أكدت دار الإفتاء المصرية أن أخذ الموظف أموالًا بصورة شخصية ممن يقدم لهم الخدمات داخل نطاق عمله يُعد من قبيل الرشوة المحرمة، حتى وإن كان الهدف منها إظهار مزيد من الاهتمام أو تسريع إنجاز المهام، مشددة على أن الموظف يجب أن يتحرى الكسب الحلال ويصبر على رزقه المشروع.

 

فضل السعي في طلب الرزق الحلال

شددت دار الإفتاء على أن الإسلام حث على السعي والكسب، لكنه قيد ذلك بأن يكون من طريق حلال لا شبهة فيه، واستشهدت بقوله تعالى:﴿فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].

 

وبيّنت الفتوى أن الرزق الحلال يتطلب صبرًا وجهدًا، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم:«اتَّقُوا اللهَ وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحمِلكُمُ استِبطَاءُ الرِّزقِ عَلَى أَن تَطلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ مَا عِندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ».

 

كما شبّهت دار الإفتاء السعي في طلب الرزق الحلال بـ"الجهاد"، اقتداءً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الحَلَالِ جِهَادٌ».

 

 

علاقة الموظف بجهة عمله.. التزام وعقد شرعي

أوضحت دار الإفتاء أن العلاقة بين الموظف والجهة التي يعمل فيها هي علاقة تعاقدية مبنية على الإجارة، أي أنه مؤتمن على وقته وجهده مقابل أجر معلوم.
ولذلك لا يجوز له أن يزاول أي عمل خاص أو يحصل على مقابل مادي إضافي أثناء ساعات عمله الرسمية، لأن هذا يُعد خيانة للعقد المبرم بينه وبين جهة العمل.

وأشارت الفتوى إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وأضافت أن الموظف ملزم شرعًا بالالتزام بالقوانين واللوائح التي تضعها المؤسسة التي يعمل بها، لأن الوفاء بالعقود والعهود أصل من أصول الإسلام.

 

 الرشوة لا تُسمى “هدية”.. بل معصية كبرى

أكدت الفتوى أن المال الذي يُمنح للموظف داخل إطار عمله تحت أي مسمى، سواء كان "هدية" أو "مقابل اهتمام خاص"، يأخذ حكم الرشوة المحرمة، لأنها تُفضي إلى إبطال الحقوق أو تمييز بعض العملاء على حساب الآخرين.

واستشهدت دار الإفتاء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:«لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ» (رواه أحمد والترمذي).

 

كما نقلت عن الإمام الماوردي قوله: "الفرق بين الرشوة والهدية أن الرشوة ما أُخذت طلبًا، والهدية ما بُذلت عفوًا".

 

وأوضح العلماء أن ما يُمنح لموظف أثناء قيامه بمهامه الرسمية لا يُعتبر هدية بريئة، لأنه مرتبط بتحقيق منفعة أو تسريع مصلحة، وهو ما يجعله محرمًا شرعًا وقانونًا.

 

القانون المصري يجرّمها أيضًا

دعّمت دار الإفتاء فتواها بالإشارة إلى نصوص القانون المصري، الذي يُجرم مثل هذه الأفعال ويعتبرها رشوة.


فقد نصت المادة (106 مكرر) من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 على أن: "كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعدًا أو عطية لاستعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم للحصول من أية سلطة عامة على مزية من أي نوع يعد في حكم المرتشي".

 

وأكدت الفتوى أن هذا النص ينطبق تمامًا على الموظف الذي يقبل الأموال الشخصية داخل جهة عمله، حتى لو كانت النية تحسين الخدمة.


 

الراتب يكفي عن أي كسب مشبوه

خلصت دار الإفتاء في نهاية الفتوى إلى أن: "يَحرُم على الموظف المذكور أخذ المال المعروض عليه بصورة شخصية ممن يقدم لهم الخدمات داخل إطار وظيفته، باعتباره رشوة مُحرَّمة، وعليه تحرِّي الكسب الحلال، والصبر على تحصيله".

 

وختمت الفتوى برسالة توجيهية قائلة:"من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، فليكن الموظف أمينًا على عمله ورزقه، فالأمانة باب البركة، والرشوة باب السخط والضياع".
 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: دار الإفتاء الإفتاء الرشوة الموظف دار الافتاء المصرية دار الإفتاء

إقرأ أيضاً:

معنى الشهادة الواردة في حديث النبي عليه السلام: «الشهداء خمسة»

من المقرر شرعًا أن المراد من الشهادة الواردة في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطعُونُ، والمَبطُونُ، والغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدمِ، والشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» الشهادة الحكمية، فمن مات بأحد الأوصاف المذكورة في الحديث يأخذ أجر الشهيد في الآخرة، ويُسمَّى شهيدَ الآخرة دون الدنيا، ويُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه.

بيان أقسام الشهداء

والشهداء على ثلاثة أقسام: الأول: شهيد الدُّنيا والآخرة: وهو الَّذي يُقتل في الحرب أو في قتال البُغاة أو قُطَّاع الطريق، وهو المقصود من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ قاتلَ لِتَكُونَ كلِمةُ اللهِ هيَ الْعُليا فهوَ في سبيلِ اللهِ» متفقٌ عليه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وتسمى هذه الشهادة: بالشهادة الحقيقية.

والثاني: شهيد الدُّنيا فقط: وهو الَّذي يُقتل في الحرب أو في قتال البُغاة أو قُطَّاع الطريق لكنه غلَّ في الغنيمة بأن أخذ منها قبل قسمتها، أو قُتِلَ مدبرًا، أو قاتل رياءً، ونحو ذلك؛ فهو شهيد في الظاهر وفي أحكام الدنيا، فلا يُغَسَّل ولا يُصلَّى عليه، وليس له نصيب من ثواب الشهيد في الآخرة.

والثالث: شهيد الآخرة فقط: وهو من مات بسببٍ كالميِّت بداء البطن، أو بالطَّاعون، أو بالغرق، أو بالهدم، وكالنفساء التي تموت في طلقها، ونحو ذلك، وهذه الشهادة تُسمَّى بالشهادة الحكمية، وصاحبها له مرتبة الشهادة وأجر الشهيد في الآخرة، لكن لا تجري عليه أحكام الشهيد في الدنيا، فيجب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه.

قال العلامة كمال الدين الدَّمِيرِي في "النجم الوهاج" (3/ 71، ط. دار المنهاج): [الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في حكم الدنيا -في ترك الغُسل والصلاة- وفي الآخرة، وهو: مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

والثاني: شهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو: مَن قاتل رياءً وسُمعةً وقُتِل، والمقتول مدبرًا أو وقد غلَّ من الغنيمة، فلا يُغَسَّل ولا يُصلَّى عليه، وليس له من ثواب الشهيد الكامل في الآخرة.

والثالث: شهيد في الآخرة فقط، وهم: المبطون، والمطعون، ومَن قتله بطنه، والغريق، والحريق، واللديغ، وصاحب الهدم، والميت بذات الجنب أو محمومًا، ومَن قتله مسلم أو ذِمِّي أو باغٍ في غير القتال، فهؤلاء شهداء في الآخرة لا في الدنيا؛ لأن عمر وعثمان رضي الله عنهما غُسِّلَا وهما شهيدان بالاتفاق] اهـ.

معنى الشهادة الواردة في الحديث المذكور ومدى وجوب تغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم
أمَّا بخصوص الحديث المسؤول عنه، فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطعُونُ، والمَبطُونُ، والغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدمِ، والشّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» متفق عليه.

وقد تواردت أقوال العلماء في بيان معنى الشهادة المذكورة في الحديث، واتفقوا على أن المراد بها شهادة الآخرة، بمعنى أن الذي مات بأحد هذه الموتات المذكورات في الحديث يأخذ مثل أجر الشهيد في الآخرة فقط، دون أن تجري عليه أحكام الشهيد في الدنيا، وإنما كانت هذه الأسباب المتعددة وغيرها مما تفضَّل الله تعالى على مَن مات بها صابرًا مُحتسبًا بأجر الشهيد؛ لِمَا فيها من الشِّدَّة وكثرة الألم والمعاناة.

قال الإمام محيي الدين النووي في "شرح صحيح مسلم" (13/ 63، ط. دار إحياء التراث العربي) في شرح الحديث: [وقد قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفَضُّل الله تعالى بسبب شِدَّتها وكثرة ألَمِهَا.. قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم] اهـ.

وقال شمس الدين الكِرْمَانِي في "الكواكب الدراري" (5/ 42، ط. دار إحياء التراث العربي) في شرح الحديث: [معناه: أن يكون لهم في الأجر مثل ثواب الشهيد] اهـ.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "تحفة الباري" (5/ 643-644، ط. مكتبة الرشد): [والمراد بشهادة مَن عدا مَن قُتل في سبيل الله أن يكون له في الآخرة أجر الشهداء] اهـ.

وأمَّا ما يتعلَّق بتغسيل الأصناف المذكورة في الحديث وتكفينهم والصلاة عليهم، فحيث اعتبرهم الشرع شهداء آخرة فقط، فإن أحكام الشهيد تجري عليهم في الآخرة دون الدنيا، فيُغسَّلون ويُكفَّنُون ويُصلَّى عليهم، وقد نص على ذلك غير واحد من العلماء، بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك.

قال العلامة زين الدين ابن نُجَيْم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 211، ط. دار الكتاب الإسلامي): [لو مات حَتْفَ أَنفِهِ أو تردَّى من موضع أو احترق بالنار أو مات تحت هدم أو غرق لا يكون شهيدًا -أي: في حكم الدنيا- وإلا فقد شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للغريق وللحريق والمبطون والغريب بأنهم شهداء، فينالون ثواب الشهداء] اهـ.

وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في "الإشراف" (1/ 359، ط. دار ابن حزم): [سائر شهداء المسلمين سوى المقتول في المعترك يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم] اهـ.

وقال الإمام محيي الدين النَّوَوي الشافعي في "المجموع" (5/ 264، ط. دار الفكر): [الشهداء الذين لم يموتوا بسبب حرب الكفار كالمبطون، والمطعون، والغريق، وصاحب الهدم، والغريب، والميتة في الطلق، ومَن قتله مسلم أو ذمي أو مأثم في غير حال القتال وشبههم فهؤلاء يُغَسَّلون ويُصلَّى عليهم بلا خلاف. قال أصحابنا رحمهم الله: ولفظ الشهادة الوارد فيهم المراد به أنهم شهداء في ثواب الآخرة لا في ترك الغسل والصلاة] اهـ.

وقال الشيخ البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 119، ط. دار الكتب العلمية): [(والشهيد بغير قتل كغريق ونحوه.. يُغَسَّل ويُصلَّى عليه) لأنه ليس بشهيد معركة ولا ملحقًا به] اهـ.

مقالات مشابهة

  • معنى الشهادة الواردة في حديث النبي عليه السلام: «الشهداء خمسة»
  • هل ترك سجود السهو ناسيًا يتطلّب إعادة الصلاة؟ .. أمين الفتوى يجيب
  • هل الحج يُسقط الصلاة الفائتة أم يجب القضاء ؟ .. الإفتاء توضح
  • جولة حاسمة من المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية اليوم ولا اتفاق نهائيا ينهي المواجهة المفتوحة
  • هل تأخير الصلاة بسبب العمل عذر شرعي؟ أمين الفتوى يجيب
  • 5 صفات تجعلك من علماء الآخرة .. الإفتاء تكشف عنها
  • الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • فتاوى وأحكام| هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها.. هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟..إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟..هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟
  • «اعترضت وصورته».. ضبط شخص طلب أموالا من سيدة مقابل انتظار سيارتها بالقاهرة