لجريدة عمان:
2026-07-24@11:07:55 GMT

الفزاعة

تاريخ النشر: 25th, March 2025 GMT

الفزاعة

وأنا أقرأ رواية "الفزاعة" لبدرية البدري، شعرتُ أنني عالقة بين الفزاعة وزياد، بين المقاومة واللاجدوى، بين الهلع والسكينة، وسؤال عالق: هل الفزاعة كيان حقيقي أم خيال زياد؟ هل هي شيء مستقل عنه، أم أنها جزء من وجدانه؟ هذا التداخل الذي خلق توترا سرديا دفعني للتساؤل، لكنه في نفس الوقت عكس حالة زياد النفسية، الذي لم يعد قادرا على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، لأن صدمته غيرت طريقته في إدراك العالم.

رغم كل الألم الذي تحمله الرواية، إلا أنها لا تغرق في السوداوية، بل تقدم في النهاية رسالة: "الحياة تستمر، حتى بعد أقسى الخسارات"، العثور على حبة البطاطا لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان بمثابة إشارة إلى أن الأمل قد يكون مدفونا، لكنه موجود، وأن من يبقى على قيد الحياة، لا يجب أن ينظر إلى ذلك على أنه عقوبة، بل كفرصة جديدة للبحث عن معنى وسط الفوضى.

عند الغوص في رواية الفزاعة، يجد القارئ نفسه أمام نص يمزج بين الواقعية المؤلمة والرمزية العميقة، حيث تتحول الحرب من مجرد خلفية للأحداث إلى قوة قاهرة تفرض وجودها على كل تفصيلة في السرد.

قدمت الكاتبة رواية تدمج بين البعد النفسي، الاجتماعي، والفلسفي، حيث لم تكتفِ برصد مأساة شخصية، بل فتحت المجال لطرح أسئلة أوسع حول الحرب، الهُوية، والذاكرة، بلغة مكثفة، وأسلوب سردي يحمل في طيّاته تلميحات رمزية تجعل النص متعدد الأبعاد، مما يمنحه قيمة فكرية تتجاوز مجرد الحكاية.

منذ البداية، لا تُقدم الرواية على أنها حكاية بطل تقليدي يسعى للنجاة، بل تتخذ منحى فلسفيا يطرح تساؤلات وجودية عن الفقد، والنجاة، والمقاومة، والذاكرة التي تصبح عبئا حين تتحول إلى أشباح تُطارد من بقي على قيد الحياة. زياد، بطل الرواية، ليس مجرد طفل فقد عائلته، بل هو ما يخلفه كل صراع وحرب، يجد نفسه أمام أسئلة لا إجابات لها، يقف على خط رفيع بين الحياة والموت، بين الرغبة في الاستسلام والقدرة على المقاومة، بين أن يكون مجرد ضحية أو أن يتحول إلى شاهد على مأساة جيله.

تمر شخصية زياد بتحولات نفسية حادة، تبدأ بالذهول والصمت، ثم تتحول إلى حالة من الغضب المكبوت، فالرغبة في اللحاق بعائلته، قبل أن يدخل في مرحلة التيه الذهني، حيث يصبح الحقل والفزاعة جزءا من وجدانه، هذه التحولات تعكس التجربة النفسية لمن يتعرض لصدمات حادة، فيتحول الشعور بالذنب إلى وحش ينهش الروح، ويتحول البحث عن إجابة لسؤال "لماذا بقيت؟" إلى رحلة طويلة من المعاناة.

تلعب "الفزاعة" في الرواية دورا مركبا، فهي ليست مجرد مجسم خشبي مهمل في الحقل، بل شريك صامت في معاناة زياد، وكأنها المرآة التي تعكس حالته النفسية. في البداية، تبدو مجرد شيء جامد، لكنها سرعان ما تتخذ شكلا أكثر تعقيدا، فتصبح كيانا يحمل دلالات متعددة، وكما بقيت الفزاعة واقفة رغم الدمار، بقي زياد وحده، وكأن كليهما يتشاركان المصير ذاته، وهي الشاهد على الخراب، كما شهدها زياد، وكأنها تحفظ ذاكرة الأرض.

وبقاء "الفزاعة" وسط الخراب يطرح تساؤلا: هل تقف لأنها قوية، أم لأنها بلا روح؟ هل بقاؤها نوع من الصمود، أم أنه مجرد عبث؟ وكذلك زياد، هل استمراره هو فعل مقاومة، أم مجرد عجز عن اتخاذ قرار الرحيل؟

كما تفتح الرواية باب الأسئلة حول تأثير الفقد على الهُوية، فزياد الذي فقد عائلته، يجد نفسه فاقدا أيضا لذاته، لا يعود يعرف من هو خارج إطار العائلة التي كانت تحدد وجوده، وحين يفقدهم، يبدأ في البحث عن ذاته بين الأنقاض، وفي ظل "الفزاعة"، وفي طين الأرض الذي يخفي داخله حبة البطاطا، التي تصبح نقطة التحول في الرواية.

حبة البطاطا تلك ليست مجرد اكتشاف بسيط، بل هي لحظة رمزية مكثفة، إذ تعني أن الحياة لم تنتهِ بعد، وأن الأرض، رغم الدمار، لا تزال قادرة على العطاء، في هذه اللحظة، يدرك زياد أن الذاكرة، رغم كونها مؤلمة، يمكن أن تكون أيضا مصدرا للأمل، وأن من يحمل الذكريات لا يعني بالضرورة أنه محكوم بالمعاناة، بل ربما تكون تلك الذكريات هي القوة التي تجعله يستمر.

لا تكتفي الرواية بمناقشة تجربة زياد الشخصية، بل تسلط الضوء على قضية أعمق تتعلق بذاكرة المجتمعات التي تعيش الحروب، كيف يتعامل المجتمع مع جيل الحرب؟ هل يحاول تضميد جراحه، أم يسعى لنسيانها؟ وتقدم غير مباشر للمجتمعات التي تحاول إخفاء معاناة الناجين، بدلا من منحهم فرصة للحديث والبوح واستيعاب الألم.

"فزاعة" بدرية البدري هنا لا تمثل فقط مأساة فردية، بل هي تجسيد لواقع أوسع، حيث تتحول الحرب إلى شيء يُراد طمسه بعد انتهائها، رغم أن آثارها لا تمحى بسهولة، وتشير الرواية إلى أن محاولات تجاهل المعاناة لا تعني زوالها، بل قد تؤدي إلى تراكمها في الذاكرة الجمعية، مما يجعلها تعود بطرق أكثر تعقيدا في الأجيال القادمة.

في النهاية، الفزاعة ليست مجرد رواية عن طفل في زمن الحرب، بل هي قصة عن الإنسان في مواجهة مصيره، وعن كيف يمكن للحياة، حتى في أكثر اللحظات ظلاما، أن تجد طريقًا للاستمرار.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي

أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.

وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.

وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.

وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.

وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.

وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.

مقالات مشابهة

  • ما هي تسريحات الشعر التي رسمت ملامح النجمات في صيف 2026؟
  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • إيران تحيّد حزب الله الذي لم يعد مخيفاً!
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه