هل تنتهي الحرب بنهاية العام كما توقّع قادة سودانيون؟
تاريخ النشر: 15th, September 2024 GMT
الخرطوم- توقع مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة السوداني إنهاء الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع قبل نهاية هذا العام، بينما يرجح خبراء أن الجيش يعول على الحسم العسكري لا المفاوضات، بعدما حصل على أسلحة نوعية، بالموازاة مع ذلك نشطت تحركات أفريقية وأميركية لإنعاش عملية السلام.
وخلال مخاطبته مؤتمر تطوير الخدمات الصحية بشرق السودان في منطقة أركويت، قال عقار إن "الحرب ستنتهي في ديسمبر/كانون الأول المقبل، وفيه يمكنك المشي في الشوارع من دون عصا"، واعتبر أن النزاع الحالي ليس حربا تقليدية، وإنما "حرب مرتزقة بلا هدف ولا عقيدة، تقودها قوى إقليمية".
يأتي حديث عقار في ظل تكثيف الجيش غاراته الجوية منذ الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول الجاري على قوات الدعم السريع في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار ومدن إقليم دارفور، ونشرت منصات قريبة من الجيش مقتل قيادات ميدانية بارزة للدعم السريع.
وقال ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للجيش، إن القوات المسلحة حصلت على أسلحة نوعية جديدة ستحدث تحولا كبيرا في المعركة وستسهم في تدمير "المليشيا المتمردة" قريبا، مؤكدا أن القوات المسلحة ستتحرك قريبا من جميع الاتجاهات لتحرير كل شبر من أرض السودان.
وجزم العطا -خلال مخاطبته ضباط الفرقة الثالثة مشاه في مدينة شندي بولاية نهر النيل- بأن نهاية "مليشيا الدعم السريع" باتت قريبة وأن ساعة النصر قد اقتربت.
وفي وقت سابق، قال عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للجيش شمس الدين كباشي، في لقاء مع صحفيين سودانيين ومصريين حضرته الجزيرة نت، إن الجيش يملك زمام المبادرة وسيرى الشعب قريبا متغيرات على الأرض.
لا مؤشرات على الحسممن جانبه، يعتقد الخبير العسكري والأمني عبد الله سليمان أنه لا توجد مؤشرات بأن هناك حسما عسكريا قريبا لصالح أي من طرفي النزاع رغم تحقيق الجيش تفوقا نسبيا في الفترة الأخيرة بفضل الطيران الحربي والمدفعية ودقة في إصابة أهداف وتدمير مركبات قتالية وخطوط إمداد ومخازن سلاح للدعم السريع، مما يشير إلى حصوله على أسلحة جديدة.
وفي حديث للجزيرة نت، يقول الخبير إن الجيش دخل خلال الفترة الماضية في مرحلة إعادة تنظيم، من حيث القوة البشرية، والتأمين اللوجستي لمواد تموين القتال، استعدادا لمرحلة جديدة في العمليات تستهدف تدمير القوة الصلبة لقوات الدعم السريع وإنهاكها والاستعداد للتحرك على الأرض عقب موسم الأمطار الذي تتوقف فيه العمليات البرية لصعوبة تحريك المركبات والمعدات العسكرية.
وبرأيه، فإن الخطاب الذي يتبناه الجيش يتجه نحو مزيد من التصعيد، وإعلانه عن حصوله على أسلحة نوعية تأكيد على تبنيه خيار الحرب، لكن هذا لا يعني أن الحسم سيكون قريبا، لأن أي نوع من الأسلحة الجديدة يحتاج لفترة تجهيز وتدريب، كما أن طبيعة حركة قوات الدعم السريع عبر مجموعات صغيرة تجعل الحسم العسكري صعبا ويأخذ وقتا أطول.
أما الخبير العسكري العميد المتقاعد إبراهيم عقيل مادبو، فيرى أن مالك عقار له خبرة قتالية طويلة ويتمتع بذهنية قتالية، وتوقعه بانتهاء الحرب خلال 3 أشهر أقرب للواقع، لأنه مطلع على عمل الأطراف المشاركة في المعركة ونقاط قوتها وضعفها وتحالفاتها والتكتيكات القتالية المتبعة.
وحسب حديث الخبير للجزيرة نت، فإن كل المعطيات تشير إلى أن قوات الدعم السريع بدأت في التراجع في محاور عدة بعد استخدام الجيش أسلحة نوعية وانفتاحه في مناطق جديدة، ولم تحقق قوات الدعم السريع انتصارا طوال الشهور الماضية، ولم تنجح إلا في دخول قرى آمنة خالية من الوجود العسكري والقصف العشوائي على مناطق سكنية في سنار وأم درمان، واعتبر ذلك مؤشرا على قرب انهيارها وفقدانها القيادة والسيطرة على الميدان.
وثمة مواقف أخرى من جهات داعمة أو موالية لقوات الدعم السريع حاولت التقليل من تصريح مالك عقار، ولكنها تغفل أن دخول أسلحة نوعية في المعارك عكستها مجريات القتال الأسبوع الماضي في مدينة الفاشر وولايتي الجزيرة والخرطوم بتلقي الدعم السريع ضربات موجعة دفعتها للانسحاب من بعض المناطق وفرار كثير من مقاتليها في عودة عكسية إلى ديارهم في إقليمي دارفور وكردفان، وفقا للخبير العسكري.
تحركات للسلاموبالموازاة مع التصعيد العسكري، نشطت تحركات سياسية لإنعاش عملية السلام، إذ أجرى مسؤولون من الاتحاد الأفريقي مشاورات في الإمارات والسعودية لبحث فرص وقف الحرب في السودان والتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وزار رئيس اللجنة رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي المعنية بالسودان محمد بن شمباس الرياض وأبو ظبي، وناقش مع مسؤولين في البلدين تنسيق الجهود الإقليمية والدولية بشأن أزمة السودان.
وأكد بن شمباس قناعة الاتحاد الأفريقي بأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة في السودان، مشددا على الحاجة الملحة إلى وقف إطلاق النار، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وبدء حوار سياسي شامل لوضع الأساس لسودان سلمي ومستقر.
كما نفذ المبعوث الأميركي إلى السودان توم بيرييلو جولة شملت السعودية ومصر وتركيا وسيختتمها بالدوحة، لتحريك مسار المفاوضات بعد غياب الحكومة السودانية والجيش عن مفاوضات جنيف أخيرا.
والتقى المبعوث الأميركي في القاهرة قوى مدنية وناشطين و3 كتل سياسية شملت قوى الكتلة الديمقراطية بزعامة جعفر الميرغني وتحالف الحراك الوطني برئاسة التجاني السيسي وتنسيقية العودة لمنصة التأسيس برئاسة محمد وداعة.
وقال القيادي في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول -في تصريح- إن بيرييلو أبلغهم بأنه مستعد لزيارة بورتسودان لإجراء مباحثات مع رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان وإنه ينتظر تأشيرة دخول السودان، وكان مجلس السيادة رفض طلب المبعوث لقاءه في مطار بورتسودان.
ويكشف محمد وداعة -في تصريح للجزيرة نت- عن أنهم أبلغوا المبعوث الأميركي أن حل الأزمة يبدأ بتنفيذ قوات الدعم السريع "إعلان جدة" والخروج من منازل المواطنين والأعيان المدنية.
ويوضح أن بيرييلو الذي جاء للقاء وحيدا انفعل في نهاية الاجتماع بعدما تحدث عن التعاون السوداني مع روسيا وإيران، واتهم الجيش بالتعنت نتيجة تأثيرات خارجية، وقال إنه على اتصال بقيادات في الجيش، لكنه فشل في الظهور كوسيط محايد ونزيه ولم ينتظر أي رد على حديثه وأنهى الاجتماع متعذرا بقرب موعد طائرته ولم تحدث أي تفاهمات أو نقاطا مشتركة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حراك الجامعات حريات قوات الدعم السریع مجلس السیادة أسلحة نوعیة على أسلحة
إقرأ أيضاً:
بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
بنك الذهب أم بنك الحرب؟
قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
عمر سيد أحمد
مقدمةتداولت منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب مؤخرًا مقترحًا بعنوان “بنك الذهب السوداني S.G.B”، لاقى ترحيبًا واسعًا من متابعين اعتبروه “فكرة جميلة قابلة للتنفيذ”. هذا المقال يقدّم قراءة نقدية لذلك المقترح تحديدًا، إذ يطرح المقترح نفسه كأداة سيادية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من انهيار العملة وتوقف نزيف تهريب الذهب. الفكرة في جوهرها التنموي معقولة: تعويم عملة مغطاة بالذهب، وإشراك المعدنين التقليديين كمساهمين بدل تركهم فريسة للتهريب. لكن حين يُفحص الهيكل التنظيمي المقترح بعين نقدية، تظهر عيوب بنيوية خطيرة تجعل المشروع، كما هو مصاغ، أقرب إلى إضفاء شرعية مؤسسية على اقتصاد الحرب القائم بالفعل منه إلى إصلاحه.
هذا المقال يقدّم نقداً تفصيلياً للمقترح، مدعوماً بالسوابق الفعلية من تجربة السودان نفسه خلال الحرب الجارية، ثم يطرح تصوراً بديلاً لمؤسسة مماثلة تُبنى على أسس الشرعية الدستورية والحوكمة الرشيدة.
أولاً: مكامن الخطر البنيوي في المقترح الحالي1. التأسيس بمرسوم سيادي لا بقانون برلماني
المقترح ينص صراحة على أن الكيان “تُؤسس بمرسوم سيادي وتُسجل وفق قانون الشركات لسنة 2015”. في غياب برلمان منتخب، فإن “المرسوم السيادي” في السياق السوداني الراهن يصدر عمليًا عن مجلس السيادة الذي يهيمن عليه قادة عسكريون. هذا يعني أن الجهة التي تُنشئ الكيان وتحدد صلاحياته هي ذاتها الجهة التي يُفترض أن يُراقبها الكيان لاحقًا — تناقض جوهري يُفرغ فكرة “الرقابة” من مضمونها قبل أن تبدأ.
القانون الذي يُنشئ مؤسسة نقدية بهذا الحجم (تصدر عملة موازية، تدير احتياطيًا سياديًا، تملك حصصًا في 18 شركة ولائية) يجب أن يمر عبر تشريع برلماني كامل يخضع للنقاش العلني والمساءلة، لا أن يُفرض بمرسوم فوقي.
2. الجيش كمساهم رأسمالي مباشر
البند الأخطر في المقترح هو تخصيص 10% من رأس المال التأسيسي (طن ذهب كامل) لوزارة الدفاع “مقابل تأمين المناجم والممرات اللوجستية”. هذا لا يمنح الجيش دورًا أمنيًا محدودًا، بل ملكية رأسمالية دائمة في مؤسسة نقدية سيادية.
هذا الترتيب يكرر بالضبط النمط الذي أنتج أزمة الذهب في السودان أصلاً. فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني حول الذهب والحرب في السودان، لم يكن تورط الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الجيش، قوات الدعم السريع) في تهريب الذهب حادثًا عابرًا أفلت من العقاب لغياب الأدلة، بل نتيجة تراكم استمر ثلاثين عامًا: اندماج تدريجي بين المصالح الأمنية والمصالح التجارية داخل الدولة، حتى تشكّل ما يصفه التقرير بـ“مركب عسكري-صناعي يسيطر على معظم اقتصاد السودان، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحوّل الموارد بعيدًا عن الموازنة العامة ومؤسسات الدولة”.
بعبارة أخرى: المشكلة لم تكن يومًا غياب الأطر القانونية أو الشراكات الرسمية بين الجيش والاقتصاد — بل إن هذه الشراكات كانت هي نفسها آلية الإفلات من المساءلة. ومنح وزارة الدفاع حصة ملكية رسمية (10%) في بنك الذهب الجديد ليس تفصيلاً تقنيًا قابلاً للتعديل لاحقًا، بل تكرار حرفي لنفس النمط الموصوف في التقرير: مؤسسة عسكرية تحصل على موطئ قدم رأسمالي معلن داخل قطاع اقتصادي سيادي. الفرق الوحيد أن الأمر سيصبح موثقًا في نظام أساسي رسمي بدل أن يحدث بشكل غير معلن كما جرى طوال العقود الثلاثة الماضية — وهو ما يجعله أصعب على الطعن أو التفكيك مستقبلاً، لا أسهل.
3. غياب الفصل بين من يملك السلاح ومن يملك الذهب ومن يراقب الاثنين
المقترح يذكر “تقريرًا ربع سنويًا مُدققًا” دون تحديد الجهة المدقِّقة. هل هي ديوان مراجعة مستقل؟ جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن؟ أم تدقيق داخلي من إدارة البنك نفسها؟ في غياب تحديد صريح، فإن “الشفافية” المعلنة تبقى شعارًا لا آلية.
4. تكرار تجربة فاشلة قائمة بالفعل
السودان يملك بالفعل شركة تعدين حكومية (Sudamin)، ومع ذلك لم تمنع هذه المؤسسة الرسمية انهيار الرقابة على القطاع. فمع اندلاع الحرب، توقفت الشركة عن أداء وظائفها الأساسية، و“توقفت الشركة الحكومية Sudamin عن توزيع المواد الكيميائية اللازمة للمعدنين، فامتلأ الفراغ الناتج بالتهريب من ليبيا ومصر وتشاد”. هذا يوضح أن وجود مؤسسة “رسمية” بحد ذاته لا يضمن شيئًا إن لم تكن محصّنة بحوكمة مستقلة فعلية.
في المقابل، النموذج الأكثر نجاحًا في السودان — من منظور من أداره — هو نموذج غير رسمي بالكامل: شبكة أعمال حميدتي التي غطت التعدين واللوجستيات والموانئ والاستيراد والتصدير وحتى شركات أمنية خاصة، وشكّلت بنية أشبه بـ”دولة داخل الدولة”، حيث سيطرت شركة الجنيد العائلية على مناجم ذهب استراتيجية. هذا هو بالضبط السيناريو الذي يجب تجنّب تكراره بثوب “مؤسسي” جديد.
5. الأرقام تكشف حجم الفشل حتى مع وجود بنية رقابية معلنة
حتى مع وجود جهات إشراف حكومية معلنة، تكشف الأرقام حجم الانهيار الفعلي في الرقابة على القطاع:
من أصل 74.6 طن أنتجها السودان في 2025، لم يُصدَّر عبر القنوات الرسمية سوى 20 طنًا فقط، بحسب تصريح وزير المالية في الحكومة المتحالفة مع الجيش نفسه — أي أن الجزء الأكبر يتسرب خارج أي نظام رقابي معلن. تشير التقديرات إلى أن قيمة الذهب المُهرَّب من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع تجاوزت 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025. تفيد التقارير بأن نحو 90% من الذهب السوداني المهرَّب يصل في نهاية المطاف إلى الإمارات، عبر طرق مباشرة أو دول عبور مثل تشاد وليبيا.هذه الأرقام تُبرهن أن المشكلة ليست غياب الأطر القانونية أو الشعارات الرقابية — فالسودان جرّب هذه الشعارات من قبل — بل غياب الاستقلالية الفعلية للجهة الرقابية عن الأطراف المسلحة المستفيدة من استمرار الفوضى.
ثانيًا: لماذا “الحوكمة الرشيدة” ليست ترفًا في هذا الملف تحديدًاأي مؤسسة تُدير احتياطيًا سياديًا من الذهب وتُصدر عملة موازية تمتلك بطبيعتها قوة اقتصادية وسياسية هائلة. إسناد هذه القوة لجهة تفتقر إلى الشرعية الانتخابية أو الرقابة البرلمانية يعني عمليًا استبدال “اقتصاد ظل” غير رسمي بـ”اقتصاد ظل” رسمي — أشد خطورة لأنه يحمل غطاء قانونيًا يصعب الطعن فيه لاحقًا.
الشرط الأول لأي إصلاح نقدي أو مؤسسي جاد في قطاع بهذه الحساسية هو: من يملك حق إنشاء المؤسسة ومراقبتها يجب ألا يكون طرفًا في الاستفادة المباشرة من مواردها.
ثالثًا: التصور البديل — مؤسسة ذهب سيادية تحت حوكمة شرعيةالمقترح البديل يحافظ على الفكرة الاقتصادية الجوهرية (تعبئة الذهب كأداة استقرار نقدي وإدماج المعدنين التقليديين) لكنه يعيد بناء الهيكل المؤسسي على أساس مختلف جذريًا.
1. الشرط الزمني والسياسي المسبق: لا مؤسسة قبل التحول المدني
لا يجوز تأسيس هذا الكيان إلا بعد:
إتمام تحول مدني حقيقي ينهي هيمنة أي طرف عسكري على القرار السياسي والاقتصادي، وليس تحولًا شكليًا يُبقي الجيش أو أي ميليشيا طرفًا في هيكل السلطة التنفيذية أو الاقتصادية. انتخاب برلمان تشريعي كامل الصلاحيات، عبر عملية انتخابية تنافسية مراقبة دوليًا، لا مجلس تشريعي معيّن أو انتقالي شكلي. إقرار دستور دائم أو وثيقة دستورية توافقية تُحدد بوضوح الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتمنع صراحة أي دور اقتصادي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية.أي محاولة لتأسيس مؤسسة نقدية سيادية قبل تحقق هذه الشروط، حتى لو حملت اسم “الشعب” أو “الشراكة الوطنية”، ستبقى عرضة للاختطاف من الطرف الأقوى ميدانيًا — كما تُظهر تجربة السودان نفسها مرارًا.
2. الأساس القانوني: قانون برلماني، لا مرسوم سيادي
يُنشأ الكيان بموجب قانون خاص يُقرّه البرلمان المنتخب بعد نقاش علني وجلسات استماع تشمل خبراء الاقتصاد النقدي، ممثلي المعدنين، منظمات مكافحة الفساد، وهيئات الرقابة المالية الدولية. يتضمن القانون آلية تعديل وإلغاء تمر أيضًا عبر البرلمان، لا عبر قرار تنفيذي أحادي. يخضع القانون لمراجعة المحكمة الدستورية للتأكد من توافقه مع مبدأ الفصل بين السلطات.3. الهيكل التنظيمي: فصل صارم بين الملكية والإدارة والرقابة
| الجهة | الدور | الضمانة |
| مجلس إدارة مستقل | إدارة العمليات اليومية | تعيين بالكفاءة عبر لجنة ترشيح برلمانية، لا بالتعيين السياسي المباشر |
| البرلمان (لجنة مالية دائمة) | رقابة تشريعية ومساءلة سنوية | جلسات استماع علنية، حق استدعاء الإدارة |
| ديوان مراجعة عام مستقل + مدقق دولي معتمد | تدقيق مالي وتقني | تقارير علنية غير قابلة للحجب، مُلزمة قانونًا |
| هيئة رقابة قطاع التعدين (مستقلة عن وزارة الدفاع والداخلية) | تتبع سلاسل التوريد ومنع الشراء من مناطق النزاع | تعاون مع آليات دولية معتمدة لتتبع المعادن (على غرار آليات OECD لسلاسل التوريد المسؤولة) |
| ممثلو المعدنين وحكومات الولايات | مقاعد تصويتية في الشركات الولائية | حصص ملكية حقيقية قابلة للتوريث والتداول، لا رمزية |
نقطة جوهرية: لا تملك أي مؤسسة عسكرية أو أمنية حصة رأسمالية في الكيان أو في شركاته الولائية. أي دور أمني مطلوب (تأمين مواقع التعدين) يُموَّل من الميزانية العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، عبر عقد خدمة محدد المدة والمقابل، لا عبر ملكية دائمة.
4. تأسيس بورصة سلع وطنية مرتبطة بالكيان
لضمان اكتشاف سعر عادل وشفاف بعيدًا عن احتكار البنك لتسعير الذهب المشترى من المعدنين:
تُنشأ بورصة سلع سودانية مرخصة (على غرار بورصات المعادن الإقليمية) تُدرج فيها عقود الذهب الفوري والآجل. يُلزَم الكيان الجديد ببيع وشراء الذهب عبر آليات البورصة العلنية، لا عبر تسعير داخلي أحادي كما ورد في المقترح الأصلي (“سعر البورصة – 3%” دون تحديد أي بورصة مرجعية فعلية قائمة). تخضع البورصة لهيئة مستقلة لسوق المال، منفصلة إداريًا عن بنك الذهب نفسه، لمنع تضارب المصالح بين من يُصدر الأداة النقدية ومن يُشرف على سوقها.5. آليات تتبع خاضعة لجهة تحقق خارجية
تسجيل بلوكتشين لكل معاملة، كما ورد في المقترح الأصلي، لكن بإشراف مشترك مع جهة دولية متخصصة في تتبع سلاسل توريد المعادن النفيسة، لا كنظام داخلي يديره البنك وحده. نشر بيانات مصدر الذهب وكمياته بشكل علني وقابل للتدقيق من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني، لا فقط “تقرير ربع سنوي” تصدره الجهة نفسها موضوع الرقابة. رابعًا: لماذا هذا التصور أكثر واقعية لا أقل طموحًاقد يُقال إن اشتراط تحول مدني كامل وبرلمان منتخب قبل تأسيس هذا الكيان يعني تأجيله إلى أجل غير مسمى في ظل الحرب الجارية. هذا الاعتراض له وجاهة، لكن البديل — تأسيس مؤسسة نقدية سيادية ضخمة بمرسوم فوقي وبمشاركة رأسمالية مباشرة لطرف عسكري — ليس “حلاً سريعًا”، بل تكرار موثق للنمط الذي أنتج الأزمة نفسها. فكما توضح تجربة “الجنيد” وشبكات التهريب القائمة، فإن إضفاء الشرعية المؤسسية على هيمنة السلاح على الذهب لا يُنهي اقتصاد الحرب، بل يُقوننه.
الأولوية الفعلية إذن هي: مسار سياسي يفضي إلى حوكمة شرعية أولاً، ثم بناء المؤسسات النقدية الكبرى على أساسها — لا العكس.
خاتمةمشروع “بنك الذهب السوداني” يعكس حاجة اقتصادية حقيقية وملحّة: استعادة السيادة النقدية ووقف نزيف الذهب الوطني. لكن حسن النية في الهدف لا يبرر هيكلاً مؤسسيًا يمنح الطرف المسلح ذاته الذي يُغذّي أزمة التهريب موطئ قدم رأسماليًا رسميًا داخل الحل المقترح. الدرس الذي تقدمه تجربة السودان الموثقة بوضوح هو أن الشفافية لا تُبنى بالشعارات أو أنظمة التتبع التقنية وحدها، بل بفصل صارم ومؤسسي بين من يملك القوة العسكرية ومن يملك الثروة ومن يراقب الاثنين — وهذا الفصل لا يتحقق إلا تحت مظلة حوكمة برلمانية منتخبة وقانون شرعي، لا مرسوم سيادي فوقي.
هذا المقال تحليل نقدي مستقل، ولا يمثل موقفًا رسميًا لأي جهة. المصادر المستخدمة تشمل تقارير Chatham House، The Soufan Center، ISPI، Africa Defense Forum، وSudan Tribune حول اقتصاد الذهب في الحرب السودانية.
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:[email protected]
يوليو 2026
الوسوماقتصاد الحرب الجيش السودان الشرعية المؤسسية بنك الحرب بنك الذهب تشاتام هاوس حوكمة شرعية عمر سيد أحمد ليبيا مشروع بنك الذهب السوداني هيمنة السلاح