مصطلح «الخوارزمية» (Algorithm) الذي يشكّل حجر الزاوية في علوم الحوسبة والرياضيات اليوم، له جذور تاريخية تمتد لأكثر من ثمانية قرون، وتنبثق من تلاقي عميق بين الرياضيات، واللغة، والتاريخ. لم يولد هذا المفهوم داخل مختبرات السيليكون فالي، بل من صلب تفاعلات ثقافية وحضارية امتدت من بغداد العباسية إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، ومن شعراء العصور الوسطى إلى فلاسفة التنوير الأوروبيين.

فالمفهوم الذي نظنه اليوم تقنيًا بحتًا، هو في جوهره إرث يحمل آثار العمل والترجمة والتجارة والتعليم والاقتصاد عبر القرون.

في أوروبا العصور الوسطى، كانت الحسابات تتم باستخدام الأرقام الرومانية، وهي نظام عددي محدود وغير عملي في إجراء العمليات الحسابية المعقدة. وبفضل الطرق التجارية التي ربطت أوروبا بالعالم العربي، بدأت الأرقام «الهندية – العربية» تنتقل إلى الغرب. هذا النظام الموضعي، الذي يعبر عن الكميات وفقًا لمواقع الرموز وقيمها، كان أكثر فاعلية ودقة، مما جعله ملائمًا لعمليات الحساب والقياس والتمويل المتزايدة في تلك الحقبة.

الكلمة اللاتينية «algorismus» التي ظهرت في أعمال مثل قصيدة Carmen de Algorismo لألكسندر دي فيليديو (1240)، كانت في الواقع ترجمة لاتينية مشوهة لاسم عالم الرياضيات الفارسي محمد بن موسى الخوارزمي، الذي كتب في بغداد كتابًا حول الحساب باستخدام الأرقام الهندية قرابة عام 825 ميلادي. رغم أن النص الأصلي بالعربية فُقد، فقد تُرجمت أعماله إلى اللاتينية وانتشرت في أرجاء أوروبا، حاملة معها المفاهيم الأساسية للنظام العددي الجديد. واحدة من هذه الترجمات تبدأ بعبارة DIXIT algorizmi – «قال الخوارزمي»، وهي صيغة تأكيد على نقل مباشر للمعرفة.

وبمرور الوقت، ومن خلال الترجمات المتعددة في اللغات الرومانسية مثل الإسبانية والفرنسية، تطور لفظ algorismus إلى ما أصبح لاحقًا «algorithm» في اللغة الإنجليزية، ليأخذ مدلوله الحديث في سياقات الرياضيات وعلوم الحاسوب.

لم تكن الكتب وحدها الوسيط الوحيد لهذا الانتقال المعرفي، بل التجار، خصوصًا أولئك القادمين من المراكز التجارية مثل فلورنسا والبندقية، كانوا من أوائل من اعتمدوا الأرقام الهندية في معاملاتهم المالية. لقد احتاجت الحسابات المالية لرؤوس أموال كبيرة، وأسواق متسعة، إلى نظام عددي يسمح بسرعة وسهولة إجراء العمليات الحسابية. وهكذا، كان الدافع الاقتصادي والتجاري جزءًا من التحول الثقافي نحو «الخوارزمية».

في ستينيات القرن العشرين، كان علم الحاسوب لا يزال يحاول إثبات نفسه كتخصص أكاديمي شرعي. وسط هذا السياق، ظهر دونالد كنوث كمُنظِّر كبير لمفاهيم هذا العلم، عبر سلسلة مؤلفاته الشهيرة فن برمجة الحاسوب. لكن طموحه لم يتوقف عند البرمجة الحديثة، بل امتد إلى التنقيب في تاريخ الرياضيات القديمة، وخصوصًا تقنيات البابليين الحسابية، حيث لاحظ وجود إجراءات منهجية لحل المسائل شبيهة بما نعرفه اليوم بالخوارزميات، وإن كانت مكتوبة بالكلمات اليومية لا بالرموز الجبرية.

من خلال هذا الجهد، حاول كنوث فصل الخوارزمية عن سجنها الزمني داخل عصر الحاسوب، ليُظهر أنها ممارسة إنسانية سبقت بكثير العصر الرقمي. لقد كانت محاولة لإعطاء الشرعية لعلم الحاسوب من خلال تأصيله في تاريخ طويل من المعالجات الرمزية، حيث تُقدَّم الخوارزمية بوصفها استمرارًا لممارسات بشرية عمرها آلاف السنين في التعامل مع العالم من خلال خطوات محددة وقابلة للتكرار.

يعود أصل العمليات الحسابية إلى حاجات اقتصادية مبكرة: تقسيم المحاصيل، وحساب الضرائب، وإدارة المخازن. حتى كلمة «عدد» numerus مأخوذة من الكلمة اللاتينية التي تعني «حصة من الطعام». فالعدد ليس فقط فكرة، بل نتيجة حتمية لحاجة مادية: إدارة الندرة أو الوفرة. لقد وُلد الحساب من البطن، لا من الدماغ.

ويمضي بعض فلاسفة الرياضيات إلى أبعد من ذلك، مقترحين أن العدد وُلد من علاقة الجسد البشري بالعالم المادي، ومن خلال الإيقاعات التي تولدها حركات العمل، خصوصًا في الأعمال الجماعية. لقد نشأت الأشكال الرمزية الأولى للأعداد والزمن من الغناء أثناء العمل.

من أغاني النسّاجين، والمزارعين، والملاحين. بهذا المعنى، لا يُفهم العدد بوصفه مجرّد أداة للقياس، بل كتحوّل في وعي الجسد بالزمن، تجسّده اللغة والإيقاع.

إذا أخذنا هذه الحجة إلى نهايتها المنطقية، فقد نصل إلى نتيجة مدهشة: الخوارزميات، أي الإجراءات المنهجية، سبقت حتى مفهوم «العدد» ذاته. ففي مجتمعات ما قبل الأعداد الرمزية، كان البشر ينفذون إجراءات متكررة لتحقيق أهدافهم: خلط مكونات، تقسيم حصص، اتباع قواعد في الطقوس. هذه الإجراءات – على بساطتها – كانت خوارزميات، وإن لم تُسمَّ كذلك.

لطالما نُظر إلى الأعداد على أنها كيانات أصلية، خالدة، وغير قابلة للتجزئة أو التحليل إلى عناصر أخرى. ففي التقليد الأفلاطوني والحدسي، يُفترض أن الأعداد موجودة في عالم المثل، لا تتغير ولا تتأثر بالعالم المادي أو التاريخي، ويمكن للعقل إدراكها دون الحاجة إلى التجربة أو العمل. هذه النظرة المتعالية للأعداد، شكّلت، عبر قرون، القاعدة التي بُنيت عليها الكثير من الفلسفات، من فيثاغورس إلى كانط، ومن الرياضيات الكلاسيكية إلى المنطقية الوضعية والرياضية البنائية.

لم يكن مفهوم العدد معطى عقليًا سابقًا على التجربة، بل هو ناتج عن سيرورة تاريخية معقدة من التعلم الجماعي. العدد، في هذا السياق، ليس انعكاسًا لحقيقة متعالية بل هو نتاج العمل البشري، تفاعل الإنسان مع محيطه من خلال أدوات ولغة وممارسات رمزية. ومن هنا، يصبح العدد فكرة مكتسبة، نمت وتطورت داخل فضاء اجتماعي ومادي.

يمكن أن نرى من هذا المنظور أن التعلم ليس مجرد عملية معرفية فردية، بل هو سيرورة اجتماعية، مادية وتاريخية، يتم فيها تطوير «نماذج ذهنية» تستبطن الأفعال المادية التي يقوم بها البشر، ومن ثم تُبنى فوقها طبقات من التجريد. هذه النماذج الذهنية لا تنبع من تأملات عقلية خالصة، بل من التفاعل العملي مع أدوات العالم، وتتم عبر التمثل التدريجي للأفعال على أشياء حقيقية.

في تحليل بعض مؤرخي الرياضيات مثل بيتر دامرو لمفهوم العدد، يقترحون سلسلة من المراحل الرمزية التي تنمو عبر ما يسموه بـ«السقالات المعرفية» :

1. التمثيلات من الدرجة الأولى: العدّ بالأصابع، الحصى، أو الأدوات التي تمكّن من أداء عمليات ملموسة.

2. أنظمة الترقيم: تطوير رموز تشير إلى كميات (كالنقوش على الطين أو الرموز على النقود).

3. تقنيات الحساب: تطوير طرق منهجية لحل المسائل (اللوغاريتمات، طرق الضرب والقسمة).

4. العدد كنظرية: بروز الحساب كعلم مستقل، يوصف عبر اللغة الطبيعية أولاً ثم يُرمز له لاحقًا.

لكن هذا التطور لا يحدث بشكل خطي، بل يتضمن حركة جدلية مستمرة بين التمثيل الرمزي والتجريد. كل قفزة معرفية تحدث كردّ على مشكلة عملية ما، وتنتج عنها طبقة جديدة من التمثيل الرمزي.

هذا التجريد لا يعني إهمال التفاصيل أو الانسحاب من العالم المادي إلى عالم المثل والتأملات، بل هو عملية إنتاج معرفة جديدة مرتبطة بمشكلات واقعية. إنه نشاط موجه نحو غاية محددة، ويتشكّل داخل حدود مادية، كالأدوات والموارد والتقنيات المتوفرة. وبهذا المعنى، يصبح التجريد نفسه نتاجًا للعمل والإنتاج المادي، لا نتيجة لتأمل عقلي خالص. فالرموز والمفاهيم والأدوات لا تُنتج في فراغ، بل داخل سياقات اجتماعية مشروطة بالصراع، بالموارد، وبالحاجة إلى التنظيم والمعرفة. وبهذا، ينتقل مفهوم العدد من كونه جوهرًا مجردًا ومثاليًا إلى كونه أداة عمل اجتماعية ونتاجًا لصراعات بشرية حول الأرض، والموارد، والسلطة، والتوزيع. في سياق أوسع يمكن رؤية أن تطور العلوم يتبع تطور أدواتها المادية. الأدوات ليست فقط وسائل لحل مشاكل، بل هي وسائط تفتح مجالات جديدة للوجود والمعرفة. فالآلة البخارية، مثلًا، لم تُبتكر من نظرية الديناميكا الحرارية، بل العكس: الحاجة إلى تشغيل الآلة والصعوبات المرتبطة بها دفعت إلى تطوير هذا الحقل العلمي.

هذه العلاقة الجدلية بين العمل – الأدوات – المفاهيم تؤسس لفهم مادي ومعقد للتطور العلمي، حيث تنتج المفاهيم من واقع مشحون بالمقاومة، بالعقبات، وبالرغبة في السيطرة والتحكم. الأداة، حين تُستخدم، تُنتج معرفة أكثر مما كان متوقعًا منها عند اختراعها. وهكذا تتجاوز المعرفة الشروط التي نشأت فيها.

ما ينطبق على العدد ينطبق أيضًا، بحسب هذا المنظور، على مفاهيم مثل الخوارزمية. فهذه الأخيرة ليست سوى شكل من أشكال التجريد الذي ولد من تفاعلات مادية – اجتماعية – معرفية لحل مشكلات معينة. الخوارزميات لم تنشأ في فراغ، بل تطورت من داخل حاجات محددة لتنظيم العمل، وضبط الزمن، وإدارة الموارد، ومراقبة السكان، أو حل مسائل تجارية وإدارية.

إن مفهوم الخوارزمية، بوصفه سلسلة من التعليمات لحل مشكلة، ليس فقط تقنية حسابية بل هو نتاج لجدلية مادية، تتقاطع فيها حاجات السلطة، والعمل، والمعرفة. الخوارزميات التي تحكمنا اليوم، من خوارزميات الأسواق إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ما هي إلا استمرارية لهذه العلاقة الجدلية بين التجريد والمادة، بين الحاجة والاختراع، بين العمل والتحكم.

لا تنحصر الخوارزميات في المعادلات أو الكود البرمجي، بل هي مضمّنة في الأعداد نفسها. الطريقة التي نكتب بها الأعداد – أي نظام الترقيم – هي بحد ذاتها خوارزمية. فمثلاً، الرقم 101 في النظام العشري يعني:

(1 × 100) + (0 × 10) + (1 × 1)

بينما في النظام الثنائي يعني:

(1 × 4) + (0 × 2) + (1 × 1) = 5

هذا التحول لا يحتاج إلى إعادة تفسير للرموز، بل إلى تغيير بسيط في القاعدة – من قوى العشرة إلى قوى الاثنين. ما يعني أن النظام الترقيمي، سواء كان عشريًا أو ثنائيًا، هو ببساطة مجموعة من التعليمات – خطوات – أي خوارزمية. الطرق الحسابية التي نُدرّسها في المدارس – كالقسمة الطويلة، والضرب العمودي، أو استخراج الجذر التربيعي – هي في الحقيقة مجموعة من الخوارزميات اليدوية. حتى العمليات البسيطة مثل تحويل الكسور العشرية الدورية، لا يمكن إجراؤها أو التعبير عنها دون خوارزمية.

من الناحية الفلسفية، يمكن القول إن كل عدد هو خوارزمية متجسدة، وكل نظام ترقيم هو طريقة لصناعة الأعداد. فالرموز لا «تعدّ» شيئًا بطبيعتها، بل تعمل كحوامل للمواقع في عملية حسابية منظمة. كما للجملة قواعد نحوية تنظم بناءها، فإن للأعداد خوارزميات تنظم وجودها. هذه الخوارزميات لم تُخترع مع ظهور علوم الحاسوب، بل هي جوهر النظام الرمزي للكم، منذ أن خط الخوارزمي سطور حسابه في بغداد العباسية ويمكن القول إن الخوارزمية، منذ نشأتها كطريقة لحل المسائل العددية، وحتى شكلها المعاصر في الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، قد مرت بسلسلة من التغييرات العميقة التي تعكس تحولات أوسع في أنماط التفكير البشري، وتنظيم العمل، وعلاقة الإنسان بالآلة.

في أوروبا القرن السابع عشر، بدأ مفكرو الطبيعة أمثال بليز باسكال وغوتفريد لايبنتز في تصميم آلات حاسبة يدوية لأتمتة العمليات الأربع الأساسية باستخدام النظام العشري. هذه الأجهزة لم تكن مجرد فضول تقني، بل كانت تمثل تحولات إبستمولوجية عميقة؛ حيث أصبحت الآلة لا تُستخدم فقط لحل المشكلات، بل لتشكيل طريقة التفكير ذاتها. فطريقة ديكارت الشهيرة في التفكير، التي تقوم على تحليل المشكلات إلى عناصر بسيطة، يمكن رؤيتها كتمثل للمنطق الميكانيكي.

ربط الاقتصادي البولندي هنريك غروسمان بين الرياضيات والآلة من منظور اقتصادي: «كل قاعدة رياضية لها طابع ميكانيكي يوفر العمل الذهني ويوفر الحسابات». وقد استمرت هذه الفكرة – أي توفير الوقت والموارد – كمبدأ أساسي في كل ما يتعلق بالتفكير الخوارزمي وتطبيقاته.

الثورة الصناعية والخوارزميات الميكانيكية

في القرن التاسع عشر، ومع تصاعد الاقتصاد الصناعي، ظهرت أول محاولة ناجحة لميكنة الخوارزميات الحسابية مع طريقة دي بروني لحساب جداول اللوغاريتمات، والتي نفذها تشارلز باباج في «آلة الفرق». رغم أن هذه الآلة كانت محدودة بنوع واحد من الخوارزميات، فقد تخيل باباج آلة أكثر تعقيدًا: «الآلة التحليلية»، القادرة على البرمجة وتشغيل خوارزميات مختلفة – وهي التي كتبت لها أدا لوفلايس أول «برنامج» حاسوبي لحساب أعداد برنولي، والذي يعتبره البعض أول خوارزمية حاسوبية في التاريخ.

تكمن أهمية محركات باباج في التقاء خوارزميات الحساب مع الأتمتة الصناعية، رغم صعوبة تمثيل النظام العشري باستخدام تروس ميكانيكية. لكن القيود التقنية آنذاك منعت تحقيق هذا الحلم الكامل.

من الآلة الميكانيكية إلى النظام الثنائي

في القرن العشرين، حقق الحساب المؤتمت قفزات كبرى بفضل استخدام النظام الثنائي. فالحالة الكهربائية (تشغيل أو إيقاف) يمكن تمثيلها بسهولة بالأرقام 0 و1، ما يجعل تنفيذ العمليات الحسابية كالجمع والطرح أكثر بساطة مقارنة بالأنظمة العشرية الميكانيكية.

جاءت القفزة الحقيقية مع أطروحة كلود شانون في عام 1938، والتي اقترح فيها استخدام الخصائص الثنائية للمفاتيح الكهربائية لتمثيل ليس فقط الأرقام الثنائية وعملياتها، بل أيضًا الدوال المنطقية (AND، OR، NOT). لقد فتح هذا الباب أمام استخدام الكهرباء كوسيط للحوسبة المنطقية، وليس فقط الرقمية.

ثم، بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت بنية فون نيومان ونُفذت في الحواسيب باستخدام البوابات المنطقية المصغرة، مما مكن من بناء حواسيب سريعة وقوية. ولأول مرة، لم تعد الأرقام تمثل كميات فقط، بل أصبحت أيضًا تمثل تعليمات. الثورة الرقمية، إذًا، لم تكن فقط رقمنة للغة والمحتوى الإنساني، بل تسريعًا للعمليات الحسابية من خلال المنطق الثنائي.

تماهي الخوارزميات والآلة: من الصرامة إلى التكيف

في العصر الرقمي، ارتقت الخوارزمية إلى ما يشبه «الآلة المجردة» – متمثلة في البرنامج، والكود، والبرمجيات – التي تتحكم بالآلات الإلكترونية. فالتعريف الأكثر تداولًا للخوارزمية في علوم الحاسوب هو: «إجراء محدود من التعليمات خطوة بخطوة لتحويل مدخلات إلى مخرجات، بغض النظر عن طبيعة البيانات، وبأقصى كفاءة ممكنة».

هذا التعريف يعتمد على منطق التجريد؛ أي أن الخوارزمية يجب أن تعمل بغض النظر عن الظروف المحيطة أو مصدر البيانات. لكن هذا المنظور بدأ يتغير جذريًا مع ظهور التعلم الآلي، الذي قلب هذه النظرة رأسًا على عقب.

فبدلًا من أن تطبق الخوارزمية قواعد صلبة على بيانات ساكنة، أصبحت الخوارزميات الحديثة – كشبكات العصب الاصطناعية – تتعلم من البيانات وتعدل معاييرها الداخلية بناءً على خصائص البيانات نفسها. لم تعد البيانات مجرد مواد خام، بل أصبحت فعالة، تشكل منطق الخوارزمية ذاته، وتجعله متكيفًا وديناميًا. وهذا يشبه، إلى حد بعيد، الطرق الرياضية القديمة التي نشأت من محاكاة تكوينات المكان والزمان والعمل والعلاقات الاجتماعية.

من خلال هذا المنظور التاريخي، يمكننا أن نرى أن الخوارزمية ليست مجرد أداة تقنية، بل شكل معرفي نشأ في سياقات اقتصادية وثقافية محددة. أول انتقال – من الخوارزميات اليدوية إلى النظام العشري – ارتبط بالتوسع التجاري في العصور الوسطى. والثاني – من النظام العشري إلى الثنائي – ارتبط بالصناعة والرأسمالية الحديثة، وخاصة في مسعاها لتسريع الاتصال وأتمتة العمل العقلي. إنها تحولات لا تعكس فقط صيغًا رياضية، بل أنماطًا جديدة من تنظيم المعرفة، والعقل، والعمل.

إن قراءة تاريخ الأعداد والخوارزميات تعيدنا إلى الأرض، تُنزل العدد من عليائه الفلسفي إلى ورشة العمل، إلى الحقول، إلى الألواح الطينية، إلى الأيادي التي عدّت الحصى وسجّلت الصفقات. في زمن تزداد فيه الحاجة لفهم كيف تُنتج المعرفة، ولمن تُنتج، ولماذا، فإن تأريخ التجريد، يتيح لنا تحليلًا جدليًا للأفكار بوصفها جزءًا من السيرورة المادية للصراع الاجتماعي.

وبذلك، لا يصبح العدد والخوارزمية فقط وسيلة للعدّ أو الحساب، بل وثيقة تاريخية، تشهد على ما فعله البشر، وما كانوا يريدونه من العالم: النظام، والتوزيع، والسيطرة، أو ربما العدالة.

بيشوي قليني كاتب ومهندس بيانات

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: العملیات الحسابیة النظام العشری هذا المنظور لیس فقط من خلال

إقرأ أيضاً:

المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي

بعيداً عن الصورة النمطية للمخطوطات كأوراق صفراء ترقد في عتمة الأرشيف، تفتح العاصمة الألمانية برلين أبوابها اليوم لحوار من نوع آخر؛ حوار يتصدره الحرف العربي ليُثبت أن إسهامات الشرق لم تكن مجرد جسر عبور، بل حجر أساس في بناء صرح المعرفة العالمية.

ففي قاعات مكتبة برلين الحكومية، التي تحتضن واحدة من أكبر مجموعات المخطوطات الشرقية في أوروبا، انطلقت في مارس/آذار 2026 سلسلة حوارات بعنوان "المخطوطات العربية: تراث إنساني مشترك"، بمبادرة من "الديوان – البيت الثقافي العربي"، التابع لسفارة قطر في برلين، على أن تستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وتتجاوز المبادرة تنظيم فعاليات ثقافية حول التراث العربي في أوروبا، لتطرح مسعى أوسع يتعلق بإعادة إدراج المخطوط العربي في النقاش المعاصر حول تاريخ العلوم وانتقال المعرفة بين الحضارات.

السفير القطري في ألمانيا عبدالله بن إبراهيم الحمر يفتتح الفعالية المصدر : الديوان – البيت الثقافي العربي بألمانيا

وفي حديثهما للجزيرة نت، يوضح مدير "الديوان – البيت الثقافي العربي" الدكتور لورنس الحناوي، ورئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية الدكتور كريستوف راوخ، كيف تحولت الشراكة إلى منصة لإعادة قراءة التراث العربي بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية المشتركة.

من عرض التراث إلى إعادة كتابة السردية المعرفية

يرى الحناوي أن المشروع ينطلق من مقاربة مختلفة للعلاقة الثقافية بين العالم العربي وأوروبا. فبدل تقديم الثقافة العربية بوصفها موضوعا للتعريف، أو مادة تراثية تُعرض على هامش المشهد الأوروبي، يسعى "الديوان" إلى تثبيت حضورها كشريك في إنتاج التاريخ الفكري العالمي نفسه.

ويقول إن المخطوطات العربية المحفوظة في برلين لا تمثل حالة "تراث شرقي" انتقل إلى أوروبا، بل تُشكل جزءا من الذاكرة الفكرية التي أسهمت في بناء العالم الحديث، عبر مسارات انتقال الفلسفة والطب والفلك والعلوم من العربية إلى اللغات الأوروبية.

الدكتور لورنس الحناوي مدير الديوان البيت الثقافي العربي المصدر : الديوان – البيت الثقافي العربي بألمانيا

وبذلك، تبدو المبادرة القطرية، وفق الحناوي، استثمارا بعيد المدى في الدبلوماسية الثقافية؛ إذ لا تكتفي بتقديم صورة إيجابية عن العالم العربي، بل تسعى إلى إعادة إدخاله في السردية العالمية للمعرفة بوصفه أحد صانعيها.

الأثر الثقافي خارج منطق الأرقام

لا يقيس الحناوي نجاح هذه المبادرات بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بنوعية التحول الذي تُحدثه في نظرة الجمهور الأوروبي إلى التراث العربي. ويضرب مثالا بحضور شاب ألماني إحدى جلسات السلسلة المخصصة لـ"كليلة ودمنة"، لا بدافع الفضول تجاه "الشرق"، بل لاهتمامه بما يطرحه النص من أسئلة عن السلطة والمعرفة وانتقال الأفكار.

إعلان

هذا التحول، برأيه، هو المؤشر الأعمق: حين ينتقل المخطوط العربي من كونه معروضا تراثيا إلى مادة للنقاش الفكري المعاصر، ويصبح مدخلا لإعادة التفكير في المركزية الثقافية، وأصول الحداثة، وحركة الأفكار بين الشرق والغرب.

المخطوط بوصفه تاريخا حيا للأفكار

يطرح الحناوي تصوراً يتجاوز النظر إلى المخطوطات بوصفها أشياء قديمة محفوظة في الأرشيف. فالمخطوط ليس كتابا صامتا، بل هو أشبه بشبكة تواصل اجتماعي قديمة؛ حيث نرى بصمات الناسخ المتعب، وتعليق القارئ الغاضب أو المعجب على الهوامش، ومسار رحلة الكتاب على ظهور الجمال أو السفن من مدينة إلى أخرى.

ومن هذا المنظور، ناقشت الجلسة الافتتاحية حول "كليلة ودمنة" مسألة لافتة، وهي أن الناسخ لم يكن دائما ناقلا محايدا، بل كان، في أحيان كثيرة، شريكا في تشكيل النص عبر الاختصار أو الإضافة أو التعليق. وتكشف هذه القراءة أن ظواهر مثل سيولة النصوص وإعادة تحريرها المستمرة، التي تُنسب عادة إلى العصر الرقمي، عرفتها الثقافة المخطوطة منذ قرون بصيغ مختلفة.

الزهراوي.. شاهد مادي على الابتكار العلمي

ولم يقتصر هذا الحوار الحي على نصوص الأدب والسياسة كـ "كليلة ودمنة"، بل امتد بقوة ليضع أسس العلم التجريبي الحديث، وهو ما يتجلى بوضوح في المخطوطات العلمية.

من جهته، يشير راوخ إلى أن مجموعة برلين، التي تضم نحو 11 ألف مخطوطة عربية، تحتوي على نماذج مباشرة تكشف إسهام العلماء العرب في إنتاج المعرفة العلمية، لا بوصفهم ناقلين فحسب. ويضرب مثالا بمخطوطة الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، المعروفة بكتابه في الجراحة، والتي تتضمن رسومات تفصيلية لأدوات جراحية استُخدمت في القرن العاشر الميلادي. ويقول إن هذه الوثيقة تقدم دليلا ماديا على المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة العربية الإسلامية في الطب والجراحة، في مرحلة كانت أوروبا لا تزال بعيدة عن هذا المستوى العلمي.

كريستوف راوخ رئيس قسم المخطوطات الشرقية في مكتبة برلين الحكومية المصدر : الديوان – البيت الثقافي العربي بألمانيا"قالاموس".. من الرقمنة إلى تحليل الشبكات المعرفية

يتحدث راوخ عن مشروع "قالاموس" باعتباره أحد أهم المسارات المستقبلية للتعامل مع المخطوطات العربية. فالمنصة توثق المخطوطات العربية المحفوظة في المكتبات الألمانية، وتتيح الوصول إليها رقميا، لكنها تتجاوز الإتاحة إلى تمكين الباحثين من تصدير البيانات وتحليلها إلكترونيا.

وبذلك يستطيع الباحث، خصوصا غير الناطق بالعربية، تتبع مسارات النصوص وانتقالها بين المدن ومراكز العلم، وفهم شبكات الشروح والترجمات والتداول، بما يكشف حضور العرب في تاريخ العلوم من زاوية جديدة: لا كنصوص منفردة، بل كجزء من شبكة عالمية لتداول المعرفة.

ما الذي تضيفه الشراكة القطرية؟

بحسب راوخ، تكمن أهمية التعاون مع "الديوان" في فتح هذا التراث أمام جمهور يتجاوز الدوائر الأكاديمية المتخصصة. فالمكتبة، رغم إمكاناتها البحثية، تبقى مؤسسة أرشيفية بالدرجة الأولى. أما الشراكة مع مؤسسة ثقافية عربية، فأتاحت نقل المخطوطات من فضاء الحفظ إلى فضاء الحوار العام، عبر فعاليات مفتوحة تربطها بأسئلة معاصرة حول الإنسان وتاريخ التبادل الحضاري.

ويضيف أن المخطوطات القديمة ما تزال قادرة على قول شيء جديد عن تاريخ الأفكار، وعن التداخل الثقافي بين الحضارات، إذا أُعيد تقديمها في سياق معرفي معاصر.

ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2026.. نحو بنية معرفية عابرة للحدود

لا ينظر القائمون على المشروع إلى السلسلة الحالية باعتبارها حدثا عابرا. فالحناوي يشير إلى أن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في حفظ المخطوطات مادياً، بل في منع تحولها إلى تراث معزول عن البحث المعاصر.

إعلان

ولهذا يجري العمل على ثلاثة مسارات رئيسية بعد انتهاء البرنامج الحالي:

الرقمنة والفهرسة: تطوير مشاريع مشتركة تربط مجموعات برلين بنظيراتها في إسطنبول، القاهرة، الدوحة، باريس ولندن.

التعاون المؤسساتي: بناء شبكة تواصل مؤسساتية بين المكتبات العربية والأوروبية، تتيح جمع أجزاء الذاكرة العربية الموزعة في مؤسسات عالمية مختلفة.

التمكين الأكاديمي: دعم جيل جديد من الباحثين القادرين على الجمع بين علوم المخطوطات، والإنسانيات الرقمية، والنظرية الثقافية.

دبلوماسية ثقافية تتجاوز الفعاليات

تكشف مبادرة "الديوان – البيت الثقافي العربي" عن اتجاه متنامٍ في الحضور الثقافي القطري داخل أوروبا، يقوم على بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية كبرى، بدل الاكتفاء بالفعاليات الموسمية.

وفي حالة برلين، يبدو أن الرهان القطري يتجاوز حفظ التراث أو عرضه، إلى محاولة إعادة وصل المخطوط العربي بتاريخ المعرفة العالمي، وإعادة طرحه بوصفه جزءا من النقاش الراهن حول نشأة الحداثة ومسارات انتقال العلوم بين الحضارات.

بهذا المعنى، لا تدور المبادرة حول الماضي فقط، بل حول سؤال حاضر: كيف يمكن لتراث محفوظ في خزائن أوروبا أن يعود فاعلا في إنتاج المعرفة المعاصرة؟ الإجابة بدأت تتشكل اليوم في قاعات برلين: التراث لا يموت حين يغادر وطنه، بل يموت حين يتوقف عن إثارة الأسئلة.

مقالات مشابهة

  • تعديل وزاري في اليمن..امرأة تتولى «حقيبة الخارجية» لأول مرة في تاريخ البلاد
  • أشبه بفتح مقبرة فرعونية.. كنز بصري يوثق تاريخ الإسكندرية
  • مديرية عمل بني سويف توفر 7 فرص عمل وتبحث شكاوى المواطنين عبر التواصل المباشر
  • كيف تصنع الخوارزميات أرباحاً من منشورات ترامب في جزء من الثانية؟
  • 3 شواطئ بالإسكندرية ترفع لافتة «كامل العدد» في الإجازة الأسبوعية
  • خطبتا الجمعة بالحرمين: تعاهُد القرآن بتلاوة آياته والعمل بها من أهم أسباب الثبات على دين الله.. والعناية بالأبناء مسؤولية مشتركة بين الوالدين
  • هل يصمد الطرب زمن الخوارزميات؟ قراءة في تجربة لطفي بوشناق
  • إزالة أسماء 4 جنود أمريكيين قُتلوا في حرب إيران من موقع البنتاغون.. ما القصة؟
  • المخطوطات العربية في برلين.. مبادرة قطرية لإعادة كتابة تاريخ المعرفة العالمي
  • صدور العدد السادس من مجلة بحوث الشريعة