تدفق السيارات المستوردة إلى سوريا.. مؤشر تعافٍ أم إنذار نزيف؟
تاريخ النشر: 17th, May 2025 GMT
خاص للجزيرة نت– بعد سنوات من الجمود، رست على مرفأ طرطوس أول باخرة محمّلة بالسيارات منذ انهيار النظام السابق، حاملة نحو 3200 سيارة. هذا الحدث أعاد الحياة إلى المرافئ السورية، وعكس مؤشرات أولية على تعافي النشاط التجاري واتساع السوق المحلية، إلا أن تساؤلات عديدة تُثار حول قدرة البنية التحتية الضعيفة على استيعاب هذا التدفق المفاجئ في غياب خطط تنظيمية واضحة.
لا شك أن استئناف استيراد السيارات بهذا الحجم الكبير يشير إلى تحسن نسبي في بيئة الأعمال، وتزايد القدرة الشرائية لبعض شرائح المجتمع. لكن في المقابل، تبرز تحديات حقيقية تتعلق بتدهور الطرق، وندرة المواقف، والضغط المتزايد على الوقود، وضعف خدمات الصيانة، إضافة إلى اختناقات مرورية متوقعة، خاصة في ظل غياب نظام نقل عام فعّال، واحتمالات استنزاف متسارع للقطع الأجنبي في بلد يعاني أصلًا من أزمات مالية مزمنة.
تحضيرات ميدانية وجهود تنظيميةوفي تصريح خاص للجزيرة نت، أكد مازن علوش، مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، أن هذا التطور يمثل نقطة تحول في الثقة بين المستثمرين والمرافئ السورية، ويُظهر قدرتها على استقبال الشحنات الكبرى وإدارتها بكفاءة عالية، بما يُسهم في تنشيط الاقتصاد الوطني. وقدّر علوش عدد السيارات التي دخلت سوريا بعد تحريرها بنحو 100 ألف سيارة.
وأضاف أن الهيئة وضعت خطة عمل متكاملة لتفريغ السفينة على مدار 12 ساعة متواصلة، عبر توزيع فرق العمل بنظام الورديات لضمان استمرارية العمل من دون توقف. كما تم اعتماد نظام أولويات لحركة المركبات، وتفعيل أنظمة إلكترونية للمراقبة وتنظيم العمليات داخل المرفأ.
إعلانوأوضح علوش أن الهيئة اتخذت كل الإجراءات الفنية اللازمة، بما في ذلك تجهيز فرق صيانة متنقلة داخل المرفأ مدعومة بالمعدات الضرورية للتدخل السريع عند وقوع أي أعطال فنية خلال عملية التفريغ. أما في ما يتعلق بتنظيم حركة السيارات التي بلغت نحو 3200 مركبة، فقد خصصت مسارات وساحات منفصلة بحسب نوع المركبة، مع تعزيز عدد نقاط التفتيش لتسهيل الدخول والخروج، وضمان انسيابية الحركة داخل المرفأ وعلى الطرق المؤدية إليه.
السلامة المرورية تحت الضغطوفي ظل هذا التطور التجاري اللافت، تبرز أزمة مقلقة تتعلق بواقع السلامة المرورية في البلاد، لا سيما مع ارتفاع عدد المركبات وتزايد حركة النقل. فقد أعلن الدفاع المدني السوري عن وقوع 600 حادث سير منذ بداية عام 2025، أسفرت عن وفاة 39 شخصًا وإصابة 567 آخرين، بينهم 119 طفلًا و72 امرأة.
وفي حديثه لموقع الجزيرة نت، أوضح وسام زيدان، مسؤول في الدفاع المدني، أن هذه الأرقام تعكس الحاجة العاجلة لاتخاذ إجراءات فعلية لتحسين البنية التحتية للطرقات، وتعزيز الوعي المروري، وضبط السرعة، والتقيد بقوانين السير، خصوصًا مع ارتفاع حركة النقل عقب التحرير.
وأشار زيدان إلى أن حوادث السير باتت أكثر شيوعًا مؤخرًا نتيجة الاختناقات الشديدة على الطرق و الأوتوسترادات، والتي تفاقمت بسبب الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية نتيجة القصف الجوي والمدفعي خلال سنوات الحرب، إلى جانب عدم الالتزام بقواعد المرور من قبل بعض السائقين.
آراء ومقترحات لحلول تنظيمية واقتصاديةومع تصاعد المخاوف من تفاقم المشكلات المرورية والخدمية، دعا خبراء اقتصاديون وناشطون إلى اعتماد حزمة إجراءات متوازنة لمواكبة هذا النمو المفاجئ في حركة المركبات، من بينها فرض نظام تسجيل مرحلي للسيارات المستوردة، وربطها بقدرة كل مدينة على الاستيعاب، وفرض رسوم تطوير مخصصة لترميم الطرق والمواقف العامة وتوسيعها.
كما أوصوا بتشجيع السيارات الاقتصادية من خلال إعفاءات جمركية على السيارات الكهربائية أو المنخفضة الاستهلاك، ووضع خطة وطنية للنقل الحضري تراعي النمو المتسارع في عدد المركبات، وتعزز النقل الجماعي، إضافة إلى تحسين جاهزية البنية الخدمية من صيانة ووقود وقطع غيار بما يتناسب مع تطور سوق السيارات.
إعلان الأثر الاقتصاديوفي تحليله للمشهد، يرى الباحث الاقتصادي أدهم قضماني أن استيراد السيارات بهذا الحجم الكبير قد ينعكس سلبًا على حجم العملات الأجنبية داخل سوريا، إذ تُستورد السيارات بعملات صعبة في غياب قنوات الدفع الرسمية.
وأوضح قضماني في حديثه للجزيرة نت أن الآلية المعتادة في الدول المستقرة تتم عبر البنوك الرسمية لتأمين العملة الأجنبية، بينما في الحالة السورية يتم تأمين الدولار من السوق السوداء أو من مدخرات المواطنين، وهو ما يُعد -حسب رأيه- استنزافًا مباشرًا لاحتياطي العملات الأجنبية خارج النظام المالي الرسمي.
وأشار إلى أن السيارات تُعد من السلع الكمالية في بلد يواجه نقصًا حادًّا في الإنتاج المحلي للمواد الأساسية، وذلك يعني، من وجهة نظره، أن الموارد المخصصة لاستيراد السيارات كان يمكن توظيفها في دعم مشاريع إنتاجية أو صناعية أكثر إلحاحًا.
وأضاف أن ارتفاع الطلب على السيارات مفهوم في هذه المرحلة نتيجة عطش السوق بعد انقطاع طويل، خاصة أن "آخر موديل متوفر في البلاد قبل الحرب كان يعود إلى عام 2011، وبأسعار باهظة"، حسب تعبيره. وبيّن أن الأسعار بدأت بالانخفاض بشكل ملموس بعد فتح باب الاستيراد، لكنه لفت إلى أن البنية التحتية لم تكن مؤهلة لاستيعاب هذا الكم من المركبات.
ورغم تحفظه على حجم الاستيراد، أكد قضماني أن الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على السيارات تُعد مصدرًا مهمًّا للخزينة العامة، وتُستخدم في تمويل مشاريع النقل والبنية التحتية. وأشار إلى أن هناك فائضًا من هذه الإيرادات يُحوّل عادة إلى الخزينة العامة، وأن بعض مشاريع النقل تُدار من خلال شراكات بين الدولة والقطاع الخاص.
وتوقع الباحث الاقتصادي أن يستمر توسّع السوق على المدى القصير في ظل غياب قطاعات إنتاجية بديلة، لكنه لم يستبعد أن تتغير السياسات لاحقًا، مرجّحًا احتمال رفع الضرائب على السيارات المستوردة إذا ما أطلقت الحكومة مشاريع إنتاج محلية للسيارات، وهو ما "قد يتطلب نحو عامين لتأمين البنية التحتية اللازمة"، بحسب تقديره.
إعلانكما شدد على أن الحكومة الجديدة مطالَبة بجذب المستثمرين من خلال تعديل القوانين، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، إلى جانب إصلاح القطاع المصرفي وضمان خروجه من دائرة العقوبات الدولية، ليكون قاعدة انطلاق لأي تعافٍ اقتصادي مرتقب.
انطباعات من السوق المحليةمن جهته، عبّر محمد فهمي، تاجر سيارات في شمال سوريا، عن قلقه من ارتفاع الأسعار والطلب المتزايد، مشيرًا إلى أن السكان في مناطق كانت خاضعة لسيطرة النظام كانوا يشترون السيارة بأكثر من 7 أضعاف سعرها مقارنة بمناطق شمال سوريا، نتيجة الضرائب الجمركية وضرائب الرفاهية.
وأوضح فهمي، في حديثه للجزيرة نت، أن هناك اختناقات مرورية يومية، خصوصًا على الأوتستراد الدولي حلب-دمشق، بسبب دخول أعداد كبيرة من السيارات من المرافئ البحرية ومعابر حلب وإدلب ودرعا، مشيرًا إلى أن "الوضع يتطلب تحركًا عاجلًا لضبط حركة المرور ووضع ضوابط للاستيراد".
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات البنیة التحتیة على السیارات للجزیرة نت من خلال إلى أن
إقرأ أيضاً:
مؤشرات وول ستريت تلتقط أنفاسها بعد موجة انتعاش ضخمة
تشير موجة الانتعاش الملحمية التي شهدتها وول ستريت عقب الانهيار الذي حدث في أبريل إلى علامات تعب، في ظل تكهنات بأن الأسهم اندفعت بوتيرة سريعة للغاية وسط مخاطر ناتجة عن الحرب التجارية، وتباطؤ الاقتصاد، واستمرار الضغوط التضخمية.
بعد قفزة بنسبة 22% من أدنى المستويات المسجلة خلال الجلسات في الشهر الماضي، شهد مؤشر "إس آند بي 500" حالة من التذبذب. وتراجعت معظم المجموعات الكبرى، لكن شركات التكنولوجيا الكبرى واصلت الصعود.
وارتفعت أسهم "بوينغ" بعد فوزها بأكبر صفقة في تاريخها، مع قيام الخطوط الجوية القطرية بطلب شراء طائرات طويلة المدى خلال زيارة لدونالد ترمب إلى الدوحة.
وقلّص الدولار خسائره بعد أن ذكرت وكالة "بلومبرغ" أن الولايات المتحدة لا تعمل على إدراج تعهدات تتعلق بالسياسة النقدية ضمن اتفاقيات التجارة. وارتفعت عوائد السندات، مع تراجع الرهانات على خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي.
جاء الانتعاش الحاد في الأصول عالية المخاطر نتيجة التقدم في المحادثات التجارية والمرونة الاقتصادية، بعد شهر خيمت عليه حالة الاستعداد للأسوأ.
هدأت مخاوف المستثمرين بفعل الهدنة الأميركية الصينية، والاتفاق مع المملكة المتحدة، وصفقات بارزة في منطقة الخليج. لكن القلق ما يزال قائماً من أن الأسهم باتت مفرطة التقييم، مما يجعلها عرضة للمفاجآت.
قال مارك هاكيت من "نيشن وايد": "مع تراجع التوترات التجارية، بدأ المستثمرون في العودة إلى الأساسيات، لكنهم قد لا يحبّون ما يرونه. لقد انتقلت السوق من منطقة مفرطة البيع إلى مفرطة الشراء في وقت قياسي. وهذا يحدّ من إمكانات الارتفاع في المدى القريب ما لم نشهد تسارعاً واضحاً في النمو".
مستويات تشبع الشراء ومخاوف من تصحيح قريب
بالنسبة لمات مالي من "ميلر تباك"، فإن توقفاً مؤقتاً في هذا الصعود "يُعد طبيعياً وصحياً جداً" بعد أن دخل مؤشر "إس آند بي 500" في منطقة تشبع الشراء على المدى القصير. وقفز مؤشر القوة النسبية لمدة سبعة أيام إلى أعلى مستوياته منذ يوليو. كما اقترب مؤشر الخوف/الطمع الخاص بشبكة "سي إن إن" من مستويات "الطمع الشديد".
قال كريغ جونسون من "بايبر ساندلر": "يعكس تحسّن اتساع السوق وتسارع الزخم الصعودي الخوف من تفويت الفرصة، إذ يجري جذب المستثمرين الذين كانوا على الهامش. قد تبدو الأسهم مفرطة الشراء على المدى القصير، لكننا نرى في أي تراجعات معتدلة تؤكد مستويات الدعم فرصاً للشراء، خاصة في القطاعات ذات القوة النسبية".
ارتفع مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 0.1%. وأضاف مؤشر "ناسداك 100" نسبة 0.6%. بينما خسر مؤشر "داو جونز الصناعي" نسبة 0.2%. وارتفع مؤشر "العظماء السبعة" (أبل، ألفابت، إنفيديا، أمازون، ميتا، مايكروسوفت، تسلا) بنسبة 1.7%.
وصعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار 7 نقاط أساس إلى 4.53%. وبقي مؤشر الدولار "بلومبرغ" دون تغيير يذكر.
استراتيجية حذرة من "غولدمان ساكس" وترقّب بيانات
يرى محللو "غولدمان ساكس" بقيادة بيتر أوبنهايمر أن الأسهم لا تزال عرضة لمزيد من التراجعات إذا أعادت البيانات الاقتصادية الضعيفة إشعال مخاوف الركود. وكتبوا أن التصحيح الأخير كان سريعاً ويتماشى مع "سوق هابطة مدفوعة بأحداث".
وكتبوا: "يظل أداء هذه الأسواق الهابطة ثابتاً في أحسن الأحوال لفترة بعد الانخفاض الأولي. وإذا سارت الأمور حسب هذا النمط النموذجي، فإن فرص الصعود في المدى القريب ستكون محدودة".
لكن ريك غاردنر من "آر جي إيه إنفستمنتس" يرى أن انتعاش السوق يمتلك مقومات الاستمرار. وقال: "كانت المفاوضات التجارية مع الصين تبدو الأصعب على الإطلاق، وحقيقة حدوث هذا القدر من التقدم في وقت قصير يشير إلى أن التوصل إلى حل بات قريباً".