آخر تحديث: 27 مارس 2025 - 2:59 مرحيم رزاق الجبوري لا تزال الذاكرة العراقية تحتفظ بأعمال مسرحية خالدة من حيث المضمون والسيناريو والفكرة والإخراج والتمثيل. ومنها: “الخيط والعصفور”، و”المحطة”، و”بيت وخمس بيبان” وغيرها. والتي أصبحت معيارا لكل عمل يقدم على المسارح العراقية. لأنها دخلت لنفوس العراقيين وقلوبهم، وحافظت على الذائقة العراقية -لا سيما البغدادية منها- مشفوعة بالمفردة الخالية من الخدش، والكلمات البذيئة، مرورا بثيمة العمل التي تطرح جوانب اجتماعية وإنسانية يتعاطف معها المتلقي.

ومما لا شك فيه هناك غياب ملحوظ منذ فترة ليست بالقصيرة لنشاط مسرحي شعبي يذكر؟ واكتفى الفنانون العراقيون بعروض تجريبية، تقدم للنخبة والمهتمين بالشأن المسرحي لأيام معدودات؛ حيث تلاشت العروض المسرحية التي كانت تتجمهر العائلات العراقية؛ لاقتناء التذاكر والولوج لمشاهدة عرض مسرحي يستمتعون بما يتناوله من موضوع اجتماعي لا يخلو من قفشات ووصلات فكاهية. ما سر هذا الغياب والتراجع الكبيرين؟ وما أسبابه؟ وكيف للقائمين على هذا المفصل المهم والحيوي في جسد الثقافة العراقية؛ أن يبثوا الروح فيه من جديد؟ وتعاود صيحات وهتافات الجماهير -كما كانت- مصفقة ومهللة للممثلين بعد أن ترفع ستارة المسرح؛ إيذانا ببدء عرض مسرحي جديد؟  تاريخٌ حافل يقول الناقد والسينارست، سعدي عبد الكريم: “إن المسرح العراقي يعد من المسارح العربية التي انحازت منذ بداياتها المبكرة إلى ما اسميها بـ(الفرجة الشعبية)، التي أخذت على عاتقها مخاطبة شرائح مختلفة من الجمهور العراقي، وقد نجحت الفرق المسرحية الأهلية في اعتمادها على نصوص مسرحية ألفها كتاب مسرح عراقيين، والبعض الآخر منها عروض لنصوص عالمية، ولقد اتَّسمت تلك العروض بالطابع الثوري والاحتجاجي المعارض الذي يدعو إلى التحرّر من الهيمنة الاستعمارية”. ويضيف: “وقد تلت هذه المرحلة، مرحلة أخرى نجح المسرح العراقي من خلالها وعلى مدى عقود طويلة في المحافظة على هويته الخاصة به، من خلال العروض الجادة وتسيّده في المهرجانات المسرحية على المسرح العربي وحصد للجوائز الكبرى فيها، وأما ما يتعلق بالمسرح الشعبي، فقد أنتج المسرح العراقي عروضا بالغة الجودة في طرحها الفكري، واكتمال نضجها الفني والجمالي عبر ملهمات التأليف والإخراج، والتمثيل، فكانت عروضا شعبية بامتياز استمر عرضها لسنوات، عديدة وهي تستضيف العائلة العراقية في مسارحها”. ولادات هجينة ويتابع، بالقول: “قد تخللت هذه العروض المسرحية الشعبية بعض العروض الهابطة التي جاءت هجينة الولادة والأصل، فشوهت التاريخ الناصح للمسرح العراقي، ويبدو بأنها مصرة على الاستمرار في عروضها الفاشلة مع معرفتها المسبقة بأنها تحدث ضررا كبيرا على مستوى الفحوى الجمالية من جراء تفشيها في الجسد المسرحي العراقي، وهذا لا يغبن حق المحاولات الجادة في المسرح الشعبي، التي تحتاج إلى دعم مادي ومعنوي من الجهات الحكومية الرسمية لتمويل نتاجها المسرحي، باعتباره نتاجا نموذجيا صالحا للعرض، مع احتفاظ المؤسسة الداعمة بحق الإشراف على تلك العروض، والوقوف على انساق جودتها، وعدم خروجها عن متن الجدوى الأخلاقية والتربوية والتعليمية، والتي تسمح لها بالعرض أمام العائلة العراقية”. ويختم حديثه، بالقول: “إن فن المسرح، هو المؤسسة المعرفية، والفكرية، والإنسانية، والأخلاقية التي تأخذ على عاتقها النهوض بمستوى الوعي الجمعي وتخليصه من الشوائب العالقة في جسده”. اختلافٌ وتغيير بدوره يرى المخرج المسرحي الفنان كاظم نصار، أنه: “بعد عام 2003 والتغيير الذي جرى، فضلا عن دخول التكنولوجيا؛ توارى ما نسميه بالمسرح التجاري أو الاستهلاكي. لأن التلقي اختلف والحياة قد تغيرت. ولكن إذا كنا نقصد المسرح الشعبي بمفهومه الأكاديمي والاقتراب من الناس فهو يطل برأسه بين فترة وأخرى عبر مجموعة من العروض؟ وطبعا، وبسبب الظرف العراقي المتحول والمتحرك وعدم استقرار الدعم المالي لم تنجح أغلب الخطط في استعادة المسرح الشعبي”.ويضيف: “إن ما موجود حاليا هي عروض متنوعة تنتمي للتجريب وبعضها يحاول أن يقترب من الجمهور وهذا سعي جيد لكنه ليس ثابتا. فالجيل الحالي يسمع عن عروض مسرحية كالخيط والعصفور، والمحطة وسواهما، ويتعجب عن زهو المسرح في ذلك الوقت، ولكنه يستغرب عن سبب اضمحلاله؟”.وعن كيفية، كسب الجيل الحالي، لا سيما أنه قد نشأ على ثقافة صورية أثقلت عينه، وثقافته؟ أجاب الناقد والباحث في مجال الفن المسرحي، قائلا: “ذاك زمن قد مضى، ولا أظن أنه سيعود. فلقد تغلغلت التكنولوجيا على جميع الأصعدة، وأصبحت هي سمة العصر، ومن الصعب العودة إلى الوراء؛ لأن جمهور المحطة وسواها أصبحوا شيوخا وعجائز، وهذا الجيل له ثقافته ووعيه المختلفين”. أسبابٌ وعوائق فيما يؤكد الكاتب والمخرج مسرحي كفاح عباس: أن “المسرح يزدهر في البلدان المستقرة أمنيا وشعبها يتمتع بالأمان والاطمئنان. وإن سبب غياب المسرح الشعبي وكذلك المسرح الجاد يعود لأسباب أمنية، حيث خاض العراق حروبا متتالية زعزعت الاستقرار. ومن ناحية أخرى أصبح المسرح تعبويا يروج للسلطة ونظامها الشمولي مما قيد العديد من مستلزمات المسرح على مستوى الفكرة والأداء. ولهذا انبثق المسرح التجاري الربحي بإدارة أناس طارئين ليس لهم علاقة بالفن ولا بالمسرح؟ إضافة إلى ظهور الممثل غير الملتزم الذي أخذ شهرته بالإسفاف والتهريج الواضحين”. ويضيف: “بعد رياح التغيير التي أعقبت عام 2003. دُمِرَتْ كل المعايير الأخلاقية والبنى التحتية لقاعدة المسرح؟ إضافة إلى وصول المتشددين إلى سدة الحكم، والذين يعتبرون المسرح محرما. كما ولعبت الورقة الطائفية التي مر بها البلد في العاصمة بغداد، وبقية المحافظات فترة مظلمة لكل ما هو جميل”.ويشير، بالقول: “إن عدنا للذاكرة الجمعية لفترة السبعينيات؛ لوجدنا أن المسرح في انتعاش ملموس. وتوجه العائلة العراقية لمشاهدة العروض المسرحية؛ وذلك بسب رصانة الإنتاج والمعايير الفكرية والجمالية التي يقدمها المسرح. أما اليوم بات لزاما على المؤسسة الثقافية المتمثلة بوزارة الثقافة ونقابة الفنانين؛ أن تدعم هذا الفن المهم إضافة إلى بقية الفنون؛ لأنها تمثل الواجهة الحضارية للبلد. وإن تدعم الفنان، وتولي اهتماما به على طول الخط. فالمهرجانات التي تقام دوريا وسنويا؛ تكاد تكون غير كافية ما لم تصل إلى الطموح الذي ينشده الفنانون”. محاولات ويتابع: “في الآونة الأخيرة هناك محاولات لإعادة المسرح الشعبي، الذي يلقى تقبلا واهتماما من قبل الجماهير المحبة للفن والثقافة؛ بعد أن شهد البلد فسحة استقرار أمني يتيح لذوي الاختصاص المسرحي من أن يؤدوا دورهم الإبداعي على مستوى التأليف والإخراج والتمثيل بتقديم عروض ترتقي إلى مستوى الطموح. ولكن، هل يلقى الفنان الدعم الكافي من قبل وزارة الثقافة ونقابة الفنانين؟ وهل سينجح المسرح بتخطي العقبات ويستقطب الجمهور لمشاهدة العروض، في بلد فيه الاستقرار الأمني نسبي، ولا من حلول واضحة في ظل تردي الخدمات وتراكم الأزمات؛ فمن الصعب أن نتحدث عن الكمال في المسرح والفن والجمال بشكل عام”. تراجعٌ وغياب المخرج حاتم عودة (مدير قسم المسارح في دائرة السينما والمسرح)، يبين أهم أسباب تراجع المسرح الشعبي في العراق. وغياب الأعمال المسرحية الشعبية، قائلا: “هناك عدة عوامل وراء هذا التراجع، أهمها التغيرات الثقافية والاجتماعية، التي جعلت الجمهور يفضل وسائل الترفيه الحديثة على المسرح التقليدي. إضافة إلى ظهور المنصات الرقمية مثل Netflix وYouTube، التي جذبت الجمهور نحو المحتوى الرقمي، فضلا عن قلة الدعم المالي الذي يشكل تحديا كبيرا لاستمرار العروض المسرحية”. كما يشير إلى “نقص اهتمام الشباب بالمسرح التقليدي، بجانب التحديات اللوجستية في إنتاج العروض المسرحية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي كمنافس جديد يوفر محتوى سريعا وجاذبا للجمهور. وغياب التجديد في المواضيع، فضلا عن الأزمات الاقتصادية التي تعد أحد الأسباب المؤثرة في هذا التراجع”.أما في ما يتعلق بقدرة الفنانين العراقيين على إنتاج أعمال تضاهي روائع الماضي مثل “الخيط والعصفور” و”المحطة”، يوضح عودة: “أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي مر بها العراق، قد أثرت بشكل كبير على الإنتاج المسرحي”. لافتا إلى “أن تغير الأذواق وتراجع الإمكانيات المادية، إلى جانب ظهور مواهب جديدة، كلها عوامل تلعب دورا في المشهد الحالي”. مشددا على أن “الفن المسرحي لا يزال يحمل إمكانيات كبيرة، لكن المقارنة بين الماضي والحاضر ليست دائما عادلة، نظرا لتأثير الذاكرة الجماعية في تضخيم الماضي”. توصيات وعن خطط إحياء المسرح الشعبي، يرى عودة إن “هناك عدة آليات ممكنة، أبرزها دمج التكنولوجيا الحديثة في العروض المسرحية لجعلها أكثر جاذبية، مثل استخدام الواقع الافتراضي والبث المباشر”. مشيرا إلى “أهمية تعزيز المشاركة المجتمعية من خلال إقامة ورش عمل وعروض متنقلة، فضلا على تطوير المحتوى عبر تقديم نصوص معاصرة وإعادة تقديم الكلاسيكيات بأسلوب جديد”, مؤكدا في ختام حديثه على “ضرورة الدعم المالي، وتدريب الإداريين لضمان استمرارية المسارح، بالإضافة إلى تكثيف التسويق والترويج من خلال تنظيم حملات توعية وعروض بأسعار رمزية، وإدخال المسرح في المناهج التعليمية لتعريف الجيل الجديد بهذا الفن الملهم”.

المصدر

المصدر: شبكة اخبار العراق

كلمات دلالية: العروض المسرحیة المسرح الشعبی إضافة إلى

إقرأ أيضاً:

التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح

23 يوليوز، 2026

بغداد/المسلة:

محمد الكعبي

حين تُذكر التجارب التنموية الناجحة في آسيا، تتصدر ماليزيا قائمة الدول التي استطاعت، خلال عقود قليلة، أن تتحول من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد متنوع يقوم على الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وقيادة امتلكت الإرادة السياسية، واستثمرت في الإنسان قبل الاستثمار في الحجر، فكان التعليم، وبناء المؤسسات، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، ومحاربة الفساد، ركائز أساسية في مشروع النهضة الماليزية.

وفي المقابل، يقف العراق اليوم أمام تحديات كبيرة، رغم ما يمتلكه من ثروات نفطية وغازية، وأراضٍ زراعية واسعة، وموقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية واعدة، إلا أن هذه الإمكانات لم تتحول بعد إلى تنمية مستدامة بسبب تراكم المشكلات الإدارية والاقتصادية، وضعف التخطيط،
وتعدد القيادات والاحزاب بشكلها السلبي واعتماد الاقتصاد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، فضلاً عن الفساد الإداري والمالي، وعدم استقرار السياسات العامة والمحسوبية والمحاصصة،  نعم اليوم نلمس خطوات لتغيير الواقع  وهي ايجابية وتبشر بالأفضل.

إن المقارنة بين العراق وماليزيا لا تهدف إلى إغفال اختلاف الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية،

فلكل دولة خصوصيتها، لكنها تؤكد حقيقة مهمة، وهي أن الموارد وحدها لا تصنع الدول، وإنما تصنعها الإدارة الرشيدة، والمؤسسات الكفوءة، وسيادة القانون، والاستثمار في الإنسان، فالتاريخ يثبت أن دولا فقيرة بالموارد حققت قفزات تنموية كبيرة، بينما بقيت دول غنية
بالثروات تعاني من التعثر بسبب سوء الإدارة وضعف الحوكمة.

لقد نجحت ماليزيا في تنويع اقتصادها، وربط التعليم بحاجات سوق العمل، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وبناء بيئة اقتصادية مستقرة، والعراق قادر على الاستفادة من هذه الدروس من خلال تبني إصلاحات حقيقية تشمل تطوير التعليم، ودعم القطاع الخاص، وتنشيط الصناعة والزراعة والسياحة، وتحديث البنية التحتية، والتحول الرقمي، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية، وترسيخ مبدأ الكفاءة في إدارة الدولة وتسييد القانون.

ولا يعني ذلك استنساخ التجربة الماليزية بحذافيرها، فلكل بلد واقعه الخاص، لكن المبادئ العامة للنجاح واحدة: وضوح الرؤية، واستقرار السياسات، والشفافية، والمساءلة، وحسن إدارة الموارد، والاعتماد على التخطيط العلمي والجدية في العمل بعيدا عن الارتجال والحلول المؤقتة.

إن العراق لا يعاني من أزمة موارد، بل من تحدي تحويل هذه الموارد إلى فرص تنموية حقيقية، وما يحتاجه اليوم هو مشروع وطني طويل الأمد تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، ويضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، ويؤسس لاقتصاد منتج قادر على توفير فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة.

إن التجربة الماليزية، إلى جانب تجارب تنموية أخرى، تؤكد أن النهضة ليست حلما مستحيلاً، بل مشروعا يبدأ بفكرة، ويتحول إلى رؤية، ثم إلى سياسات، فبرامج عملية، حتى ينعكس أثرها على حياة المواطن، فنجاح الدول لا يُقاس بكثرة الخطط والوعود، وإنما بقدرتها على تنفيذها، وبما
تحققه من رفاه واستقرار وعدالة لمواطنيها، وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يستوعبها العراق وهو يرسم طريقه نحو المستقبل خصوصا اليوم ونحن نعيش التحولات الإقليمية والعالمية وتسارع الأحداث وتداخل المصالح.

تشير المؤشرات الاقتصادية إلى حجم الفجوة في مسار التنمية بين البلدين، إلا أن الفارق الجوهري لا يكمن في حجم الاقتصاد فقط، بل في
بنيته؛ إذ يعتمد العراق بصورة كبيرة على النفط الذي يشكل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية ومعظم الصادرات، في حين نجحت ماليزيا في بناء اقتصاد متنوع تقوده الصناعات التحويلية والإلكترونيات والخدمات والسياحة، وتعد الآلات والمعدات الكهربائية والإلكترونية من أبرز صادراتها.

ان الناتج المحلي الإجمالي (2024):  لماليزيا نحو 445 مليار دولار، بينما بلغ في العراق نحو 260–270 مليار دولار (بحسب تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، إلا أن الاقتصاد الماليزي يتميز بتنوع مصادر دخله، بخلاف الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بصورة كبيرة على النفط.

تنوع الصادرات: تشكل الإلكترونيات والرقائق الإلكترونية والآلات والمعدات الطبية والمنتجات الكيميائية وزيت النخيل جانبا كبيرا من صادرات ماليزيا، في حين تمثل الصادرات النفطية أكثر من 95% من صادرات العراق، الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية.

الاستثمار الأجنبي المباشر: استطاعت ماليزيا استقطاب مليارات الدولارات سنويا من الاستثمارات الأجنبية بفضل الاستقرار التشريعي
وسهولة ممارسة الأعمال، بينما ما يزال العراق يواجه تحديات مرتبطة بالبيئة الاستثمارية والإجراءات الإدارية والبنية التحتية والأوضاع الأمنية وتحكم بعض الشخصيات والاحزاب مما يعيق التنمية والتطور.

التحول الرقمي: قطعت ماليزيا شوطا متقدما في الحكومة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي، وأصبح القطاع الرقمي أحد أهم محركات النمو،
بينما لا يزال العراق في مرحلة تطوير البنية الرقمية وتوسيع الخدمات الحكومية الإلكترونية.

البطالة ورأس المال البشري: تبلغ البطالة في ماليزيا مستويات منخفضة نسبيا (نحو 3–4%)، بينما تواجه العراق معدلات أعلى، ولا سيما بين الشباب، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم والتدريب المهني وريادة
الأعمال ضرورة استراتيجية، وهو ما يبرز أهمية بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الشفافية، وترسيخ سيادة القانون بوصفها متطلبات أساسية

لجذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة.

أما في مجال التعليم، فقد جعلت ماليزيا الاستثمار في رأس المال البشري محورا رئيسا لخططها التنموية، وربطت مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل والصناعة والتكنولوجيا، وهو ما أسهم في رفع تنافسية الاقتصاد وزيادة الإنتاجية، وفي المقابل، يمتلك العراق قاعدة بشرية شابة وطاقات علمية كبيرة، إلا أن تحويلها إلى قوة اقتصادية يتطلب إصلاحا شاملا لمنظومة التعليم، وتطوير التعليم التقني والمهني، ودعم البحث العلمي والابتكار، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد
الحديث، ولعل أهم ما تعلمنا إياه التجربة الماليزية، إلى جانب التجارب التنموية الأخرى، أن النهضة تبدأ عندما تتحول الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالتنمية الحقيقية ليست في كثرة الخطط، وإنما في جودة التنفيذ واستدامة الإنجاز.

إن نجاح التجربة الماليزية لم يكن معجزة اقتصادية، بل ثمرة إرادة سياسية، واستقرار في السياسات، وإدارة كفوءة، واستثمار متواصل في الإنسان، والعراق، بما يمتلكه من ثروات طبيعية وموقع جغرافي متميز ورأس  مال بشري واعد، لا تنقصه الإمكانات، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني جامع يقوم على التخطيط العلمي، وسيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، وتحويل الثروة النفطية من مورد للاستهلاك إلى رافعة للإنتاج والاستثمار، ولا يمكن إغفال أن نجاح التجربة الماليزية لم يكن نتيجة السياسات الاقتصادية وحدها، بل جاء ثمرة توافق سياسي نسبي، واستقرار مؤسسات الدولة، واستمرار الخطط التنموية عبر الحكومات المتعاقبة، وهو ما وفر بيئة مناسبة للاستثمار والإنتاج، أما العراق، فإن من أكبر تحدياته يتمثل في عدم استقرار السياسات العامة وتغير الأولويات، الأمر الذي ينعكس سلبا على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، لذلك فإن نجاح أي مشروع تنموي عراقي يتطلب
بناء توافق وطني حول الأولويات الاقتصادية، وإبعاد الملفات التنموية عن التجاذبات
السياسية، لضمان استمرارية الإصلاحات وتحقيق أهدافها.
العراق اليوم يقف أمام فرصة تاريخية؛ فموارده
المالية، وموقعه الجغرافي، وطاقاته البشرية، تؤهله ليكون من الاقتصادات الصاعدة في المنطقة إذا ما توافرت الإدارة الرشيدة، وسيادة القانون، والاستقرار التشريعي، والاستثمار الحقيقي في الإنسان وتحديد الأولويات والابتعاد عن الصراعات والتنافس الصفري ويحتاج العراق إلى قيادة موحدة وليس متعددة لكي يملك قراره، لا ان يعيش البلد تحت سلطة الاحزاب والبيوتات.

إن المستقبل لا تصنعه الأمنيات، وإنما تصنعه القرارات الجريئة، والتخطيط العلمي، والتنفيذ المتقن، وحين ينجح العراق في تحويل ثروته النفطية إلى قاعدة للإنتاج والصناعة والمعرفة، سيكون قادرا على تقديم تجربته التنموية الخاصة، المستلهمة من نجاح الآخرين والمنطلقة من خصوصيته الوطنية، ليصبح نموذجا يُحتذى كما أصبحت ماليزيا اليوم، عندئذٍ لن تكون التجربة الماليزية مجرد قصة نجاح تُروى، بل نموذجا يُستلهم في بناء تجربة عراقية أصيلة، تنطلق من خصوصية العراق، وتستفيد من خبرات الأمم، لتصنع مستقبلًا أكثر استقرارا وازدهارا للأجيال القادمة.

المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author زين

See author's posts

مقالات مشابهة

  • أسر الوظيفة العامة: معضلة العقود والخريجين في ميزان الدولة وغياب القطاع الخاص
  • محمد رياض: تكريم الفنانة شهيرة جاء استنادا إلى تاريخها المسرحي وليس لأي اعتبارات شخصية
  • بعد تقرير منظمة العمل الدولية... هل يستطيع سوق العمل اللبناني النهوض مجدداً؟
  • الموت يغيّب فاروق هلال فيلسوف الموسيقى العراقية
  • عوامل إيجابية أهلّت مجتمع الأنصار لشرف حمل الرسالة الإلهية ونصرتها
  • الخرف لا يصيب المريض وحده!.. دراسة تكشف خطره على شريك الحياة
  • الدينالي: أزمة الكهرباء تعود عدة عوامل متداخلة منها الفنية والسياسية والأمنية
  • المطرب الشعبي شيكو ينجو من حادث سير: “اتكتبلي عمر جديد”
  • محكمة الانقلاب الدستورية: بقايا الإنقاذ و”قضاة الدفاع الشعبي”..!
  • التجربة الماليزية العراقية بين المعوقات والنجاح