ناموس السمعة وذَنْبِيُّةُ الشُبهة من جاذبية الصيت الى ضجيج الخيبة
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
كتب الوزير السابق جورج كلاس: للسمعة في حياة الأشخاص تأثيراتٌ على وجودهم و مواقعهم في المجتمع ، إرثاً و حضوراً و توريثاً و منسوبَ كرامةٍ و مستوى مقام . إنها مبدأ أخلاقي يُنَمّى بالتربية و تجلوه التجارب و إختباراتُ الأحوال .
و السمعةُ المهنية مشفوعة بالخبرة المعرفية ، غالباً ما تكون اقوى من الشهرة ، و أعلى مرتبةً منها في تظهير حقيقة الناس ، كما ان لها فِعْلها في تصنيف الاشخاص إجتماعياً و إضفاء الهالات على رؤوسهم او إسدال الستارة على حضورهم ، كفعل إستباقي و حُكمٍ وقائي تفرضه الظروف و يتحكَّم بمساره توقّع الخيبات ، في بيئات متشظيَّة كثر فيها ( المنظِّرون ) و قلَّ فيها الفكر .
و غالباً ما تبني السمعةُ الاسمَ الرباعي للشخص المكوَّن عُرفاً من اسمه الاول و اسم أبيه و اسم العائلة ، مسبوقاً او متبوعاً أحياناً بالسمعة الطيبة التي تصيتُ عنه بالأبيض ، شهامة و أمانة و بسالة و كرماً و خصالاً حميدة ؛ او بالسمعة السيئة ،العاكسة لسلوكاته بالأسودِ، خيبةً و خيانةً و بخلاً و جبانةً و سوءَ أمانةٍ و غيبَةً و نكران معروف و طَوْلَاتِ لسان ..!
و السمعةُ ، بوَجهَيْها الطيب و السيئ ، اشبه ( بالنشرة الشخصية ) و بملخص عن سيرة حياة الفرد ، الذي غالبا ما يُحكَمُ له او يُحكَمُ عليه من خلال سمعته ، التي تسبق ادبيات التعرَُف اليه و التعريف به و التفاعل معه ، تقارباً او تباعداً .
السمعة الطيبة ، الموروثة و المعاشة و المورًَثة ،هي تراث يُحافَظُ عليه ، و مبادرة تُنَمَّى ، و رصيد يُستثمَر بالخير و النفع العام ..!
فمع السمعة يكتمل الاسم ، تعريفاً و نسباً و شهرةً و برْقَةَ تألُّقٍ نوَّار أوْ دَمسَة ذِلٍّ عتَّام .
و كثيراً ما تُغني السمعةُ الطيبة عن أي تعريف و شرح و وتقديم أوراق اعتماد لدى الناس بمختلف مستوياتهم و مواقعهم . هي تسبقُ الشخص إلى المحافل و المجالس ، و تعرِّف عنه و تدل اليه عن بُعد ، تماما كما العطر يفوح عبقه من بعيد ..!
فليس قليلاً ابداً ان يُسْبَقَ إسمُ شخصٍ بعبارة " هذا شخص مسموعته جيدة ، و إِبنُ أخلاقه ، و كلمته كلمة ، و حافظ سِرٍّ ، و مؤتمَنٌ على خوفٍ ، و ساتِرٍ لمذلَّةٍ ، و حامٍ لِعِرض " ، و ان يقال فيه انه ابن أبيه ، و سليل عائلته ،و كريم العرق ، حسباً و نسباً ..!
انها السمعةُ يا بُنيّ ، فحصِّنها بأخلاقك ، و كنْ على قدر مسؤولية ما تربيت عليه من قيم و خصال و ما حَصَّلتَ من طيب مَحْتِدٍ و غلال كرامة .!
سمعةُ الشخص و سمعَةُ الوطن و سمعةُ العيلةِ و سمعةُ المهنة و سمعةُ المؤًسسة و سمعةُ المدرسة و سمعة البيت و سمعة الجامعة و سمعة المشفى و سمعة المطعم و سمعة الفريق…كلّها ، أحكامٌ منطوقة باسم الناس العارفين الشاهدين لمحاسن السمعة او الشاهدين على سوئها ..!
فإستثمرْ بمسموعيتك و إجعلها مدخلَ الناس إلى قلبك و فكرك ، و بطاقة دخولك إلى مقامات الحضور و عقولهم و قلوبهم و ألسنتهم . فالناس يا بنَيَّ قوَّالون و ناقلون جيدون لما يرونه منك و يسمعونه عنك ، او ما يعانون منك ، و ألسنتهم ظالمة لا ترحم إنْ رأوا منك سقطة ولوْ من غير قصد منك ، فيصوِّبون على سمعتك الطيبة البيضاء و يبدلونها بسمعة لئيمة شتيمة سوداء .
و كن على قدر القيم التي تجتمع في ما هو مسموع عنك بالإيجاب و التقدير !
و إيَّاك ان تستخِفََ بمسموعيتك أبدا . و حَذارِ ان تتهاون بجزئياتها او ان تهمل أيَّاً من مفاصلها . فهي الموروثُ و الإرثُ و الجنى و الرصيد و المقام .!
فتقوَّ بالسمعة ، فهي عنوانك و علامتك المايزة ، و إبتعد عن ذَنْبيَّةِ الشُبهة ، فإنها هدّامة سَمَّامةٌ قاتلة !
أنت تتعبُ و تجهدُ لبناء سمعتك مدماكا مدماكا ، و هي رغم صلابتها الفولاذية و شعاعية نورها ، معرضة للخدش و الكسر كالبلوَّرة ، التي إذا ما إنشعرَ قلبها او إنقرفَ طرفُها ، أصابها العيب و صعب التصليح و الترميم، و نسي الناس كلَّ ابيض اصيل فيك و تطلعوا إلى العيب الطارئ ، فقاضوك و ظالموك و أدانوك و اطلقوا عليك من السلبيات أظلمَ من أحكام أي دكتاتور ، و قالوا فيك ما لا يخطر على بال و ما لم يُقَلْ في أي مجال .
ان خدش السمعة الطيبة و ترميمها ، اخطر و أقسى و اصعب من السمعة السيئة نفسها . فإصلاح الخدش يستلزم تبريرا و توضيحا و شرحا إقناعياً و جهدا كثيفاً و تَعبَةَ قلب و صَفْنةَ صَبْر ، أكثر مما يستوجبه جهد إبدالِ السمعةِ السيئةِ بصيتٍ حسن .
حافظْ على سمعتك الطيبة و مسموعيتك المجتمعية و إبقَ على رِفعتكَ و علِّ مكانتكَ ، فسمعتكُ هي انت و هي اهلك و هي عيلتك و هي وطنك و هي كل منْ و ما حولك .
إحترِمْ قانون السمعة ، إحفظْهُ عن ظهر القلب ، ففيه المنعةُ و كل أمل ، و إبتعِدْ عن ذَنبيَّةِ الخيبة ، ففيها مَقتَل ..!
مواضيع ذات صلة أسرار جاذبية المرأة Lebanon 24 أسرار جاذبية المرأة
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: حزب الله
إقرأ أيضاً:
خالد الجندي: عصر التزييف الرقمي يفرض علينا حسن الظن.. وسوء الظن يهدم المجتمعات
حذر الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، من تصاعد ما وصفه بـ“عصر الفتن الرقمية” مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الواقع أصبح ممتزجًا بالمحتوى المزيّف، ما يجعل التمييز بين الحق والباطل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
التمسك بقيم أخلاقية راسخةوأوضح الجندي، خلال حلقة برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع على قناة "dmc"، اليوم الثلاثاء، أن هذا الواقع الجديد يفرض على المجتمعات ضرورة التمسك بقيم أخلاقية راسخة، في مقدمتها “حسن الظن” و”التماس الأعذار”، مشيرًا إلى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، معتبرًا أن سوء الظن المتكرر يؤدي إلى تفكك العلاقات الاجتماعية وانهيار الثقة بين الناس.
ثقافة حسن الظنوأشار إلى أن المجتمعات في السابق، رغم غياب وسائل الإعلام الحديثة، كانت أكثر تماسكًا بفضل انتشار ثقافة حسن الظن، والتعامل بروح العذر والرحمة بين الناس، مؤكدًا أن هذه القيم كانت عنصرًا أساسيًا في حفظ استقرار المجتمع.
واستشهد بما نُقل عن بعض السلف الصالح، ومنهم ما رُوي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من علم من أخيه مروءة جميلة فلا يسمعن فيه مقالات الرجال”، في إشارة إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو الروايات غير الموثوقة.
التزكية والأخلاقوأشار إلى ما ورد عن العلماء في تراث التزكية والأخلاق، ومنه قول سعيد بن المسيب رحمه الله: “ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك”، موضحًا أن الأصل في التعامل بين الناس هو حمل أفعال الآخرين على الخير ما أمكن.
وأكد أن النصوص القرآنية والسنة النبوية دعت إلى هذا المعنى، مستشهدًا بقوله تعالى في سورة الحجرات، داعيًا إلى تجنب الظنون السيئة التي تزرع القطيعة بين الناس.
التسرع في الحكم على الآخرينوشدد الجندي على أن التسرع في الحكم على الآخرين، أو الانسياق وراء محتوى مجهول المصدر عبر وسائل التواصل، يؤدي إلى فقدان الثقة وتفكك العلاقات، مؤكدًا أن “حسن الظن” ليس سذاجة، بل هو وعي أخلاقي يحمي المجتمع من الانهيار النفسي والاجتماعي.
ونبه على أن التماس الأعذار والبحث عن التفسير الإيجابي لسلوك الآخرين يخفف من التوتر الاجتماعي، ويحفظ المودة بين الناس، ويمنع تراكم الضغائن التي تهدد استقرار الأسر والمجتمعات.