عربي21:
2026-07-24@12:23:20 GMT

قراءة في السجال العمومي بتونس حول حلّ حركة النهضة

تاريخ النشر: 16th, May 2025 GMT

بصرف النظر عن السياقات الداخلية والتحولات الإقليمية، يبدو أن ما يمكن أن نسمّيَه مجازا بـ"لعنة تركيا" ستظل تطارد حركة النهضة التونسية؛ سواء في علاقتها باستراتيجيتي الاستئصال الصلب والناعم أو حتى في علاقتها بحزامها الانتخابي وبالمتعاطفين معها من غير النهضويين. فعندما كانت الحركة في مركز الحقل السياسي، منذ المرحلة التأسيسية، مرورا بالترويكا والتوافق مع حركة نداء تونس، وانتهاء بفوزها في الانتخابات التشريعية سنة 2019، حرصت أغلب "القوى الديمقراطية" بأذرعها السياسية والنقابية والمدنية والإعلامية على شيطنة المحور التركي-القطري وحلفائه في تونس وخارجها.

وهو خيار صِدامي استراتيجي تجاوز الدائرتين السياسية والأيديولوجية إلى التعاون الاقتصادي. وقد استمر هذا الخيار "الاستئصالي" بعد "تصحيح المسار" بالتحريض المُمنهج على الحركة والضغط على السلطة للذهاب بالمقاربة الأمنية-القضائية للصراع السياسي إلى نهايتها المنطقية: حلّ النهضة بقرار قضائي والعودة إلى مربّع 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، أي انفتاح السلطة جزئيا على "العائلة الديمقراطية -ورثة التجمع واليسار الوظيفي بشقّيه الماركسي والقومي- وإقصاء "الإسلام السياسي" من العمل السياسي القانوني.

لا يعنينا في هذا المقال تفكيك استراتيجيتي الاستئصال الصلب والناعم وعلاقة التعامد الوظيفي بينهما وبين منظومة الاستعمار الداخلي ومحور "الثورات المضادة"، فقد قمنا بذلك في أكثر من مقال. فما يعنينا هو السجال العمومي الدائر بين أصوات غير معادية للحركة ومتمايزة جذريا عن أصحاب الأطروحات الاستئصالية، وهو سجال ظهر منذ أن أعلن حزب العمال الكردستاني عن حلّ نفسه وإلقاء السلاح والانخراط في اللعبة السياسية بعد أن استكملت المواجهة المسلحة مع الدولة التركية -حسب ما جاء في بيانه- "مهمّتها التاريخية". فقد عرفت وسائل التواصل الاجتماعي في تونس سجالا عموميا حول "تَونسة" قرار حزب العمال، أي مبادرة حركة النهضة بحلّ نفسها. ولسنا هنا في وراد تحليل/ نقد حجج الداعمين لهذا الرأي أو الرافضين له، بل سنحاول في هذا المقال التركيز أساسا على "المسكوت عنه" أو "اللامفكر فيه" طيّ هذا السجال.

جاء "تصحيح المسار" ليؤكد أن "التناقض الرئيس" الذي يحكم النخب "الديمقراطية" ليس تناقضهم مع منظومة الاستعمار الداخلي ولا مع ورثة "التجمع"، بل مع حركة النهضة. ورغم حرص هؤلاء على إدارة الصراع بمفردات أيديولوجية ومقاربات ثقافوية يختزلها شعار الدفاع عن "النمط المجتمعي التونسي"، فإننا نذهب إلى أن الرهان الحقيقي للصراع ليس أيديولوجيا، بل ليس رفض الإسلام السياسي في ذاته
ينطلق السجال العمومي حول "حل" حركة النهضة لنفسها من مقدمة مطوية في الأنساق الحجاجية كلها مهما تعارضت في الظاهر: توجّه النظام إلى حل الحركة قضائيا بعد الانتهاء من القضايا المنشورة أمام القضاء والتي ستبرر مثل هذا القرار اعتمادا على قانون الأحزاب السياسية ذاته. فبعد إغلاق مقرات حركة النهضة واستهداف أغلب قياداتها بأحكام سجنية مشددة، يبدو أن الخطوة المنطقية القادمة للنظام -في صورة عدم دخول أية متغيرات نوعية داخليا وإقليميا- هي حل الحركة بقرار قضائي. وهو ما يعني أن الدعوة إلى حل الحركة لنفسها تنطلق من منظور استشرافي يحاول تجنيب "النهضويين" وضعية مأساوية مشابهة لما عاشوه في بدايات التسعينات من القرن الماضي، كما تنطلق هذه الدعوة من قراءة الترتيبات الإقليمية التي لم تعد فيها للديمقراطية التي تستدمج "الإسلام السياسي" -أي تلك الديمقراطية المدجنة أو الصورية- أية أولوية في بناء السياسات الخارجية للقوى الكبرى، أي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فالصراع مع الصين وروسيا على أفريقيا، فضلا عن التهديدات الوجودية التي قد يواجهها المشروع الصهيوني في صورة بناء ديمقراطيات صلبة تعكس الرأي العام ولا تكون السلطة فيها مجرد وكيل لمصالح الغرب، كل ذلك يجعل من الدفاع عن الديمقراطية غير المتلاعب بها سلطويا أمرا غير وارد حاليا، أو على الأقل يقتضي ترتيبات جديدة لا تهدد المصالح الاستراتيجية للغرب وللكيان.

منذ "الثورة"، فشلت حركة النهضة -باعتبارها حركة سياسية ذات مرجعية إسلامية- في تسويق نفسها "إسلاما ديمقراطيا" يقطع مع الإسلام السياسي. وهو فشل داخلي وخارجي مهّد لتحميلها كل آفات "الانتقال الديمقراطي" دون غيرها من الشركاء السياسيين والاجتماعيين، خلال ما يسميه أنصار "تصحيح المسار" و"الموالاة النقدية" بـ"العشرية السوداء".

وقد جاء "تصحيح المسار" ليؤكد أن "التناقض الرئيس" الذي يحكم النخب "الديمقراطية" ليس تناقضهم مع منظومة الاستعمار الداخلي ولا مع ورثة "التجمع"، بل مع حركة النهضة. ورغم حرص هؤلاء على إدارة الصراع بمفردات أيديولوجية ومقاربات ثقافوية يختزلها شعار الدفاع عن "النمط المجتمعي التونسي"، فإننا نذهب إلى أن الرهان الحقيقي للصراع ليس أيديولوجيا، بل ليس رفض الإسلام السياسي في ذاته. فالنخب "الديمقراطية" لم تكن قبل الثورة وبعدها إلا الذراع الأيديولوجية لمنظومة الاستعمار الداخلي، وهي منظومة لا يمكن أن تقبل بديمقراطية ستشكل تهديدا وجوديا لنواتها الصلبة في حال نجاح التجربة الديمقراطية، مع ما تعنيه من رقابة وحوكمة ولا مركزية سلطوية وحرية إعلام.. الخ. ولم يكن بمقدور رسائل الطمأنة التي بعثت بها حركة النهضة -عندما قبلت بشروط تلك المنظومة خلال المرحلة التأسيسية ومرحلة التوافق- أن تغير شيئا في موقف النواة الصلبة للحكم ورعاتها الأجانب من حركة النهضة.

إن المسكوت عنه في الطرح المنادي بحل حركة النهضة لنفسها -أو ما يخجل أصحابه من ذكره- هو التالي: إن حركة النهضة ليست جسما سياسيا ضروريا في "الديمقراطية الصورية" التي تنبني على أعين منظومة الاستعمار الداخلي ورعاتها الإقليميين، بل إن الاشتغال الطبيعي للحقل السياسي -أي اعتماد الإرادة الشعبية أساسا لبناء السياسات الداخلية والخارجية- في "الكيانات الوظيفية" التي تسمى مجازا دولا هو أمر مستحيل واقعيا، خاصة في المرحلة الإمبريالية المتصهينة الطاردة لأي مكوّن إسلامي ذي مرجعية إخوانية.

إننا أمام "واقعية سياسية" متخففة من الشعارات الثورية ومن "منطق الرغبة". فانتظار حل النهضة بقرار قضائي قد يزيد في توتير العلاقة مع الدولة، وقد يكون مناسبة سيستغلّها الاستئصاليون لممارسة دور "صائدي الساحرات" وإعادة تشغيل منطق "محاكم التفتيش" القروسطية باستعارات حداثوية زائفة. وهي فرضية ستتجنبها البلاد إذا ما استبَقت الحركة هذا القرار المنتظر، كما أن خيار حل الحركة سيخرج البلاد من الانقسامات الهوياتية الحادة التي حكمتها قبل الثورة وبعدها وسيفقد "أشباه الديمقراطيين" علة وجودهم ذاتها. ولكنّ ما لا يقوله أصحاب هذا الطرح هو أن إقصاء "الإسلاميين"، رغم "الواقعية" التي قد تبرر الطرح المنادي بحل حركة النهضة (الرفض المحلي والإقليمي للإسلام ذي المرجعية الإخوانية مع اليأس من أي تقارب بين الحركة و"العائلة الديمقراطية" على أساس الاعتراف المبدئي بعيدا عن هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي أو ضد تلك الهيمنة)، فإننا نذهب إلى أنه طرح قد يخدم النهضويين ولكنه لا يمكن أن يخدم أي مشروع ديمقراطي في تونس.

فإقصاء حركة النهضة بحكم قضائي -أو قبول النهضويين بحل حركتهم طوعيا- لا يعني واقعيا إلا الإقرار بموت الحياة السياسية في تونس كما وقع زمن المخلوع. فقد أثبت "تصحيح المسار" أن الديمقراطية ليست حاجة نخبوية (خاصة عند ما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية") فضلا عن أن تكون حاجة شعبية. وهو ما يعني الالتقاء موضوعيا مع أصحاب مقولة التناقض الرئيس والتناقض الثانوي بجعل الديمقراطية التمثيلية والاجتماعية مطلبا مؤجلا، وإن اختلفت مقدمات هذا الطرح وأهدافه بين دعاة حل حركة النهضة واليسار الوظيفي.

إذا كان دعاة إقصاء الإسلاميين من الحقل العمومي برمته يؤجلون صراعهم مع "الرجعية البرجوازية" الحاكمة -منذ عهد المخلوع- باعتبارها تمثل التناقض الثانوي على عكس تناقضهم الرئيس مع "الرجعية الدينية"، فإن دعاة حل حركة النهضة يعتبرون أن خروج "الإسلام السياسي" من المشهد السياسي سيعمق أزمة المنظومة الحاكمة وأذرعها الوظيفية، وقد يخلق شروطا جديدة لتجربة ديمقراطية مستأنفة. ولكنهم يبنون هذا الطرح على مقدمتين لا يمكن التسليم بهما: أولا، أن النهضة ليست هي الأخرى كانت جزءا من الأذرع الوظيفية لمنظومة الاستعمار الداخلي، ولكنها ذراع غير ضروري ومؤقت ويمكن الاستغناء عنه. وهو ما يعني ضرورة مقاربة دور "الإسلام السياسي" الحقيقي لا المتخيل في إعادة التوازن للمنظومة القديمة بعد اختلالها المؤقت عقب "الثورة"؛ ثانيا، أن أزمة منظومة الاستعمار الداخلي -أو حتى سقوط واجهتها الحالية- يعني بالضرورة نهاية تلك المنظومة. فالأزمة البنيوية للحقل السياسي -بل الأزمة المجتمعية بمختلف وجوهها- ليست مرتبطة بوجود النهضة أو عدم وجودها، بل هي مرتبطة بالخيارات التأسيسية لما يسمى بـ"الدولة-الأمة" وسرديتها البورقيبية. وهو إشكال نجزم أنّ النهضة كانت -خلال عشرية الانتقال الديمقراطي- أعجز من أن تقدم له إجابة مختلفة عن إجابات "العائلة الديمقراطية" بحيث تشكل تهديدا وجوديا/استراتيجيا لمنظومة الاستعمار الداخلي. إذن، لماذا تستهدف الحركة بهذا الشكل الممنهج؟

أزمة الحركة هي في وجه من وجوهها أزمة "داخلية" ولكنها في بعض وجوهها الأخرى أزمة العقل السياسي "الحداثوي"، وهي في التحليل الأخير "أزمة العقل السياسي التونسي" بمختلف سردياته يمينا ويسارا
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون إلا إجابة مركّبة يتداخل فيها المحلي والإقليمي والدولي، فأن نرد الاستهداف إلى الطابع "الإخواني" أو الإسلامي للحركة لا يقدم إلا تفسيرا جزئيا. فما حققته النخب العلمانية من مكاسب خلال وجود النهضة كانت عاجزة عن تحقيقه زمن المخلوع، بل زمن بورقيبة ذاته (منظمة شمس للمثليين، رفع الاحترازات على اتفاقية سيداو، فتح نقاط بيع بالجملة للخمور في أغلب الولايات، المهاجمة النسقية للمقدس الجمعي، تعيين المطبّعين في مراكز القرار الديبلوماسي.. الخ). كما أن ربط المقاربة الأمنية-القضائية للصراع السلطوي ضد حركة النهضة بضغوط خارجية من محور الثورات المضادة لا يمكن أن يفسر "مقبولية" هذه المقاربة داخليا وخارجيا، خاصة من رعاة "الانتقال الديمقراطي" التونسي في الغرب. أما ربط "قابلية" الحركة لهذه المقاربة بتواطؤ النخب "الديمقراطية" فهو يُغطّي على دور الحركة -بخياراتها التوافقية وبعض خطاباتها- في خلق تلك "القابلية" لدى النخب وفي خلق "المقبولية" الاجتماعية للمقاربة القضائية-الأمنية تجاهها، وإن كان لا يفسّرها بصورة شاملة.

ختاما، فإن أزمة الحركة هي في وجه من وجوهها أزمة "داخلية" ولكنها في بعض وجوهها الأخرى أزمة العقل السياسي "الحداثوي"، وهي في التحليل الأخير "أزمة العقل السياسي التونسي" بمختلف سردياته يمينا ويسارا. ونحن نذهب إلى أن تلك الأزمة مرتبطة بتبعية جميع الفاعلين -بدرجات مختلفة- للسردية البورقيبية وللأساطير المؤسسة للدولة-الأمة وعجزهم عن مواجهتها وتجاوزها جدليا، أي عجزهم جميعا عن التعامل معها باعتبارها أيديولوجيا "منظومة الاستعمار الداخلي" أو الاستعمار في مرحلته غير المباشرة. وهو ما جعلهم -بمن فيهم حركة النهضة- مجرد أدوات "مؤقتة" في خدمة تلك مصالح النواة الصلبة لتلك المنظومة ومصالحها المتناقضة جوهريا مع أي ديمقراطية حقيقية.

فالاستهداف الممنهج لحركة النهضة ليس مرده طابعها "الإسلامي" أساسا، بل هو استهداف استدعاه السياق. فلو كنا في سياق مختلف يهيمن فيه حزب العمال (الشيوعي) أو حركة الشعب (القومية) لما اختلفت مآلات الانتقال الديمقراطي؛ لأن المستهدف الأصلي هو الديمقراطية ومشروع التحرير وبناء مقومات السيادة، أما الأحزاب -ومختلف الأجسام الوسيطة- فهي مستهدفٌ سياقي أو فرعي، ولم يكن تعامل منظومة الاستعمار الداخلي معها ليختلف مهما كانت مرجعياتها الأيديولوجية ما دام وجودها/خطابها سيهدد مصالحها ومصالح رُعاتها ولو بعد حين.

x.com/adel_arabi21

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء النهضة التونسية الديمقراطية تونس النهضة ديمقراطية ايديولوجي قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة العائلة الدیمقراطیة الانتقال الدیمقراطی الإسلام السیاسی تصحیح المسار لا یمکن أن حل الحرکة ما یعنی فی تونس وهو ما

إقرأ أيضاً:

حوار الأجيال: عبق الماضي وإشراقة الحاضر والرفاهية

زهرة بنت مسعود بن خلفان البطاشة

الجد: (يبتسم وهو يرتشف فنجان القهوة) حياكم الله يا أبنائي، اليوم هو الثالث والعشرون من يوليو، يوم النهضة المباركة الذي غيّر وجه الحياة في عُمان.
أنتم اليوم تعيشون في نعمةٍ ورفاهية، بينما عشنا نحن في ظروفٍ قاسية قبل هذه الانطلاقة.

الحسن: حدثنا يا جدي عن ذلك الزمان، كيف كانت الحياة قبل بدء النهضة؟

الجد: كانت الحياة شاقة يا ولدي نوعاً ما، إذ لم تكن هناك طرق معبّدة، ولا كهرباء تصل إلى كل بيت، فمقومات الحياة كانت تكاد تكون معدومة في كثير من المناطق، فقد كانت المعيشة تعتمد على الزراعة البسيطة والرعي، وكانت الموارد شحيحة جداً.

التعليم: من الكتاتيب إلى مدن التعلّم الذكية

سلطان: وكيف كنتم تتعلمون يا جدي؟ نحن اليوم ندرس في مدارس حديثة ومكيّفة، ولدينا ألواح ذكية وحواسيب.

الجد: (ضاحكاً) هيهات يا سلطان، في زماننا لم تكن هناك مدارس نظامية، كان التعليم مقتصراً على "الكتاتيب" لحفظ القرآن الكريم وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة والحساب على يد "المُطوّع"، أما اليوم، وبفضل النهضة، فقد انتشرت المدارس والجامعات في كل ولاية، وتخرّج منكم المهندس والطبيب وغيرهما.

الحسن: نعم يا جدي، وقد قرأت أن وزارة التعليم تطبّق اليوم برامج للابتكار الاجتماعي والمدارس المعززة للصحة.

الصحة: من الطب الشعبي إلى الجراحات الدقيقة

خالد: (مقاطعاً بحماس) وهل كانت هناك مستشفيات يا جدي عندما كنتم تمرضون؟

الجد: (يهز رأسه) لا يا خالد، لم تكن هناك مستشفيات، كان العلاج يعتمد على الطب الشعبي والأعشاب، أو الكي بالنار، ومن يشتد عليه المرض كان يسافر لأشهر للعلاج في الخارج.
أما اليوم، فأنتم تنعمون بمستشفيات مرجعية ومراكز صحية متطورة، بل إن المستشفيات العمانية تجري اليوم جراحات دقيقة ومعقدة.

وسائل النقل: من الدواب إلى السيارات الفارهة

سلطان: وماذا عن التنقل يا جدي؟ أرى في الصور القديمة أن الطرق كانت وعرة وجبلية.

الجد: تنهد الجد وقال: آه يا بني، كانت الدواب كالحمير والجمال هي وسائل نقلنا الوحيدة، وكان السفر من ولاية إلى أخرى يستغرق أياماً وأسابيع تحت أشعة الشمس الحارقة. وهنا يا أبنائي يتجلى فضل الله العظيم وتيسيره لنا في هذا الزمان، كما قال في كتابه العزيز:
{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].

والآن، بفضل الله وفضل التخطيط الحكيم لسلاطيننا، أصبحت السيارات الحديثة والمكيّفة متوفرة في كل بيت، تقطعون بها آلاف الكيلومترات عبر شبكة طرق معبّدة وعالمية تخترق الجبال والسهول بكل أمان وراحة.

الرفاهية وحرية السفر: من الضيق إلى الاتساع

خالد: والحدائق والمناظر الجميلة يا جدي؟ نحن نذهب كل نهاية أسبوع إلى المتنزهات والحدائق العامة للاسترخاء.

الجد: (يبتسم) لم يكن لدينا وقت أو مكان للرفاهية يا خالد، كانت حياتنا عملاً شاقاً من الفجر حتى المغيب لتأمين لقمة العيش.
أما اليوم، فقد أصبحت المتنزهات والحدائق الغنّاء، والمجمعات التجارية، والمرافق الترفيهية منتشرة في كل شبر من عُمان.

ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل أصبحتم تملكون حرية التنقل والسفر إلى أي دولة في العالم بكل سهولة، بفضل الطيران الحديث وقوة جواز السفر العُماني، لتروا العالم وتكتسبوا الخبرات.

الحسن: العيش الكريم والرفاهية اليوم في عُمان أصبحتا واقعاً ملموساً ونعمة تستوجب الشكر والعمل للحفاظ عليها.

الجد: صدقت يا الحسن، ويجب أن نعلم جميعاً أن الفضل في هذه الحياة الكريمة والآمنة التي نعيشها اليوم يرجع لله تعالى أولاً وأخيراً، فهو المنعم الوهّاب، ثم يأتي الفضل لباني النهضة وباعثها، فالله سخّر لنا قادة مخلصين أخذوا بيد هذا الوطن إلى بر الأمان والرفاهية، تماشياً مع قوله سبحانه:
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].

مشهد مؤثر: عهد الولاء وصون الوطن

(سكت الجد قليلاً، ونظر إلى الأفق بعينين غائرتين، فتذكّر شظف العيش في الماضي والجهد العظيم الذي بُذل لبناء هذا الوطن الغالي، وفجأة أخذته العبرة واغرورقت عيناه بالدموع، ومسح دموعه بطرف مِصره، والتفت إلى أحفاده بنبرة تهتز حباً وحرصاً).

الجد: (بصوت متهدّج ومؤثر) يا أبنائي.. تذكّروا دائماً أن الفضل في هذه الحياة الكريمة والآمنة يرجع لله تعالى أولاً وأخيراً، فهو المنعم الوهّاب، ثم لباني نهضة عُمان السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- ومجدّد مسيرتها السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- الذي يواصل المسيرة بعزم واقتدار.

(أمسك الجد بأيدي أحفاده وتابع بجدية): لذلك أوصيكم.. يجب علينا أن نصون عُمان بحدقات أعيننا، ولا نرضى أبداً بالعبث بأمنها واستقرارها. عُمان أمانة، وكما تعلمتم، نحن أهل سلام، لا نتدخل في شؤون غيرنا من الدول، وبالمقابل، لا ولن نرضى لأي غريب أو حاقد أن يتدخل في شؤوننا أو يعبث ببيتنا الداخلي. كونوا درعاً حصيناً لوطنكم.

(اقترب الأحفاد الثلاثة من جدهم بحب واحترام، وقبّل الحسن رأسه، بينما أمسك سلطان وخالد بيديه يهدئانه ويطمئنانه).

الحسن: اطمئن يا جدي الغالي، وقرّ عيناً، نحن شباب عُمان، عهدنا لك وللوطن أن نكون الحصن المنيع.

سلطان: نعم يا جدي، نعدك بأننا سنحافظ على كل شبر من هذه الأرض الطيبة، وسنقف صفاً واحداً خلف جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، نأتمر بأمره ونحمي منجزات النهضة.

خالد: لن نسمح لأي حاقد أو غريب أن يمس أمننا يا جدي، وسنظل على نهجكم في حب الوطن والإخلاص له.

مشهد الختام: مائدة القهوة والدعاء

(بعد أن هدأت مشاعر الجد واطمأن قلبه لكلام أحفاده، ساد المكان جوّ من السكينة والوقار العائلي. ارتشف الجد الرشفة الأخيرة ثم وضع فنجان القهوة، إيذاناً بأنهم انتهوا جميعاً من تناول القهوة و"الفوالة" العمانية).

(يتحرك الحفيد الأصغر بهمة ونشاط، حيث يقوم خالد برفع القهوة والفوالة ويضعهما جانباً لتنظيم المكان، ثم يعود سريعاً ويجلس بقرب جده متأهباً).

الجد: (ينظر إلى أحفاده بارتياح ويطلب منهم الدعاء قائلاً): والآن يا أبنائي، ارفعوا أيديكم معي لندعو الله لقادتنا ووطننا في هذا اليوم المبارك.

(يرفع الجد والأحفاد أيديهم متضرعين إلى السماء ومستقبلين القبلة).

الجد: نسأل الله العلي القدير أن يتغمد باني هذه النهضة، السلطان قابوس بن سعيد، بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته جزاء ما قدم لعُمان وشعبها من رفعة وعز.

الأحفاد بصوت واحد: اللهم آمين يا رب العالمين.

الجد: وندعوه سبحانه وتعالى أن يحفظ لنا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، ويمده بالصحة والعافية والتوفيق، ليقود عُمان نحو مستقبل أكثر إشراقاً ورفاهية عبر رؤية عُمان 2040. احفظوا هذا الوطن بعلمكم وإخلاصكم.

الأحفاد: دمت يا جدي، ودامت عُمان بخير وأمان بفضل الله ورعاية سلطاننا المعظم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختكم/ زهرة بنت مسعود بن خلفان البطاشة.

مقالات مشابهة

  • تقني المعرفة أو المثقف الوظيفي وعقدة الإخوان
  • سلطنة عُمان تشارك في المؤتمر العربي الثامن للتقاعد والتأمينات بتونس
  • حوار الأجيال: عبق الماضي وإشراقة الحاضر والرفاهية
  • مؤشرات حول تنشيط التواصل الداخلي واتصال برِّي بعون يخفّض التصعيد.. حزب الله: الانسحاب قبل مصير السلاح
  • بيان عاجل من حركة النهضة حول صحة راشد الغنوشي في المعتقل
  • تصنيف 27 حزباً إلى ثلاث فئات وفق تمثيليتها البرلمانية مع اعتماد آلية تضمن تكافؤ الفرص في الإعلام العمومي
  • ذكرى النهضة.. ووجع الغياب
  • الحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة من داخل المؤسسات
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
  • صحيفة كندية تؤكد قدرة القوات اليمنية على شل الحركة البحرية السعودية