبح الصوت الأكثر صدقًا هو الذي يستطيع أن يلتقط هذا الفيض، أن يعيد صياغته بلغة تتجاوز التصنيفات التقليدية، لغة تبدو في ظاهرها ساخرة أو فوضوية، لكنها في عمقها تعبير عن حاجة وجودية إلى اليقين والانتماء.
ليست القضية في أن هذا الصوت صائب أو مخطئ، بل في أنه تعبير عن فراغ حقيقي، عن حاجة إلى بوصلة شعورية في زمن ارتباك الاتجاهات. السؤال الأكثر عمقًا ليس عن مدى منطقية الطرح، بل عن السبب الذي جعل الخطاب النخبوي عاجزًا عن الوصول، عن المسافة التي نشأت بين الثقافة الرسمية والحياة الحقيقية، وعن الشرخ الذي جعل الناس يتجهون إلى خطاب غير مؤطر، لكنه في جوهره أكثر التصاقًا بواقعهم.
إن الظواهر التي تهز النظام الرمزي لأي مجتمع لا تُفهم بتحليل منطقي مباشر، بل بتأمل أعمق في البنى الخفية التي تحكم تشكيل الوعي الجمعي، في المساحات التي تُركت فارغة فامتلأت بما يعبر عنها بطرق غير مألوفة. وفي النهاية، ليست المسألة في قبول الظاهرة أو رفضها، بل في فهمها، لأنها ليست مجرد حدث، بل علامة على تحولات أعمق، لن تتوقف عند هذا الحد..”
إنضم لقناة النيلين على واتساب
المصدر
المصدر: موقع النيلين
كلمات دلالية: خطاب ا
إقرأ أيضاً:
في سماء بلا طرق أو إشارات.. السر المذهل وراء قدرة الطائرات على الوصول إلى وجهتها بدقة
حين ينظر المسافر من نافذة الطائرة، يبدو المشهد أشبه بفضاء شاسع لا تحده طرق ولا لافتات ولا إشارات مرور وبين الغيوم الممتدة إلى ما لا نهاية، قد يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط لكنه محير كيف تعرف الطائرات طريقها وسط هذا الفراغ الهائل؟ تكمن الإجابة في منظومة تقنية متكاملة تعمل بتناغم تام، تجمع بين الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الذكية والرادارات الأرضية ومراقبة الحركة الجوية، لتقود الطائرة بأمان من لحظة الإقلاع حتى الهبوط، حتى لو تعطل أحد الأنظمة أثناء الرحلة.
في العقود الماضية، كان الطيارون يعتمدون على الخرائط الورقية والبوصلة، ويسترشدون بالأنهار والجبال والسواحل لمعرفة مواقعهم لكن مع ازدياد أعداد الرحلات الجوية واتساع شبكات الطيران العالمية، لم تعد هذه الوسائل كافية، لتبدأ حقبة جديدة تعتمد على أنظمة إلكترونية فائقة الدقة.
واليوم، تعمل عدة تقنيات في وقت واحد لتحديد موقع الطائرة ومسارها بدقة، ما يجعل احتمالات الضياع في السماء شبه معدومة.
يُعد نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) حجر الأساس في الملاحة الجوية الحديثة، إذ يستقبل إشارات من مجموعة من الأقمار الصناعية تدور حول الأرض باستمرار.
ومن خلال تحليل هذه الإشارات، يحدد النظام موقع الطائرة بدقة ثلاثية الأبعاد، متضمنا خطوط الطول والعرض والارتفاع، إضافة إلى التوقيت.
وتظهر هذه البيانات فورا على شاشات قمرة القيادة، ليتمكن الطيار من متابعة موقع الطائرة مقارنة بالمسار المحدد مسبقاً.
الطائرات لا تطير عشوائياخلافا لما قد يعتقده البعض، لا تنتقل الطائرات مباشرة بين المدن، بل تسير عبر شبكة من "نقاط التوجيه" الرقمية، وهي إحداثيات جغرافية مرسومة بعناية تشكل ما يشبه الطرق السريعة في السماء.
وقبل الإقلاع، يُدخل الطيار خطة الرحلة كاملة إلى نظام إدارة الطيران، الذي يتولى توجيه الطائرة تلقائيا من نقطة إلى أخرى، مع تحديث السرعة والارتفاع ووقت الوصول بصورة مستمرة، مع مراعاة اتجاهات الرياح وتعليمات أبراج المراقبة.
ماذا لو تعطل نظام GPS؟حتى في أسوأ السيناريوهات، لا تصبح الطائرة بلا دليل فهناك نظام الملاحة بالقصور الذاتي (INS/IRS)، الذي يعتمد على جيروسكوبات ومقاييس تسارع فائقة الحساسية لحساب موقع الطائرة اعتماداً على نقطة الانطلاق واتجاه الحركة وسرعتها، دون الحاجة إلى أي اتصال بالأقمار الصناعية.
ولهذا السبب، يظل الطيار قادراً على متابعة الرحلة بأمان حتى في حال انقطاع إشارات GPS أو تعرضها للتشويش.
شبكات أرضية تساند الرحلةورغم التطور الكبير في الملاحة الفضائية، لا تزال الطائرات تستفيد من محطات الملاحة الأرضية التي تزودها بمعلومات دقيقة عن الاتجاه والمسافة، كما يوفر نظام الهبوط الآلي دعماً حيوياً أثناء الهبوط في الظروف الجوية الصعبة، مثل الضباب أو ضعف الرؤية.
أبراج المراقبة العين التي تتابع الجميعلا تعمل الطائرة بمعزل عن العالم الخارجي، إذ تراقبها مراكز مراقبة الحركة الجوية باستمرار عبر الرادارات وتقنيات حديثة ترسل بيانات الموقع والارتفاع والسرعة لحظة بلحظة.
وتسمح هذه المتابعة بتعديل المسارات عند الضرورة، والحفاظ على مسافات آمنة بين الطائرات، وتجنب الازدحام أو العواصف الجوية.
سر الأمان في تعدد الأنظمةتعتمد صناعة الطيران على مبدأ "التكرار"، أي وجود أكثر من نظام يؤدي المهمة نفسها فإذا توقف أحد الأنظمة، يتولى الآخر المهمة فوراً، بينما يقارن الطيارون البيانات الواردة من جميع المصادر لضمان أعلى درجات الدقة.
ولهذا تُعد احتمالات فقدان الطائرة لمسارها أو موقعها الفعلي نادرة للغاية، إذ صُممت منظومة الملاحة الجوية لتعمل كشبكة مترابطة توفر أقصى مستويات الأمان والموثوقية.
قد تبدو السماء خالية من الطرق والعلامات، لكنها في الواقع تضم شبكة رقمية دقيقة وغير مرئية، ترشد آلاف الطائرات يومياً إلى وجهاتها وبين الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الذكية وأبراج المراقبة، تتحول الرحلة الجوية إلى عملية محسوبة بدقة، تثبت أن التكنولوجيا أصبحت البوصلة الحقيقية التي تقود الطيران الحديث نحو بر الأمان.