خالد عمر يوسف يكتب: لهذه الأسباب يتخوفون من الحلول التفاوضية
تاريخ النشر: 11th, May 2025 GMT
خالد عمر يوسف يكتب: لهذه الأسباب يتخوفون من الحلول التفاوضية
اتفقت الهند وباكستان اليوم على وقف لإطلاق النار ليقوما باحتواء الأزمة التي تفجرت بينهما عقب أحداث كشمير الأخيرة التي قادت البلدين لنذر حرب نحمد الله أنهم قد غلبا صوت الحكمة سريعاً للرجوع عنها. سبق ذلك الاتفاق الذي قامت به الإدارة الأمريكية مع الحوثيين لوقف إطلاق النار بالتزامن مع مفاوضاتها مع إيران حول الملف النووي.
الناظر في هذا المشهد الدولي والإقليمي من حولنا يجد نشاطاً غير مسبوق في إخماد حرائق الحروب، والسعي نحو معادلات جديدة يسود فيها السلام وتعلو لغة المصالح المتبادلة عوضاً عن الدمار والخراب. بكل أسف فإن بلادنا الغالية لم تدخل بعد في هذه الدائرة، إذ أن بنيها يصمون الآذان عن كل قول أو فعل قد يقود للسلام. تجاوزت حرب السودان العامين وإن أثبتت حقيقة واحدة، فقد برهنت على صعوبة بلوغ أي طرف لغاية الحسم العسكري الكامل، بل على العكس فإن كل يومٍ يمضي تتعقد فيه القضايا بصورة أكبر وتشمل عوامل جديدة تصعب الحلول وتباعد الطرق نحوها.
وقف الحرب في السودان هو قرار بيد السودانيين متى ما صدقت إرادتهم في هذا الاتجاه، مع التأكيد بأن العامل الخارجي مهم ولا يمكن إسقاطه أو الغفلة عنه، ولكن السلام الدائم سيأتي حين يتفق أهل السودان على مشروع وطني ينهي دوامة العنف وعدم الاستقرار، والظرف الدولي من حولنا مواتٍ للتفاعل معه ايجاباً واغتنام فرصة رياح السلام التي غمرت العديد من مناطق النزاعات من حولنا.
يتخوف البعض من الحلول التفاوضية ظناً منهم أنها ستقود لتثبيت ركائز أوضاع شائهة لا يمكن التعايش معها، وهو تخوف مفهوم ولكنه يفارق جوهر السعي الحقيقي نحو إحلال السلام الدائم الذي لا يعني بأي حال من الأحوال العودة لماضي مليء بالخطايا ولو كان فيه من خير ٍلما بلغنا حالنا الذي نعيشه الآن، ولا يعني كذلك التعايش مع الحاضر البغيض الذي نرزح تحت وطأته اليوم.
السلام هو النظر نحو مستقبل جديد نعالج فيه بالحوار إشكالات الماضي جميعها ونضع أسساً جديدة لواقع مختلف يحفظ وحدة البلاد وسيادتها على أساس عقد اجتماعي طوعي متراضى عليه بين كافة أقوام السودان، ويحكم فيه كل إقليم نفسه بنفسه وينمو من ثرواته في إطار سودان موحد بنظام فيدرالي حقيقي ينهي دوامة التهميش وسلب الحقوق، ويكون فيه جيش واحد مهني وقومي لا علاقة له بالسياسة او الاقتصاد، ويختار فيه الناس من يحكمهم ويخضعونه للمحاسبة والمساءلة سلماً لا عنفاً، وتوضع فيه أسس للعدالة تنصف كل صاحب ضيم وتحاسب كل معتدي.
بلوغ هذه الغايات ممكن عبر الحوار لا فوهات البنادق، ولا يقف بيننا وبين الوصول لذلك سوى من يتكسبون من هذا الدمار ويستغلونه لمصالحهم السلطوية الضيقة التي لا تضع بالاً لمعاناة الملايين من الناس. عليه فلنعلي من صوت التعقل الآن ولنواجه خطابات الحرب والكراهية بحزم، فهي لن تورث بلادنا سوى الخراب.
#لا_للحرب
الوسومالحرب الحلول التفاوضية السلام السودان الهند باكستان خالد عمر يوسف
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الحرب السلام السودان الهند باكستان خالد عمر يوسف
إقرأ أيضاً:
منير أديب يكتب: حين تُرك باب المندب رهينةً للحوثي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
لم يكن الحوثي يومًا مجرد جماعة يمنية تحمل السلاح داخل حدود دولتها، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب إقليمي يمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وبينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة تنطلق نحو السفن العابرة في البحر الأحمر وباب المندب، بدا أنّ الولايات المتحدة والقوى الغربية تكتفي بإدارة الأزمة أكثر من سعيها إلى إنهائها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي، لماذا استمرت سياسة الصبر على الحوثي طوال هذه الفترة، رغم أنّ تهديده لم يعد يقتصر على اليمن، وإنما امتد إلى أمن المنطقة والاقتصاد العالمي؟
قد يذهب البعض إلى تفسير هذا السلوك بأنّه تراجع في الإرادة الأمريكية، لكن القراءة الأقرب إلى الواقع أنّ واشنطن كانت تنظر إلى الحوثي باعتباره جزءًا من معادلة أكبر ترتبط بإيران، وليس مجرد تنظيم محلي.
لذلك فضلت لفترة طويلة عدم الانخراط في مواجهة واسعة قد تُؤدي إلى توسيع الحرب في الشرق الأوسط، خصوصًا مع انشغالها بملفات أخرى مثل أوكرانيا، والتنافس مع الصين، ومحاولة تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة تستنزف الموارد والقدرات.
كما أنّ الإدارات الأمريكية المتعاقبة راهنت على أنّ الضغوط الاقتصادية والعقوبات، إلى جانب الضربات المحدودة، قد تكون كافيةً لردع الحوثيين دون الحاجة إلى دعم عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق التي يسيطرون عليها.
وكان الاعتقاد أنّ احتواء التهديد أقل كلفة من الدخول في حرب مفتوحة قد يصعب التحكم في نتائجها، غير أنّ هذه المقاربة حملت في داخلها خطأً إستراتيجيًا، فالتهديدات التي لا تواجه بحسم غالبًا ما تتطور، والميليشيات التي تنجح في اختبار حدود الردع تزداد جرأةً مع مرور الوقت.
هكذا انتقل الحوثي من استهداف الداخل اليمني إلى استهداف الممرات البحرية الدولية، ثم إلى فرض نفسه طرفًا قادرًا على التأثير في حركة التجارة العالمية، ولعل تهديدة لباب المندب يأتي متوافقًا مع الرؤية الإيرانية.
لقد تحولت الهجمات على السفن إلى رسالة سياسية بقدر ما هي عملية عسكرية، فالهدف لم يعد مجرد إلحاق الضرر بسفينة أو تعطيل رحلة تجارية، وإنما إثبات أنّ ميلشيا تستطيع التأثير في الاقتصاد العالمي، وإجبار شركات الملاحة على تغيير مساراتها، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإرباك سلاسل الإمداد الدولية.
ومن هنا بدأت الكلفة الحقيقية للتردد، فكل سفينة تضطر إلى تجنب البحر الأحمر والمرور عبر رأس الرجاء الصالح تُعني آلاف الأميال الإضافية، وأيامًا أطول للوصول، واستهلاكًا أكبر للوقود، وارتفاعًا في أقساط التأمين، وانعكاسًا مباشرًا على أسعار السلع.
ولم يعد المتضرر هو الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله، لأنّ هذا الممر يُمثل أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
أما على المستوى الإقليمي، فقد منح هذا الواقع إيران ورقة ضغط إضافية، فوجود جماعة مسلحة قادرة على تهديد باب المندب يُعني امتلاك وسيلة للتأثير في معادلات الأمن البحري كلما تصاعد التوتر في المنطقة.
ولذلك لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري، بل أصبح جزءًا من معادلة الردع الإقليمية، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية.
وكان لغياب الدعم الحاسم للقوى اليمنية المؤيدة للحكومة الشرعية أثر واضح، فبدلًا من تمكين الدولة من استعادة السيطرة على الساحل والموانئ والمناطق الإستراتيجية، استمرت حالة الجمود العسكري، وهو ما أتاح للحوثيين الاحتفاظ بقدراتهم، وإعادة تطوير منظوماتهم الصاروخية والمسيّرة، وتوسيع دائرة عملياتهم.
اليوم يبدو أنّ المجتمع الدولي يدفع ثمن سياسة الاكتفاء بردود الفعل، فالضربات المحدودة قد تعطل بعض القدرات، لكنها لا تنهي التهديد ما دام الهيكل العسكري قائمًا، وما دامت خطوط الإمداد والتجنيد والتمويل مستمرة، ولهذا فإنّ الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة تقليص القدرة العسكرية للحوثيين أصبح مطروحًا بصورة أكثر جديةً في عدد من دوائر القرار الغربية والإقليمية.
غير أنّ إنهاء هذا الخطر لا يمكن أنّ يعتمد على القوة العسكرية وحدها، فالمعركة لها أبعاد أمنية وسياسية واقتصادية في آنٍ واحد، ويتطلب الأمر تعزيز قدرات الحكومة اليمنية، وتأمين الممرات البحرية عبر تعاون دولي مستدام، وتجفيف مصادر التسليح والتمويل، والحد من تدفق التقنيات التي تسمح للحوثيين بتطوير قدراتهم الهجومية.
كما أنّ نجاح أي إستراتيجية طويلة المدى يرتبط بإعادة بناء الدولة اليمنية نفسها، فالميليشيات تنمو حيث تضعف الدولة، وتتمدد حيث تغيب المؤسسات، وتكتسب شرعيةً بحكم الأمر الواقع كلما طال أمد الصراع، ومن دون معالجة جذور الأزمة اليمنية، سيظل البحر الأحمر عرضةً لموجات جديدة من التوتر مهما تعددت العمليات العسكرية.
إنّ أخطر ما كشفت عنه السنوات الماضية ليس قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، وإنما أنّ التردد في مواجهة الأخطار الصغيرة قد يسمح لها بأن تتحول إلى تهديدات دولية، فالسياسات التي راهنت على إدارة الأزمة بدلًا من إنهائها منحت الحوثي وقتًا كافيًا لتغيير قواعد اللعبة، حتى أصبح أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم مرتبطًا بقرارات جماعة مسلحة لا تمثل دولة، لكنها نجحت في فرض نفسها على معادلات الأمن الإقليمي.
ولعل الدرس الأهم أنّ حماية الملاحة الدولية لا تبدأ عند مرافقة السفن في البحر، وإنما تبدأ بمنع تحوّل الميليشيات إلى جيوش موازية، وبإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، لأنّ الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فراغًا طويلًا، بل تملؤه دائمًا قوى تمتلك السلاح، وتبحث عن النفوذ، وتستخدم التجارة العالمية ورقة لتحقيق أهدافها السياسية.