إلهام أبو الفتح تكتب: وداعا د. علي مصيلحي
تاريخ النشر: 16th, August 2025 GMT
اجتمع على حبه الجميع، بسطاء ومسؤولون. كبار وصغار فكانت جنازته واحدة من التي يقولون عنها من احبه الله جعل جنازته شاهدا علي سيرته
رحل الدكتور علي المصيلحي، رحمه الله، وبقيت صورته بابتسامته في ذاكرة من عرفوه، كدليل على أن الإنسانية الحقيقية لا تصنعها المناصب،
يستقبلك بابتسامة وكلمة طيبة، سواء كنت مسؤولًا أو مواطنًا بسيطًا جاء ليطرح سؤالًا.
حين رحل، تحوّل يوم جنازته إلى لوحة إنسانية مهيبة؛ شوارع الشيخ زايد ضاقت بالجموع، وامتدت الصفوف في صلاة الجنازة على غير العادة.
وقف رئيس الوزراء وكبار رجال الدولة بجوار أهالي القرى الذين حضروا من الوجه البحري والصعيد، ورجال الأعمال بجوار العمال، جميعهم يجمعهم الحزن. وكأن الله شاء أن يجعل هذا اليوم شاهدًا على محبة الناس له، وأن يكتب له شهادة وداع تليق بسيرته.
عرفته عن قرب في لقاءات كثيرة، ورأيته في المؤتمرات والاجتماعات والمناسبات العامة، ودائمًا كان: بشوشًا، متواضعًا، مرحبًا بكل من يلتقيه، لم يغيّره المنصب ولم تُغيّره الأضواء. كان عالمًا في مجاله، وجعل علمه لخدمة الناس. كان يدرك انه وزير في وزاره تهم كل الناس وتخدم الجميع وأن القرارات ليست أوراقًا وأرقامًا، بل هي وجوه وحكايات وأحوال تنتظر الفرج.
حتى في أيامه الأخيرة، ورغم معاناته مع المرض، ظل على تواصل مع الملفات التي بدأها، حريصًا على أن يطمئن أن الأمانة التي حملها ستظل محفوظة. وحين كرمه رئيس الوزراء قبل أسابيع من رحيله، كان ذلك اعترافًا رسميًا من الدولة بما قدّمه، لكنه كان بالنسبة له مجرد محطة في رحلة بدأها منذ سنوات لخدمة الناس.
ورحل الجسد، لكن بقيت الروح في قلوب من أحبوه، وبقيت سيرته تذكّرنا أن المحبة الصادقة لا تُفرض، بل تُزرع في القلوب وتظهر في لحظة الوداع. رحم الله د. علي المصيلحي وجعل محبة الناس في ميزان حسناته.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: وزير التموين علي مصيلحي جنازة علي مصيلحي
إقرأ أيضاً:
عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
في كل بيت تقريبًا، يوجد هاتف لا يفارق اليد، وفي كل مجلس، شاشات تسرق بعضًا من وقته، وفي صخب هذا العالم، يقف الكتاب ساكنًا، منتظرًا من يمدّ يده ليحمله. لم يعد غريبًا علينا أن نقضي ساعة نتصفح مقاطع الفيديو والمنشورات دون أي شعور، بينما تبدو قراءة بضع صفحات من كتاب وكأنها تتطلب موعدًا واستعدادًا.
لم يؤثر هذا التحول على القارئ فحسب، بل على الكاتب أيضًا.
وراء كل كتاب قصة لا يراها الناس. فكرة ولدت في عقل إنسان، ثم نمت معه في أيامه وربما سنواته، عمل بجد من أجلها، وكتب ومسح وأعاد الكتابة، ثم ابتهج يوم رأى اسمه على غلاف كتاب، نهنئه، ونرسل له الزهور والتهاني، ونقول: «فخرٌ وإضافةٌ رائعة»، ثم نعود إلى هواتفنا، ويبقى هو يتساءل في صمت: من سيقرأ؟
اليوم، لا يقتصر دور الكاتب على الكتابة فحسب، بل يُثقل كاهله هموم الطباعة والنشر والتوزيع والتسويق. وقد يُنفق من ماله الخاص لإيصال فكرته إلى الناس، ثم يجد نفسه على الأبواب يسأل عن مكان لعرض كتابه أو يطلب دقيقة من قارئ.
لا يعني هذا أن كل كتاب جدير بالاحتفاء أو الدعم: فالأفكار تختلف، وكذلك قيمتها. ولكن بيننا مُعلّمٌ أمضى سنواتٍ في قاعات الدراسة، وباحثٌ درس هموم الناس، وشيخٌ يحمل ذاكرة مكان، وشخصٌ تعلّم من الحياة ما قد يُفيد الآخرين. كم من القصص ماتت مع أصحابها؟ وكم من التجارب ظلت حبيسة الذاكرة لأن أحداً لم يشجع الكاتب على تدوينها؟
قد نفقد كتبًا يومية لن نعرف أسماء مؤلفيها أبدًا، لمجرد أنها لم تُكتب أصلًا.
في مجتمعنا، نحتفل بالمناسبات ونتجمع حول الإنجازات، ونفرح لرؤية اسم أحد أبناء وطننا على غلاف كتاب. كل هذا جميل، لكن الكاتب أحيانًا يحتاج إلى أكثر من مجرد التهنئة. يحتاج إلى أن يُباع كتابه ويُقرأ، وأن تُناقش أفكاره، ويحتاج إلى مؤسسات تُتيح للكتاب الجيد نافذةً تُقرّبه من الناس.
يجب على الكاتب أيضًا أن يتقرب من قارئ اليوم. الهاتف ليس دائمًا خصمًا، بل قد يكون بوابةً إلى عالم الكتب. فكرةٌ موجزة، أو مقطعٌ جميل، أو حديثٌ صادق عن تجربة قراءة كتاب، قد يُعيد المرء إلى عالمه بعد غياب.
الكتاب ليس مجرد مجموعة من الأوراق، بل هو أثرٌ تركه شخصٌ في حياة آخر. وأحيانًا نقرأ فكرةً خطّها أحدهم قبل عقود، فتُغيّرنا بطريقةٍ لا تستطيع ألف فقرة عابرة أن تُحدثها.
لذا، قبل أن نقول إن الناس قد عزفوا عن الكتب، لعلنا نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بالكتب؟ هل اشتريناها؟ هل قرأناها؟ هل أهديناها لأبنائنا؟ وهل كرّمنا من بيننا من اختار الكتابة؟
قد يأتي يومٌ نبحث فيه جميعًا عن قصصنا وتجاربنا، فلا نجدها، ليس لأننا لم نعشها، بل لأن من كان بإمكانهم كتابتها قد أنهكهم التعب... ووضعوا أقلامهم جانبًا.