لجريدة عمان:
2026-07-24@10:11:25 GMT

لغة السياسة في عصرنا

تاريخ النشر: 23rd, July 2025 GMT

لا يمكننا أن نتحدث عن لغة السياسة المتداولة في عصرنا باعتبارها لغة واحدة يتداولها الساسة في كل مكان، وإنما يمكننا رصد بعض الصفات الغالبة على هذه اللغة، وتصنيفها بحسب مكانة الدول ومدى تأثيرها ونفوذها السياسي في العالم، وهذا ما يمكن تناوله باختصار في النقاط التالية، بما يكفي لإيضاح الفكرة التي أريد الإفصاح عنها.

في دول العالم الثالث الأقل تأثيرًا في النظم السياسية العالمية، ومنها معظم دول الشرق الأوسط، نجد أن اللغة السياسية المتداولة غالبًا ما تكون لغة مائعة لا تقول شيئًا عما يدور بين ساستها ونظرائهم عبر العالم في اللقاءات المهمة بشأن أمور وأحداث مهمة في عالمنا، على نحو يخفي أو لا يصرح بحقيقة مواقفها إزاء شعوبها وإزاء العالم؛ ولذلك نجد أن هذه اللقاءات أو المباحثات تنتهي عادة ببيان لا يقول شيئًا سوى هذه العبارة التي تتداولها الأخبار، وهي: «أن المحادثات قد تناولت الأحداث الراهنة والأمور ذات الاهتمام المشترك!!»، وهذه عبارة جوفاء لا تقول شيئًا. وبطبيعة الحال، فإن هناك أمورًا قد يكون من الصالح العام عدم الإفصاح عنها لضرورات سياسية، ولكن من غير المعقول أن تصبح مثل هذه العبارات هي اللغة المتداولة في كل الأحوال. والحقيقة أننا يمكن أن نستثني بعض الدول المؤثرة من هذه الحالة، مثل: تركيا وإيران؛ كما أننا يمكن أن نستثني منها بعض الدول العربية؛ لعل أهمها سلطنة عمان بوجه خاص التي تتبع دائمًا سياسة متوازنة تقوم على عدم الانحياز؛ وهذا ما أهلها للقيام بدور فاعل في النزاعات التي تجري حول العالم (وهو الدور الذي يمكن أن نلمسه أيضًا في السياسة الراهنة لدولة قطر). ولهذا السبب نفسه فقد وصفت في إحدى مقالاتي بهذه الجريدة الرصينة السياسة الخارجية لسلطنة عمان بأنها «سياسة عدم الانحياز الإيجابي»؛ فهي وإن كانت تتصف بعدم الانحياز، إلا أنها تظل فاعلة فيما يتعلق بمواقفها من النزاعات العالمية؛ ولذلك فإنها تفصح عن مواقفها دون مواربة.

أما في عالم الغرب، فإن الخطاب السياسي يتخذ لغةً مختلفة تمامًا وعلى أنحاء متباينة: فالخطاب السياسي على مستوى المؤسسات والمنظمات الدولية- بما فيها الأمم المتحدة نفسها- لا تملك شيئًا سوى التعبير بلغة الشجب والاستنكار لما يحدث في عالمنا من مجازر وأهوال!! ولا شك في أن هناك دولًا- مثل إسبانيا وإيرلندا- تتخذ لغة حاسمة في مواقفها من الظلم والعدوان الذي يجري الآن على شعب فلسطين؛ ولكن لغة الخطاب السائد في العالم الغربي لا تتجاوز غالبًا لغة الاستنكار أو الشجب والإدانة. بل إن بعض هذه الدول لا تزال تستخدم لغة الأكاذيب، فتصف المقاومة الفلسطينية- على سبيل المثال- بأنها جماعات إرهابية في نوع من التواطؤ مع السردية الصهيونية.

ولكن لغة السياسة الأمريكية الراهنة- كما ترد على لسان رئيسها الحالي دونالد ترامب- هي لغة لا نظير لها في تاريخ الخطاب السياسي؛ فهي لغة تصرح بالشيء ونقيضه ليس فقط في أوقات متباينة أو متباعدة، وإنما أيضًا في اليوم الواحد، وربما في السياق الواحد: ففي أثناء ترشح ترامب للرئاسة، وعد الناخبين والعالم كله بأنه سيقوم بإحلال السلام في كل مناطق الصراع، فصرح بأنه قادر على إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا على الفور عندما يفوز بالرئاسة، ولكنه لم يفعل شيئًا حتى الآن. ثم بدا من تصريحاته أنه يتحالف مع روسيا ولن يدعم أوكرانيا بالسلاح، ولكننا نكتشف أن ذلك هو جزء من أوراق اللعبة للضغط على أوكرانيا بهدف رضوخها لاستغلال معادنها الثمينة؛ ومن ثم وجدنا مؤخرًا تصريحات أخرى بدعم لا محدود لأوكرانيا بالسلاح والتهديد بمزيد من العقوبات على روسيا. وفيما يتعلق بالصراع في منطقة الشرق الأوسط تصدر دائمًا عنه تصريحات بأنه سوف يُنهي الحرب والصراع في غزة في غضون أسبوع، ولكن يبدو أن هذا الأسبوع لا يأتي أبدًا، على الأقل حتى كتابة هذه السطور (رغم أنه يستطيع بالفعل إنهاء الحرب على غزة إذا أراد ذلك، ولكنه يماطل من أجل تحقيق صفقات أو مساومات من وراء ذلك). كما أنه صرح بأنه يريد إقرار السلام بالتفاوض مع إيران، ثم يوجه لها ضربة محسوبة إرضاءً لإسرائيل وتحالفًا معها بهدف إظهارها باعتبارها القوة المهيمنة في منطقة الشرط الأوسط؛ وهو يعلن عداءه الصريح للحوثيين ويقوم بضرب مواقعهم في اليمن، ثم يسكت عنهم ويتفق معهم على عدم الاعتداء نظير عدم اعتدائهم على المصالح الأمريكية والقوى البحرية الأمريكية في البحر الأحمر (طالما أن إسرائيل بمفردها يمكنها توجيه ضربات إلى الحوثي).

ولعل هذا هو السبب في أن المفكر المغربي عبد السلام بن عبد العالي يرى- في مقال له بعنوان «السياسة نصفها جد، ونصفها لعب»- «أن السياسة «لعبة» غالبا ما تغيب عنا أطرافها، وغالبا ما نفتقد الخيوط المتحكمة فيها، وهي «لعبة» أقرب إلى المسرح والتمثيل منها إلى أي شكل آخر». وربما يفسر هذا نفسه ما ذهبت إليه أنا عن لغة السياسة المتداولة في عالمنا الراهن والمهيمنة على خطابه: فإذا كانت السياسات العالمية الراهنة تبدو أشبه بألعاب لا تخلو من التمثيل؛ فمن الطبيعي أن نرى لغة الخطاب السياسي أشبه بلغة لا ينبغي أن نأخذها على محمل الجد، أي كما لو كانت لغة صريحة أو تقصد واقعًا فعليًّا.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الخطاب السیاسی لغة السیاسة

إقرأ أيضاً:

مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها

مصطلح إشكالي يشير إلى تقديم دعم منظم ومقصود من قبل دول أو جهات فاعلة لأعمالٍ تصنف بأنها إرهابية، بغرض تحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية. ويشمل ذلك التمويل وتوفير الملاذ الآمن والتسليح والتدريب، وصولا إلى الدعم اللوجستي والسياسي الذي يضمن بقاء التنظيمات المسلحة واستمرار نشاطها.

وقد أصبح هذا المفهوم محورا مركزيا في النقاشات المتعلقة بالأمن الدولي، إذ إن هذا النوع من الدعم يضاعف القدرات الذاتية للجماعات المسلحة، ويجعل مكافحتها بالوسائل التقليدية أمرا بالغ الصعوبة. كما أن المفهوم تحول إلى أداة رئيسية في هندسة العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية، وبات معيارا حاسما في تقييم الشرعية السياسية للأنظمة وتبرير التدخلات ضدها، وأداة من أدوات الصراع على النفوذ وتصفية الحسابات السياسية.

تاريخيا، برز المفهوم خلال الحرب الباردة لوصف استخدام القوى العظمى جماعات مسلحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ، ثم اكتسب مركزية جديدة في سياق الحرب على الإرهاب، حيث استُخدم لتجريم دول بأكملها بوصفها حواضن للإرهاب، وصولاً إلى المنطقة العربية حيث تداخل مع جدل حاد حول التمييز بين رعاية الإرهاب ودعم حركات التحرر الوطني.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يمين) يصافح كيم جونغ أون رئيس كوريا الشمالية التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (الجزيرة)الإرهاب ورعايته ودعمه.. ما المقصود بكل ذلك؟

يعرّف الإرهاب (Terrorism) في أوسع صوره بأنه استخدام العنف أو التهديد به بغرض تحقيق أهداف سياسية، وقد يُلحق بهذا التعريف شروط أخرى مثل استهداف المدنيين أو ارتكاب أفعال تجرّمها القوانين.

ويمكن تمييز الإرهاب عن العنف السياسي والكفاح المسلح من خلال طبيعة الأهداف والضحايا، حيث يرتكز الإرهاب على الاستهداف المتعمد للمدنيين ولغير المقاتلين بغرض إيصال رسالة سياسية.

وفي المقابل، تشير رعاية الإرهاب إلى تقديم دعم مقصودٍ من دول أو جهات غير حكومية لجماعات مسلحة غير حكومية؛ من أجل تنفيذ تلك الأفعال نيابة عن الدولة، بغية تحقيق مصالحها مع الحفاظ على قدر من الإنكار. ويتجلى ذلك في صور مثل تقديم التمويل والملاذ والتدريب لتنظيمات أخرى، خدمةً لأهداف مشتركة.

إعلان

ويلحق بهذه التعريفات إشكالية وصف فعل محدد بأنه فعل إرهابي، والتمييز بينه وبين الكفاح المسلح أو المقاومة، خاصة إذا كان هذا الفعل موجها ضد الاحتلال. إذ لا توجد جهة دولية عليا متفق عليها تحدد ما ينطبق وما لا ينطبق عليه هذا الوصف، بل تظل المسألة خاضعة للتوازنات السياسية وحسابات الدول القوية وتأثيرها بحسب مصالحها الاستراتيجية.

أما مصطلح "الدولة الراعية للإرهاب"، فهو مصطلح في القانون الأمريكي والأنظمة القانونية المماثلة، ويعدّ تصنيفا رسميا يطلق على الدول التي يقرر وزير الخارجية -من منظور حكومته- أنها قدمت دعما متكررا لأعمال الإرهاب الدولي، سواء من حيث التمويل أو التدريب والتسليح أو تقديم ملاذ آمن أو غير ذلك، مما يترتب عليه فرض عقوبات اقتصادية صارمة وقيود على التصدير والمساعدات ورفع الحصانة السيادية أمام المحاكم.

وقد فرضت واشنطن -تاريخيا- عقوبات على دول مختلفة بحجة أنها راعية للإرهاب، مثل العراق وإيران والسودان وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا وليبيا واليمن الجنوبي. وقد تغيّر وضع بعض هذه الدول في فترات لاحقة بناء على تطور العلاقات السياسية والتسويات الدبلوماسية، حيث أزيل العراق في فترات معينة لغايات الدعم العسكري ثم أعيد، كما سحبت كل من ليبيا والسودان وكوبا من القائمة إثر تفاهمات سياسية محددة.

الرئيس الفنزويلي المعتقل نيكولاس مادورو أثناء اقتياده إلى محكمة أمريكية بتهمة الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات (رويترز)تطوّر مفهوم رعاية الإرهاب

برز مصطلح رعاية الإرهاب في الأدبيات السياسية والأمنية الغربية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لوصف ظاهرة لجوء بعض الحكومات إلى استخدام جماعات مسلحة غير حكومية وكلاء لتحقيق أهدافها. وارتبط هذا المفهوم بديناميكيات الحرب الباردة، حيث نظرت القوى الكبرى -ولا سيما الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية- إلى هذه التنظيمات بوصفها أداة غير مكلفة لخوض حروب بالوكالة ضد الخصوم، وتوسيع النفوذ في مناطق النزاع دون التورط في مواجهة عسكرية مباشرة.

ومن أبرز الأمثلة المبكرة على هذه الرعاية الدولية، ما أثير بشأن تقديم دول مثل ليبيا الأسلحة والدعم المالي لتنظيمات مثل الجيش الجمهوري الإيرلندي، والدعم السوفياتي لجماعات يسارية في أوروبا، إلى جانب رعاية دول شرق أوسطية لفصائل فلسطينية مسلحة لتصفية خصومات إقليمية.

وانعكس هذا الواقع العملي على نقاشات القانون الدولي، من خلال دفع الفقهاء والمؤسسات الدولية للبحث في كيفية تحميل الدول المسؤولية القانونية عن أفعال فاعلين غير حكوميين، مما أدى إلى تطوير نظريات قانونية معقدة مثل معيار السيطرة الفعالة؛ من أجل ربط الجرائم التي ترتكبها هذه الجماعات بالدول التي تمولها وتوجهها.

وعلى الرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه لمفهوم رعاية الإرهاب لأسباب عدة منها إصرار بعض الدول على التمييز بين ما تراه إرهابا وبين ما تراه حركات تحرر وطني، فقد تعاملت اتفاقيات مكافحة تمويل الإرهاب -وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999- مع مسألة مسؤولية الدول بوضوح، عبر إلزامها باتخاذ تدابير لمنع تمويل الأعمال الإجرامية، وتجريم توفير أو جمع الأموال لصالح جهات إرهابية، وتجميد الأصول التابعة لها، مما جعل توفير التمويل شكلا من أشكال رعاية الإرهاب المحظورة.

إعلان

وتقع رعاية الإرهاب ضمن التصنيفات القائمة لانتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، باعتبارها مشاركة في جرائم محظورة، حيث تحظر اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها استهداف المدنيين ونشر الرعب بينهم، وتعد الدولة الداعمة شريكة في هذه الانتهاكات متى ما ثبت توجيهها للفاعلين.

وتوجد ثغرات متعددة في المسار القانوني لمحاسبة الدول على دعم الإرهاب، منها صعوبة إثبات الارتباط السببي ومعيار السيطرة الفعالة بين الدولة والجماعة المنفذة، بسبب الطبيعة السرية لهذه العلاقات، إلى جانب التسييس واستخدام حق النقض في مجلس الأمن الذي يحول دون فرض عقوبات موحدة على الدول الراعية التي تحظى بحماية قوى كبرى.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يتحدث خلال اجتماع وزاري بشأن الإرهاب السياسي في واشنطن (رويترز-2026)عصا دعم الإرهاب

تستند البنية القانونية لتصنيف دولة ما بوصفها راعية للإرهاب إلى قوانين تشريعية محددة. فيعتمد النظام الأمريكي مثلا على ثلاثة قوانين رئيسية، هي: القسم 1754(ج) من قانون تفويض الدفاع الوطني (قانون الرقابة على الصادرات)، والقسم 40 من قانون مراقبة تصدير الأسلحة، والقسم 620 (أ) من قانون المساعدات الخارجية لعام 1961.

وتتمثل النتائج القانونية المباشرة المترتبة على هذا التصنيف في أربع فئات رئيسية، تشمل:

فرض قيود على المساعدات الخارجية الأمريكية. حظر الصادرات والمبيعات الدفاعية والأسلحة. فرض ضوابط على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج. فرض قيود مالية أخرى تمنع قروض المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وتسمح لضحايا الإرهاب برفع دعاوى قضائية للحصول على تعويضات مالية.

وتصنف الولايات المتحدة الأمريكية أربع دول باعتبارها دولا راعية للإرهاب، أقدمها سوريا (1979) قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عزمه على رفعها من هذه القائمة، ثم إيران (1984)، وكوريا الشمالية (2017)، وكوبا (2021).

وعلى صعيد العلاقات الدولية، يجتذب وصم الدولة الراعية للإرهاب انتباها سلبيا عالميا، يثبط الاستثمار الأجنبي والمساعدات الدولية. كما يعقد هذا التصنيف العلاقات الدبلوماسية ويقيد مرونة السلطة التنفيذية في التفاوض أو تحسين العلاقات الثنائية بسبب الطبيعة الشاملة للعقوبات. ولا يرتبط هذا التصنيف دائما بأدلة قاطعة وواضحة على دعم الإرهاب في الوقت الحاضر، بل يخضع بشكل كبير لاعتبارات جيوسياسية وتوجّهات السياسة الخارجية.

ولضمان التزام المجتمع الدولي، تستخدم العقوبات الثانوية للضغط على دول وشركات أخرى للامتثال لهذا التصنيف الأحادي، حيث تفعّل قوانين تعاقب الأفراد والكيانات والدول الثالثة التي تمارس أعمالا تجارية أو مالية مع الدولة المصنَّفة، مما يجبر المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية على مقاطعة تلك الدول حتى تتجنب التعرض للغرامات أو الحرمان من الوصول إلى الأسواق.

جدارية في العاصمة هافانا تضم زعماء في كوبا التي تصنفها الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب (أسوشيتد برس)النقد الأكاديمي والفكري

يمثل غياب تعريف دولي شامل ومتفق عليه لمفهوم الإرهاب ورعايته مشكلة قانونية. وفي هذا السياق، تجادل دراسة الباحث آري ويل (Ari Weil) المعنونة "تحديات تعريف الإرهاب في القانون الدولي" بأن هذا الغياب يترك فراغا قانونيا، ويجعل المفهوم خاضعا للأهواء، مؤكدا أن هذا الفراغ يسمح للدول بتوظيف المصطلح سياسيا لخدمة مصالحها وتجريم خصومها.

ويبرز نقد آخر يتعلق بالتداخل المعقد بين مفهوم رعاية الإرهاب ومفاهيم المقاومة والكفاح المسلح. وتوضح أطروحة الباحث عبد الجبار مكاوي حول "المسؤولية الجنائية الدولية عن جرائم الإرهاب الدولي" أن دولا عديدة تصر على التفريق بين الأعمال الإجرامية وبين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والسيطرة الاستعمارية. وقد خلق هذا التداخل جدلا عميقا حول مسألة الشرعية، وهو ذات الخلاف الدبلوماسي الذي أدى إلى شلل مفاوضات الاتفاقية الشاملة للإرهاب في الأمم المتحدة، حيث تتباين المواقف إزاء ما إذا كان دعم حركات التحرر يعتبر واجبا مشروعا أم رعاية للإرهاب.

إعلان

ومن أوجه الانتقاد الأخرى ظاهرة التركيز الانتقائي على حالات معينة من العنف وتصنيفها إرهابا برعاية دول، مع تجاهل حالات مشابهة ترتكبها دول أخرى. ويذهب هذا النقد إلى أن التركيز يُسلّط دائما على الفاعلين من غير الدول أو الدول المارقة، بينما يتم التغاضي عن إرهاب الدولة المباشر أو العنف الذي تمارسه القوى الكبرى، مما يجعل التصنيف أداة في يد الأقوى بدلا من كونه معيارا قانونيا محايدا.

كما أن التصنيفات الأحادية -مثل القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب- كانت هي الأخرى محل نقد، فهذه القوائم أدوات للسياسة الخارجية والمناورة الجيوسياسية، وليست تقييمات موضوعية. وتطرح دراسة "القائمة السوداء كسياسة خارجية" المنشورة في مجلة ديوك القانونية مشكلة إدراج الدول وخضوعها لخلافات سياسية واستخدامها أوراق ضغط أو مساومة، مشيرة إلى غياب المعيار الموحد في عملية التصنيف.

وتتضح هذه الانتقائية بشكل جلي عند مقارنة دول متهمة رسميا ومدرجة في القوائم بدول أخرى مستبعدة رغم دعمها لجماعات مسلحة. ويشير الباحث بول بيلار إلى حالة كوبا التي اعتبر بقاؤها في القائمة مرتبطا بالسياسة الداخلية الأمريكية، وحالة العراق الذي سحب من القائمة في الثمانينيات لتسليحه ضد إيران ثم أعيد إليها لاحقا. ويقارن الباحث ذلك بدول حليفة، مثل باكستان أو السعودية، التي استبعدت من التصنيف تماما رغم تقارير توثق تقديمها دعما لوجستيا أو تمويليا لجماعات مسلحة، مما يثبت تباين المعايير.

كما يوجد في الأدبيات أيضا نقد يشكك في فعالية رعاية الإرهاب وفرض العقوبات، وأثرها الفعلي، بين الحكومات والأنظمة التي قد تجد طرقا متعددة للالتفاف على هذه العقوبات والقيود، وبين الشعوب التي تكون هي من يتجرع تداعيات هذه العقوبات، بما يؤدي إلى إطالة أمد المعاناة، وتقويض العدالة بدلا من الحد من العنف.

مقالات مشابهة

  • العراق: الأوهام والسياق السياسي!
  • المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • حين لفظ القناع وجهه
  • علي الدين هلال : وحدة الصف الوطني ترتكز على الاتفاق في المبادئ واحترام التنوع السياسي
  • عُمان تتحرك لإحياء المسار السياسي في اليمن.. وباكستان تعلن مساندتها للسعودية
  • وزير الداخلية الإيراني: لا يجب أن تتخذ “بريكس” موقف اللامبالاة إزاء التطورات الحالية
  • السودان تدين الهجمات على البحرين والكويت والأردن والعراق
  • عُمان تؤكد ضرورة تجنب التصعيد في البحر الأحمر وتكثف جهودها لاستئناف المسار السياسي في اليمن
  • مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها