محطات أساسية لتحقيق الذات (2)
تاريخ النشر: 26th, June 2024 GMT
سلطان بن محمد القاسمي
في مقالٍ سابقٍ، تطرقنا إلى فكرة أن رأس المال الحقيقي هو المعرفة، وأن الوقت يوازي قيمته بالذهب، فكلاهما، المعرفة والوقت، يحتاجان إلى تدبير وتخطيط دقيق، وإذا كنَّا قد اعتدنا على التصرف بعشوائية وارتجالية في أيام العمر وسنينه، وإهدار رأس المال من نقد ومعرفة وعلاقات، فإنِّه لحري بنا أن نوقف هذا النزيف القاتل، وأن نلتفت إلى أنفسنا بنظرة منصفة تدرك قيمة الحياة وقيمة الإنسان وقيمة الأيام.
دعونا نُسائِل أنفسنا عن العام الذي يرحل بأيامه وشهوره: هل حققنا فيه إنجازات ملموسة؟ أم أننا أضعنا فيه الكثير من الوقت والطاقة فيما لا فائدة منه؟ هل يعقل أننا لا نعرف كيف نوقف هذا الاستنزاف والتراجع في المكتسبات إلى الحد الذي نفرح فيه بمضي عام أضعنا فيه أكثر من 360 يومًا؟ ونتظاهر بأننا نحتفي بقدوم عام جديد... لكن على ماذا؟ يبدو أننا نعشق العيش في زمن المعجزات، فننتظر أن يكون عامنا الجديد مميزًا ومدهشًا. لا، يا أصدقاء، التغيير يبدأ مِنَّا نحن. نحن أصحاب القرار، وحاشا لله- عز وجل- أن ينصر قومًا رضوا بالكسل والقعود، وتركوا طريق الهِمَمِ العالية.
ولكي لا نمضي بعيدًا، ما الذي ينبغي أن نستعيده؟ أقول إنه لا بُد من وقفات جادة لمحاسبة النفس، وحشدها للمضي في نيل القمم، والمرور بمحطات للتزود لا للتوقف. ومن ذلك:
التركيز على الجودة بدلاً من الكم
هذه الاستراتيجية قد تختصر الطريق إلى النجاح بشكل لافت، وذلك من خلال تركيز الإنسان على نوعية الإنجاز بدلًا من كميته. يجب أن يتجنب الشخص إهدار وقته في الأنشطة غير الضرورية، مثل الذهاب والإياب دون حاجة، أو إضاعة يومه في تصفح الجوال وتطبيقاته دون هدف، ينبغي أن يكون هناك تركيز على الهدف وما يخدمه، لئلا نغفل عن الهدف. فعندما ينشغل الشخص بعد الأيام، قد يجد أن إنجازه مقتصرا على الذهاب للعمل والعودة منه، أو قضاء الوقت في تصفح البرامج التي لا تضيف شيئًا. فلا جدوى من موظف يقضي سنوات في العمل بمجرد توقيع وثائق، أو يحسب أن ذهابه وإيابه كافٍ لتحقيق إنجاز مُميز. بل يجب أن يتذكر أن كل واجب من واجباته الوظيفية أو المنزلية يجب أن يخدم هدفًا أكبر ينتظر التحقيق.
اكتشاف وتطوير أفضل ما فيك
يميل الإنسان بطبعه إلى التعلق بأشياء متعددة، ويحاول أن يرضي كل من حوله، أو يلبي كل ما تشتهيه نفسه. لكن الأهم هو التعرف إلى نفسه جيدًا، وتحديد الصفات أو القدرات والمهارات التي يتميز بها. يجب أن يركز على تطوير المهارات التي يمكن أن توصله إلى هدفه بدلًا من تشتيت وقته على جوانب متعددة دون تحقيق إنجاز حقيقي. فعلى الشخص أن يُحدد ميوله وإرادته القوية لتحقيق هدف معين، سواء كان ذلك في المجال العسكري، الأكاديمي، الأدبي أو غيره، وأن يضع خطة واضحة لتحقيق هذا الهدف دون تردد. هذا لا يعني أن المهارات لا تتعدد والإبداع لا يتسع، لكن المقصود هو التركيز من أجل التميز وتحقيق الهدف.
التركيز على الإيجابيات في الآخرين
مثلما يجب على الإنسان أن يركز على تطوير أفضل ما فيه، يجب أيضًا أن لا يشق نفسه في متابعة عثرات الآخرين وإخفاقاتهم. بدلًا من ذلك، يجب أن يركز على الجوانب الإيجابية في الآخرين. فلا يخلو أحد من عيوب، ولكن من المهم التركيز على الجوانب الجميلة والمحببة في كل شخص. إن التعامل مع الناس يتطلب منا رؤية الجانب المشرق فيهم، وعدم الانشغال بالعيوب التي قد تعكر صفو العلاقات وتؤثر على تقدمنا الشخصي. فالهدف هو معرفة الجوانب السلبية دون التورط فيها، والتركيز على ما يضيف قيمة إلى حياتنا من خلال العلاقات الإيجابية.
وفي ختام هذا التأمل.. نُدرِكُ أن الإنسان بحاجة إلى التركيز على نوعية الإنجاز، واكتشاف أفضل ما فيه وما في الآخرين، واستغلال ذلك لتحقيق أهدافه. إن النظرة الشاملة للحياة والعمل تجعلنا نفهم أن التغيير يبدأ من الداخل، وأننا نحن أصحاب القرار في رسم معالم حياتنا وتحقيق طموحاتنا. ولذا فإنَّ المحاسبة الدائمة للنفس والتحفيز المستمر هُمَا السبيل لتحقيق النجاح والتميز.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
بين محطات العلاج وقاعات الاختبار.. الناجية الوحيدة "أنفال" تعبر "التوجيهي" من قلب الفقد
إسطنبول - خاص صفا
لم تكن شهادة الثانوية العامة بالنسبة للطالبة "أنفال بركة"، مجرد ورقة تُطبع عليها الدرجات، بل كانت وثيقة ميلاد جديدة خطّت معالمها بالعزيمة والصبر.
أصرّت "أنفال"، التي تتلقى العلاج بتركيا منذ اصابتها بجراح خطيرة، على خوض امتحانات "التوجيهي" وجاهياً داخل القاعات المخصصة، متجاوزة جراحاً جصيمة وآلاماً لم تندمل بعد.
واليوم تعلن أنفال، نجاحها وتفوقها، رغم كونها الناجية الوحيدة، من مجزرة في بلدة بني سهيلا شرقي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، استُشهد فيها كامل أفراد أسرتها.
وكانت أنفال قد أُصيبت في الثالث عشر من نوفمبر 2023، بجروح حرجة طالت الرأس والحوض والقدم، لتشهد حياتها تحولاً قسرياً نقلها بين المستشفيات وغرف العمليات.
الالتحاق المتأخر تجاوزًا للجراح
يروي عمها مؤيد بركة لوكالة "صفا"، مسيرة دراستها، التي ترافقت مع رحلة علاجية طويلة، بدأت من غزة إلى مصر، ثم الجزائر، حتى استقر بها المقام في تركيا، منذ نحو عام ونصف.
يقول "على الرغم من استمرار الفحوصات والتدخلات الطبية، وحالة أنفال الحرجة، لكنها ظلت عينها شاخصة نحو هدف التعلم حتى نجحت بالتوجيهي".
ويوضح، تفاصيل هذه المحطة البارزة مشيراً إلى أن أنفال لم تبدأ العام الدراسي كبقية زميلاتها، منذ بدايته نظراً لخضوعها المكثف للعلاج وبرامج التأهيل الطبي.
يضيف "التحقت أنفال بالدراسة في الثانوية العامة مع بداية الفصل الثاني فقط".
ولكنه ينقل "إصرارها على تقديم الامتحانات وجاهياً، وليس عبر منصات التعليم الإلكتروني".
ويقول إن "هذا كان قراراً نابعاً من عزيمتها الصلبة على تحصيل العلم ومواجهة الظروف الاستثنائية التي مرت بها، رغم الآلام والتبعات الجسدية والنفسية لفقدان عائلتها بالكامل".
وتأتي قصة أنفال في ظل ظروف استثنائية يمر بها طلبة الثانوية العامة في فلسطين، ولا سيما أبناء قطاع غزة، الذين قدموا امتحاناتهم وسط تداعيات الحرب وتشتت العائلات والنزوح والمرض.
وأعلنت وزارة التربية والتعليم، صباح يوم الجمعة، نتائج الثانوية العامة في قطاع غزة والضفة الغربية.