يمانيون../
استجابةً لله ولدعوة سماحة السيد القائد العلم عبد الملك بدرالدين الحوثي، يَشُدُّ الملايينُ من أبناء الشعب اليمني، اليوم الأحد، 12 ربيع الأول، رحالهم صوب ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء وبقية الميادين في المحافظات الحرة؛ إحيَـاء لذكرى ميلاد خير البرية الرسول الأعظم محمد “صلوات الله عليه وعلى آله”.

وبحسب التعميم الرسمي الصادر عن اللجنة التحضيرية للاحتفالات، فَــإنَّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سيقام في أكثر من 60 ساحة وميدانًا، حَيثُ تم تخصيص 28 ساحةً للنساء في أمانة العاصمة والمحافظات، مع تجهيزها بكافة الخدمات اللازمة لاستقبال ضيوف رسول الله من مختلف المناطق.

وجاء توسيع نطاق الاحتفال هذا العام بشكل أكبرَ من الأعوام الماضية؛ مِن أجلِ تعزيز مشاركة جميع فئات المجتمع، وتذكير أبناء اليمن بمواقف الأجداد من قبيلتَي الأوس والخزرج، الذين ناصروا رسول الله في بداية دعوته إلى الإسلام، وكيف أثَّرَ دخولُهم في نشر هذا الدين، كما أنها تهدف إلى استعادة هذا الدور الذي غُيِّب بفعل الأنظمة الحاكمة الفاسدة، التي خضعت للوصاية الخارجية والقوى المعادية للإسلام.

وكانت العاصمة صنعاء والمحافظات الأُخرى قد شهدت تحضيرات مكثّـفة منذ شهر صفر الماضي، برعاية حكومية، حَيثُ شاركت كافة مؤسّسات الدولة المدنية والعسكرية، إلى جانب مكونات المجتمع المدني.

وشهدت جميع المديريات والأحياء والحارات في عموم المحافظات اليمنية حضوراً فاعلاً هذا العام لإحيَـاء مناسبة المولد النبوي الشريف بزخم شعبي ورسمي منقطع النظير، حَيثُ تم تزيين المباني والمساجد والأحياء بالأضواء والأعلام الخضراء، فضلًا عن اللوحات والعبارات المرسومة على السيارات والجدران، وحتى على الصخور في قمم الجبال والقوارب على الشواطئ؛ ما شكّل لوحةً فنيةً عبَّرت عن فرحة اليمنيين وابتهاجهم بمولد خير البرية.

دعوة رسمية للمشاركة الفاعلة في إحيَـاء ذكرى المولد:

وفي السياق دعا وزير الخدمة المدنية والتطوير الإداري، الدكتور خالد الحوالي، السبت، كافة قيادات وكوادر وموظفي ومنتسبي وحدات الخدمة العامة بالدولة بجميع المستويات والسلطات المركزية والمحلية للاحتشاد والحضور المشرِّف في الاحتفال بذكرى المولد.

وأكّـد الحوالي أن الحضور والمشاركة لمنتسبي وموظفي مختلف مؤسّسات وأجهزة ومصالح الدولة المركزية والمحلية في الفعالية الكبرى، إنما هو تعبير عن تمسكنا وتوحدنا خلف راية نبينا المصطفى “عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التسليم”.

وَأَضَـافَ أن المشاركة المليونية في إحيَـاء ذكرى المولد اليوم إنما هي رسالة يطلقها موظفو جهاز الخدمة العامة في الجمهورية اليمنية أمام العالم أجمع، بأنه مهما تحالف ضدنا المتحالفون ومهما أجمع على حصارنا وقطع مرتباتنا وتدمير البنى التحتية لمؤسّساتنا الوطنية ونهب خيرات وموارد بلادنا وأمتنا وشعبنا، فلن يزيدنا ذلك إلا إصراراً وتماسكاً والتفافاً حول نهج مسيرتنا ومنهج نبينا وقائدنا وقدوتنا رسول الله الخاتم للبشرية محمد “صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله”.

العاصمة.. تسابق رسمي وشعبي للاحتفاء بـ “محمد”:

وفي ختام الفعاليات الرسمية والشعبيّة التي تتزامن مع الاحتشاد المليوني المركزي اليوم الأحد، أحيا صندوق مكافحة السرطان والمركز الوطني لعلاج الأورام، والقطاع النسائي بصندوق النظافة والتحسين في أمانة العاصمة، السبت، ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم السلام.

واعتبر المشاركون، ذكرى المولد النبوي مناسبةً جامعةً للأُمَّـة، موضحين أن الشعب اليمني كان له السبق في إحيائها على نطاق واسع وعلى كافة المستويات، معلنين جهوزيتهم للمشاركة الواسعة في الفعالية المركزية بميدان السبعين اليوم الأحد، لإيصال رسالة محبة وسلام للرسوم الخاتم.

وأشاروا إلى أهميّة إحيَـاء هذه المناسبة الدينية الجليلة التي تأتي واليمن يعيش مرحلة جديدة من التغيير والبناء، معتبرين إياها فرصة للتزود من عطاء وأثر وبركة هذه المناسبة العظيمة، لافتين إلى أن الشعب اليمني يجعل من هذه المناسبة محطة سنوية لاكتساب الوعي وشحذ الهمم واقتباس النور وتعزيز الولاء للرسول، حَيثُ قدم اليمنيون أنموذجاً مشرِّفاً ليس له مثيل بين الدول العربية والإسلامية في إحيَـاء ذكرى المولد.

وتطرقوا إلى بركات ذكرى المولد التي يبرز فيها دور اليمنيين المشرّف في نصرة القضية الفلسطينية في وقت تتخاذل أغلب الشعوب العربية والإسلامية عن دعم مقاومتها الباسلة.

حارة عمر المختار بشعوب تحتفي بمولد خير البرية:

وفي إطار الفعاليات المحمدية التي تشهدها مديرية شعوب بالعاصمة صنعاء، أحيت حارة عمر المختار، حفلاً فنيًّا وخطابيًّا بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وفي الفعالية التي حضرها جمع غفير من الأهالي، أكّـد الشيخ أحمد راجح الزبيري، عاقل حارة عمر المختار، على عظمة هذه المناسبة الدينية الجليلة، وذلك لارتباط اليمنيين بالرسول الأعظم “صلى الله عليه وعلى آله”، منذ بداية الدعوة الإسلامية قبل 1400 عام.

وتطرق الشيخ الزبيري، إلى محطات من حياة وسيرة الرسول الأعظم العطرة قبل وبعد البعثة النبوية وما رافقها من صعوبات وتحديات كادت تطيح بها لولا تضحياته وصبره وجهاده وثباته في مواجهة الطغاة ومعه الأنصار من الأوس والخزرج الذين آمنوا به وعزروه ونصروه.

ودعا إلى الاستفادة من تلك الدروس المحمدية ومواصلة الاقتدَاء بنهجه والسير على خطاه والتأسي به في كُـلّ الأعمال، مشدّدًا على ضرورة التحشيد والمشاركة الفاعلة في الفعالية الكبرى بميدان السبعين اليوم الأحد؛ لما من شأنه أن يغيظ الأعداء وإرسال رسائل للعالم أن الشعب اليمني متمسك بالنبي الأعظم محمد “صلى الله عليه وآله وسلم”.

ولفت عاقل حارة عمر المختار، إلى أهميّة تعظيم وإحيَـاء ذكرى مولد خير البشرية ومخرج الناس من الظلمات إلى النور النبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وتعزيز الارتباط بالقُدوة الحسنة قولاً وعملاً، معتبرًا المناسبة محطة تعبوية إيمَـانية هامة للسير على النهج المحمدي والعودة للقيم والمبادئ الإيمانية وترسيخ الصفات والأخلاق العظيمة في النفوس.

الضالع تستنفرُ ليوم الحشد الأكبر:

أما في محافظة الضالع، فقد نظَّمت السلطة المحلية والتعبئة العامة أُمسيةً خطابية بذكرى المولد النبوي الشريف “على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم”.

وفي الفعالية، أكّـد القائم بأعمال المحافظ عبد اللطيف الشغدري، أهميّةَ المناسبة وإحيَـائها بشكل يليق بعظمة صاحبها وحاجة الأُمَّــة للعودة إلى الرسول الأعظم والتأسي به والسير على نهجه، معتبرًا ذكرى المولد النبوي محطة للتذكير بسيرة وقيم ومنهج النبي الكريم -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ- واستلهام الدروس والعبر من سيرته.

ودعا الشغدري الجميعَ إلى الحشد المشرِّف في الفعالية المركزية اليوم الأحد، بما يليق بعظمة ذكرى مولد خير البشرية مخرج الناس من الظلمات إلى النور والاستفادة من هذه المناسبة في تحفيز الجهاد لمواجهة قوى الشر والاستعمار.

تهامةُ تجسِّدُ عظمةَ الرسول الأعظم:

وفي ختام الفعاليات بمحافظة الحديدة، نظمت شعبتا التوجيه المعنوي في الدفاع الساحلي والكلية البحرية ونقابة النقل الثقيل، أمسية احتفالية بذكرى المولد النبوي الشريف، على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم.

تناولت الأمسية التي حضرها وزير النقل والأشغال العامة، محمد قحيم، عظمة هذه المناسبة ومكانتها المتأصلة في وجدان الشعب اليمني الذي يحتفل بها جيلاً بعد جيل؛ إجلالاً وتكريماً لصاحبها الذي أرسله الله رحمة للعالمين -صَلَّى اللهُ عَـلَيْـهِ وَعَـلَى آلِـــهِ وَسَلَّـمَ-.

وألقيت في الاحتفاليات، العديد من الكلمات التي تطرقت إلى الدلالات الإيمانية لإحيَـاء ذكرى المولد النبوي كمحطة سنوية لتزكية النفوس والرجوع إلى سيرة الرسول الأعظم محمد والتأسي بمناقبه والاقتدَاء بنهجه القويم.

وأكّـدت على عظمة وأهميّة هذه المناسبة التي تتعزز من خلالها علاقة اليمنيين بالرسول الأعظم، الذي خَصَّهم بمنزلة عظيمة لمواقفهم المشرِّفة في خدمة الدين الإسلامي.

وأشاروا إلى ما يمثله يوم 12 ربيع الأول من أهميّة في حياة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ كون صاحبه يوحدهم جميعاً، كما أن الزخم الواسع وغير المسبوق لإحيَـاء المناسبة هو تجسيدٌ لمكانة الرسول الأعظم والمحبة والولاء والهُــوِيَّة اليمانية الإيمانية؛ باعتبَار الذكرى محطة تربوية تعبوية للسير على نهج المصطفى.

عمال اليمن.. حاضرون في ذكرى ميلاد النبي الأعظم:

عمال اليمن هم أَيْـضاً كانوا حاضرين بقوة في رحاب الحبيب محمد، حَيثُ نظمت المؤسّسة العامة لصناعة الغزل والنسيج بالعاصمة صنعاء، السبت، فعالية احتفائية بذكرى المولد النبوي الشريف.

وفي الفعالية، أشار رئيس مجلس إدارة المؤسّسة، المهندس أحمد عبد اللطيف المأخذي، إلى أن “الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يدل على عمق المحبة وَتعظيمنا لنبي الرحمة وسيد البشرية”، داعياً إلى استذكار القيم النبوية والمبادئ المحمدية ومواصلة الاقتدَاء بنهجه والسير على خطاه والتأسي به في كُـلّ الأعمال.

وأوضح الماخذي إلى أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف فرصة مهمة لتجديد العهد للسير على نهجه ورسالته العظيمة التي جاء بها ومحطة تربوية لتزكية النفوس وتقويم السلوك وتعزيز العطاء والتضحية والثبات والصمود وإحيَـاء الشعور بالمسؤولية في مقارعة قوى الكفر والنفاق والطغيان والاستكبار العالمي.

بدوره قال الدكتور يوسف الحاضري: إن “ذكرى المولد النبوي الشريف مناسبة إيمانية لتعزيز الصلة بالرسول الكريم وتجسيد ارتباط أبناء اليمن به والاقتدَاء بسيرته العطرة”، مبينًا أن الاحتفاء بهذه المناسبة يَدُلُّ على عمق العلاقة والارتباط الوثيق بالنبي والتعظيم والتقديس له والاعتزاز به وبرسالته وتعبير عن الولاء والمحبة الصادقة وَالراسخة في وجدان وقلوب اليمنيين.

وأكّـد الدكتور الحاضري أن الشعب اليمني سيثبت للعالم مدى ارتباطه وحبه للرسول الكريم من خلال المشاركة الواسعة والفاعلة والمشرِّفة في الفعالية المركزية للاحتفال بالمولد النبوي في ميدان السبعين اليوم الأحد، الـ12 من ربيع الأول وفي كُـلّ الساحات بالمحافظات.
——————————————————————————————-
المسيرة نت: هاني أحمد علي

المصدر

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: بذکرى المولد النبوی الشریف ذکرى المولد النبوی الشریف أفضل الصلاة وأتم أن الشعب الیمنی ة هذه المناسبة الرسول الأعظم العاصمة صنعاء علیه وعلى آله فی الفعالیة الیوم الأحد على صاحبها الله علیه أهمی ة ة التی الله ع ى الله

إقرأ أيضاً:

تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”

*محمد اللطيفي

في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.

الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.

ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.

ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.

*كاتب صحفي يمني

مقالات مشابهة

  • “قاسم”: القبلية توثر على آليات التوظيف واختيار القيادات بمؤسسات الدولة
  • “الحطاب”: المصالح الشخصية تتقدم لدى بعض المسؤولين عن معايير الكفاءة
  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • إجازة المولد النبوي 2026.. الموعد الرسمي وعدد أيام العطلة
  • “لنقي”: الاستقرار في ليبيا قادم لا محالة
  • تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
  • استهداف جديد لمنفذ “العبدلي” الحدودي بين العراق والكويت
  • إنفوجرافيك | معادلة “الحصار بالحصار”.. أبعاد ودلالات التصعيد الجديد في بيان القوات المسلحة اليمنية
  • الرفادي: إعلان حكومة من جنيف “بلطجة سياسية”.. والشرعية لا تُصنع من الفنادق
  • شركة “AJet” التركية تعلن خصومات تصل إلى 30% على الرحلات الدولية.