القدس المحتلة- تعكس تصريحات رئيس هيئة الأركان، إيال زامير، أبعادا عميقة تتجاوز مجرد التحذير من نقص في القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، وتكشف أزمة بنيوية داخل الجيش النظامي، الذي يواجه صعوبات متزايدة في ظل تراجع الالتزام بالخدمة، لا سيما في صفوف جنود الاحتياط، وتفاقم ظاهرة تهرب "الحريديم" من التجنيد.

وتشهد المؤسسة العسكرية أزمة غير مسبوقة في أعداد القوات، حيث أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن أكثر من 100 ألف جندي احتياط توقفوا عن أداء الخدمة، في حين يرفض بعضهم الانخراط في العمليات العسكرية لأسباب وصفوها بـ"الأخلاقية".

وفي قراءات لمحللين سياسيين وعسكريين، يمكن فهم تصريحات زامير بأنها مؤشر لخلل إستراتيجي بات يهدد استمرارية العمليات العسكرية في قطاع غزة ويقيد قدرة الجيش على تحقيق أهدافه، خاصة مع غياب غطاء سياسي فاعل أو خطة واضحة لما بعد الحرب.

الجيش الإسرائيلي يشهد نقصا متفاقما في صفوفه يصعب معه مواصلة حربه على غزة (الجيش الإسرائيلي) مخاطر نقص الجنود

وتتزامن التصريحات مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات وتوالي العرائض والرسائل التي يوقعها جنود وضباط في الخدمة والاحتياط، الرافضة للاستمرار في الحرب، مما يعزز الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو ويدفعها، وفق تقديرات، لإعادة النظر في خياراتها، بما في ذلك إمكانية القبول بصفقة تبادل توقف القتال.

وحذَّر زامير، من تفاقم أزمة النقص الحاد في القوى البشرية داخل صفوف الجيش، مؤكدا أن هذا العجز يشكل عقبة رئيسية أمام تحقيق أهداف الحرب في غزة.

وفي مناقشاته الأخيرة مع المستوى السياسي، التي نقلت تفاصيلها صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أوضح زامير أن النقص في أعداد الجنود، لا سيما ضمن الوحدات القتالية، يحد من قدرة الجيش على تنفيذ الطموحات العسكرية التي يضعها صناع القرار في الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو.

إعلان

وأكد أن الحكومة تواصل الاعتماد حصريا على الأدوات العسكرية ومقاتلي الجيش في إدارة الحرب، دون أي مسار سياسي موازٍ يمكن أن يدعم أو يكمل الجهد العسكري على الأرض.

نقص العدد قد يضعف قدرة جيش الاحتلال على الاستمرار في الحرب على غزة (الجيش الإسرائيلي)

وشدد زامير على أن هذا النهج غير كاف لتحقيق الأهداف المعلنة للحرب، خاصة في ظل غياب خطة سياسية واضحة تواكب العمل الميداني وتطرح بديلا واقعيا لحكم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة.

وأشار أيضا إلى أن مستوى الالتزام بالتجنيد حتى داخل الوحدات القتالية الأساسية قد انخفض بشكل مقلق، مما ينعكس على فاعلية العمليات العسكرية في الميدان.

وكشف زامير أن الإنجازات التي حققها الجنود في ساحة القتال بدأت تتآكل تدريجيا، نتيجة غياب دعم سياسي فعال، داعيا إلى تحرك سياسي "سريع" يواكب العمل العسكري.

طموح وتحديات

ورغم هذه التحذيرات، لا يزال المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت) يرفض طرح أي بدائل سياسية أو خطط لما بعد الحرب، حسب مراسل الشؤون العسكرية في "يديعوت أحرونوت"، يوآف زيتون.

وأكد زيتون أن رئيس الأركان طلب من الوزراء "التخلي عن أوهامهم"، وشدد على أن تجاهل الواقع المتمثل في نقص القوات يشكل تهديدا مباشرا لاستمرارية العمليات وقدرة الجيش على تحقيق أهدافه.

ونقل عن مصادر أمنية مطلعة قولها إن "نسبة جنود الاحتياط الذين ينضمون فعليا للوحدات القتالية لا تتجاوز 60 إلى 70% في أفضل الحالات".

وأشار إلى أن الخطة الإسرائيلية القائمة على الاستيلاء التدريجي على أجزاء صغيرة من قطاع غزة بهدف الضغط على حماس للتوصل إلى صفقة تبادل "أفضل"، قد تتحول إلى واقع عملي يخدم مختلف الأطراف باستثناء المحتجزين لدى المقاومة بغزة، الذين قد يدفعون الثمن في هذا السيناريو.

وتطرح في هذا السياق تساؤلات عن حجم الخسائر التي تكبدها الجيش الإسرائيلي، خاصة في قدراته البرية، مثل الدبابات وناقلات الجند المدرعة، وسط تساؤل لافت: هل امتناع الفصائل المسلحة عن شن هجمات مضادة هو أمر متعمد؟

ورغم الانطباع العام أن الجيش الإسرائيلي يسعى للتهدئة أو لتقليل المواجهة المباشرة، فإن مصادر أمنية متعددة تنقل عن زيتون أن زامير لا يزال يطمح إلى تحقيق "هزيمة عسكرية حاسمة" لحماس، عبر عملية برية واسعة، بأساليب وتكتيكات مغايرة لتلك التي جُرِّبت قبل وقف إطلاق النار.

إعلان

مع ذلك، فإن الاحتلال الكامل والمتجدد لغزة، وفقا لتقديرات عسكرية نقلها زيتون، سيكون عملية طويلة ومعقدة، وقد تستغرق عدة أشهر وربما تمتد إلى سنوات.

وسيتطلب هذا الخيار تعبئة وإعادة نشر عشرات الآلاف من الجنود، معظمهم من قوات الاحتياط، في وقت يواجه فيه الجيش أزمة متفاقمة في القوى البشرية، مما يجعل هذا السيناريو محفوفا بالتحديات والمخاطر على المدى البعيد.

بين السياسي والعسكري

وبالعودة للواقع، يرى أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الأمن في الجامعة الأميركية بواشنطن، بوعز أتزيلي، أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين يدركون أن استمرار الحرب لا يخدم مصلحة المحتجزين، بل يعرضهم للخطر.

وتجلى ذلك في مقتل ما لا يقل عن 41 أسيرا، كانوا أحياء عند احتجازهم، ثم لقوا حتفهم خلال العمليات القتالية أو نتيجة قرارات عسكرية اتُّخذت في سياق المعارك.

ويؤكد أتزيلي في مقال له بالموقع الإلكتروني "والا" أن إنهاء الحرب ليس ثمنا أو تنازلا، بل يمثل مصلحة أمنية وسياسية عليا لإسرائيل، كما عبرت عنها تصريحات رئيس الأركان زامير، وبالتالي فإن الدعوات لإنهاء القتال لاستعادة المحتجزين "لا تعني رفض الخدمة العسكرية، بل تعكس وعيا وطنيا وأخلاقيا".

 

ويرى أتزيلي أن الخبراء في شؤون الحروب غير النظامية داخل إسرائيل وخارجها يتفقون على "استحالة" هزيمة تنظيم مسلح كحماس عبر الوسائل العسكرية وحدها.

ويستشهد بالدمار الهائل الذي ألحقته الحرب على غزة خلال عام ونصف، والذي لم يحقق الأهداف المعلنة، رغم كون الجيش الإسرائيلي الأقوى في المنطقة، بل خلَّف أكثر من 50 ألف قتيل فلسطيني، بينهم آلاف النساء والأطفال، دون أن يضعف ذلك حماس.

ويضيف الأكاديمي أتزيلي أن الطريق الواقعي للتعامل مع حماس يكمن في خلق بديل سياسي لحكمها داخل القطاع، وفتح أفق سياسي أوسع، مشددا على أن الضمان الوحيد لمنع تكرار أحداث "7 أكتوبر" هو تعزيز المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، لا استمرار الحرب.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات الجیش الإسرائیلی

إقرأ أيضاً:

أزمة غاز خانقة في غزة تدفع النازحين لـحرق الكرتون والبلاستيك لإعداد الطعام

غزة"رويترز": في المخيمات المترامية الأطراف بجنوب قطاع غزة، تحولت الولاعات البلاستيكية إلى سلعة نادرة وفاخرة على نحو غير متوقع، لا تقل أهمية عن الطعام والماء والوقود للبقاء على قيد الحياة.

وبالنسبة لنسرين أبو سعادة، وهي أم لأربعة أطفال نزحت بسبب الحرب، أصبح إشعال النار لإعداد الطعام معاناة يومية في القطاع حيث لا يزال الغاز شحيحا، وتعتمد العائلات على حرق الكرتون والبلاستيك وقطع الخشب لطهي وجباتها.

وقالت "الخيمة بدون قداحة على الفاضي".

وأضافت "أصلا فيش غاز والنار ⁠24 ساعة بنولع نار يعني القداحة ضرورية كتير في الخيمة".

وقبل الحرب، كان بالإمكان شراء ثلاث ولاعات بلاستيكية مقابل شيقل واحد (0.33 ⁠دولار)، أما اليوم فقد ارتفع سعر الواحدة إلى 100 شيقل (32.55 دولار)، وهو مبلغ يفوق قدرة نسرين (38 عاما). وكانت تجلس إلى جانب موقد بدائي خارج خيمتها في خان يونس.

وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في غزة، أدت ندرة السلع الأساسية إلى تحويل أشياء يومية بسيطة إلى ‌مقتنيات ثمينة. وأصبحت الولاعات تتداول بين عشرات العائلات، وتنتقل من خيمة إلى أخرى ​قبل أن تتلف بفعل كثرة ⁠الاستخدام.

و قالت نسرين ابو سعادة "يعني أنا لما بدي أجي أولع النار بستنى يعني ​حدا يولع النار أشوف وين مولع النار وباخذ الكرتون ‌وبولع وباجي وما باجي إلا بتكون طفت النار تاني ورجع تاني يعني قصة بتكون يعني الواحد طلعت روحه قبل ما يولع النار".

وأوجد هذا النقص فرصة عمل لحسن أبو لطيفة، وهو أب ​لثلاثة أطفال نزح بسبب الحرب، ويعمل على إصلاح الولاعات البلاستيكية المعطلة في كشك صغير.

وقال الرجل البالغ من العمر 35 عاما، الذي كان يعمل مهندسا زراعيا قبل الحرب "هي مش مهنة أساسا لكن بسبب المعاناة وبسبب اضطرار الناس إلها وحاجتنا احنا برضو للعمل اضطرينا ان نعمل بهاي المهنة يعني انا كنت قبل الحرب اعمل مهندس زراعي الآن أعمل في صيانة القداحات اللي اجبرني على هي المهنة حاجة الناس لإصلاح القداحات وحاجتي أنا للعمل".

وأوضح أبو لطيفة، ‌الذي كان يجلس محاطا بصناديق من الولاعات التالفة وقطع الغيار المستعملة، أن ارتفاع الأسعار أجبر العائلات على إصلاح القداحات بدلا من ​رميها وشراء غيرها.

وألحقت الحرب دمارا واسعا باقتصاد غزة. وتقول وكالات تابعة للأمم المتحدة إن معدل البطالة في القطاع تجاوز 80 بالمائة، ​فيما اقتربت معدلات ‌الفقر ⁠من 100 بالمائة بعد أن قضى الصراع على معظم الأنشطة الاقتصادية ودمر البنية التحتية في أنحاء القطاع.

وأدى وقف إطلاق نار توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر إلى توقف العمليات القتالية إلى حد كبير، لكنه لم يضع حدا للهجمات الإسرائيلية، التي تقول ​إنها تستهدف حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) ومسلحين آخرين في غزة تعتبرهم تهديدا وشيكا.

من جهتها، تحمل ​حركة حماس الهجمات الإسرائيلية والقيود المفروضة على المعابر مسؤولية تعثر التوصل إلى اتفاق شامل ينهي الصراع.

ولا تزال كميات المساعدات التي تدخل إلى القطاع محل خلاف. ويقول المكتب الإعلامي التابع لحكومة غزة التي تديرها حماس إن الإمدادات تقل كثيرا عن الاحتياجات الفعلية للسكان، بينما تؤكد وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الجهة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن الشؤون المدنية والإنسانية في الأراضي الفلسطينية، أن شحنات الغذاء التي ​دخلت غزة منذ سريان وقف إطلاق النار تجاوزت الاحتياجات التي حددها برنامج الأغذية العالمي.

وبالنسبة لافتخار الكفرنة، وهي نازحة ​وأم لستة أطفال تعمل في إعداد الخبز في فرن تقليدي لكسب المال، أصبحت هذه الأداة الصغيرة ضرورية لكسب رزقها.

وقالت "يعني الحين لو فيه جداحة (قداحة) فيه شغل فيش جداحة الشغل حيقف يعني بقعد ثلاث أربع ساعات من غير شغل".

مقالات مشابهة

  • بعد الحرب.. أزمة إعادة إعمار قانونية في الجنوب
  • عاجل.. الجيش الإسرائيلي: بلاغ أولي عن إطلاق نار في البؤرة الاستيطانية حفات جلعاد بشمال الضفة الغريية
  • الجيش الأمريكي يكشف الأهداف التي قصفها بإيران لليلة الـ13 تواليا
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • تل أبيب تهدد بإشعال المنطقة.. وزير الدفاع الإسرائيلي يتوعد إيران برد مدمر حال تعرضها لهجوم
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • أزمة غاز خانقة في غزة تدفع النازحين لـحرق الكرتون والبلاستيك لإعداد الطعام
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
  • انحسار تاريخي للنيل.. خبير يحذر من تفاقم أزمة المياه في السودان
  • “سيناريو يُرعب تل أبيب”: وزير إسرائيلي يحذر من اصطدام بحري وشيك مع الجيش التركي.