البلاد – طهران
في خضم التوترات الإقليمية والمفاوضات المتقطعة حول برنامجها النووي، تسعى إيران، عبر تصريحات وزير خارجيتها عباس عراقجي، إلى رسم معادلة دقيقة: التأكيد على رفضها امتلاك السلاح النووي من جهة، والتشديد على حقها غير القابل للتنازل في تخصيب اليورانيوم من جهة أخرى. هذه المعادلة تكشف عن توازن دقيق بين محاولة استرضاء المجتمع الدولي، وتثبيت “حق سيادي” تعتبره طهران رمزاً لمقاومة الهيمنة الغربية.


خطاب عراقجي، الذي تضمن نبرة تصالحية تجاه رفض الأسلحة النووية، يعكس ثبات إيران على مبدأ طالما روّجت له في المحافل الدولية: “السلاح النووي ليس ضمن عقيدتنا الدفاعية”. لكن هذا الرفض لا يُقرأ في فراغ، بل يُنظر إليه كجزء من استراتيجية تفاوضية أوسع تهدف إلى تخفيف الضغوط وتهدئة مخاوف القوى الكبرى، خصوصاً مع اقتراب أي تفاهم محتمل مع واشنطن. إلا أن هذا الرفض لا يعني قبولاً بأي قيود خارجية على البرنامج النووي المدني الإيراني، وهو ما برز بوضوح في حديث عراقجي عن “الحق غير القابل للتصرف في التخصيب”، في إشارة ضمنية إلى أن أي اتفاق لن يُكتب له النجاح ما لم يعترف بحق إيران في امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة.
التمسك الإيراني بحق التخصيب يتجاوز البُعد التقني إلى ما هو أعمق: بعد سيادي وهوياتي، فعراقجي لم يتحدث عن التخصيب كحاجة علمية أو اقتصادية فحسب، بل ربطه بمفهوم “رفض الهيمنة”، وهو تعبير محوري في الخطاب السياسي الإيراني منذ الثورة عام 1979. هذا الربط يُظهر أن طهران تعتبر المساس بهذا الحق ليس مجرد انتقاص من مصالحها النووية، بل تعدياً على استقلال قرارها الوطني. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن استبعاد أن هذا الخطاب موجّه أيضًا لاستخدام “حق التخصيب” كورقة تفاوضية في أي اتفاق مستقبلي، بما يسمح لإيران بكسب تنازلات اقتصادية أو سياسية دون التنازل الكامل عن طموحاتها النووية.
إشارة عراقجي إلى “عدم وفاء” الدول النووية بالتزاماتها في معاهدة عدم الانتشار (NPT) تكشف عن أحد الخطوط الدفاعية الإيرانية في السجال الدولي: الإيحاء بأن إيران ضحية ازدواجية المعايير. بهذا المنطق، تحاول طهران نزع الشرعية عن الضغوط الغربية، ليس فقط بالاحتجاج القانوني، بل بتأطير المعركة ضمن صراع أوسع بين الجنوب العالمي والدول الكبرى التي تحتكر القوة النووية.
ويُظهر الخطاب الإيراني حول الملف النووي مزيجًا من الصرامة المبدئية والمرونة التكتيكية، فرغم التصعيد اللفظي، تبقي طهران باب التفاوض مفتوحًا، وتواصل التفاوض بوساطة عمانية مع الولايات المتحدة. هذه السياسة تشبه إلى حد كبير “حافة الهاوية المحسوبة”، حيث تستخدم إيران الخطاب السيادي لتعزيز موقفها التفاوضي، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

إقرأ أيضاً:

ترامب يهدد بتوسيع العملية العسكرية ضد إيران

عواصم (الاتحاد، وكالات)

أخبار ذات صلة خبراء ومحللون لـ«الاتحاد»: هجمات إيران تفاقم التحديات وتنذر بتداعيات كارثية إقليمياً ودولياً السفارة البريطانية في طهران تسحب موظفيها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لكنها ليست مستعدة لذلك بعد، متوقعاً أن تصبح مستعدة قريباً، مجدداً التأكيد على أن بلاده لن تسمح لها بامتلاك سلاح نووي.
جاء ذلك خلال فعالية سياسية في مدينة ماريتا قرب مدينة أتلانتا بولاية جورجيا الأميركية الواقعة جنوب شرقي البلاد، حيث شدد ترامب على أن «إيران تتعرض لضربات شديدة للغاية ويريدون التوصل إلى اتفاق لكني أقول إنهم ليسوا مستعدين للتوصل إلى اتفاق لأنهم في كل مرة يبرمون فيها اتفاقاً يريدون تغييره وكل شيء من هذا القبيل وهم ليسوا مستعدين لكنهم سيكونون قريباً جداً مع استمرار الضغط العسكري الأميركي».
وأضاف «نحقق انتصاراً في إيران ونضمن أنهم لن يتمكنوا أبداً من أن يفعلوا بنا ما فعلوه بكثيرين».
وبخصوص المخاوف من تأثيرات الوضع في مضيق هرمز على إمدادات الطاقة قال ترامب: «لا نحتاج إلى المضايق ولا إلى أي شيء ولا إلى مضيق هرمز لكننا نفعل ذلك (التحركات العسكرية ضد إيران) لأن علينا أن نفعله إذ لا يمكننا السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».
وتوقع ترامب أن تنخفض أسعار النفط قائلاً «قبل ثلاثة أسابيع اعتقدوا أن لدينا اتفاقاً لكني قلت إني لا أعتقد أن لدينا اتفاقاً مع هؤلاء لأنهم ينقضون كل اتفاق يبرمونه وقد تراجعت الأسعار كثيراً ثم ارتفعت قليلاً لكنها ستنخفض وربما إلى مستوى أدنى مما كانت عليه عندما بدأنا، فقط امنحوني قليلاً من الوقت».
وفي السياق، أبلغ الرئيس الأميركي موقع «أكسيوس»، أمس، بأنه يدرس بجدية استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، تشمل ضربات ستكون أكبر من تلك التي نُفذت خلال عملية «الغضب الملحمي».
وأقر ترامب بأن مثل هذا القرار ستكون له تداعيات، لكنه شدد على أنه لم يحسم أمره بعد، ولم يحدد موعداً لاتخاذ القرار، فيما أكد مسؤولان أميركيان آخران عدم صدور أي أوامر جديدة للجيش.
وأضاف الرئيس الأميركي: «أدرس تنفيذ هجوم ضخم، أكبر من أي وقت مضى. أنا قريب من اتخاذ القرار، وكل شيء جاهز».
وتأتي تصريحات ترامب في ظل تأكيد إدارته استمرار الضغط على إيران ومنعها من امتلاك سلاح نووي بالتزامن مع حديثه عن رغبة طهران في التوصل إلى اتفاق جديد. 
إلى ذلك، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمس، إن القواعد الصناعية والدفاعية الإيرانية «دمرت إلى حد بعيد»، مؤكداً أن «طهران تدفع بالفعل ثمناً باهظاً للغاية وقد تضطر إلى إعادة النظر في موقفها خلال الأيام القليلة المقبلة».
وأوضح روبيو في تصريح عقب مشاركته بالاجتماع الـ 59 لوزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» والاجتماعات ذات الصلة المنعقدة في العاصمة الفلبينية مانيلا أن «إيران تخسر منصات إطلاق الصواريخ وأنظمة الرادار بصورة يومية».
وأشار إلى أن إيران تتكبد أضراراً بمليارات الدولارات ليصبح اقتصادها في «وضع كارثي» مضيفاً أن طهران «تعاني بشدة» رغم خطابها السياسي والإعلامي.
ولفت روبيو إلى أن طهران تتواصل مع واشنطن بصورة مباشرة وغير مباشرة، مشككاً في الوقت ذاته في استعداد إيران الحقيقي للاتفاق.
وفيما يتعلق بأهداف واشنطن، أكد روبيو أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى إلى ضمان وجود إيران منزوعة القدرة النووية ولا تجعل تغيير النظام الإيراني هدفاً لها.

مقالات مشابهة

  • تحذير ألماني من خطر يهدد أوروبا بعد حديث عن “ثغرة خطيرة” في قدرة واشنطن العسكرية
  • ترامب يهدد بتوسيع العملية العسكرية ضد إيران
  • إيران: الرئيس الأمريكي انتقل من “لعبة الرجل المجنون” إلى “لعبة الرجل اليائس”
  • منيف عماش الحربي: إيران حركت الحوثيين للعودة إلى التفاوض بعد تراجع نفوذها الإقليمي
  • أزهري: أكثر مستخدمي الفيديوهات النافعة على السوشيال ميديا هم السيدات
  • وزير الداخلية الإيراني: لا يجب أن تتخذ “بريكس” موقف اللامبالاة إزاء التطورات الحالية
  • بيان خليجي أردني يدين القصف الإيراني ويجدد دعم حصر السلاح في العراق
  • ما هو موقع "بيكاكس ماونتن" الإيراني المرتبط بالبرنامج النووي؟
  • من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي
  • ترامب: إيران تريد التفاوض لكنها غير مستعدة لاتفاق في الوقت الحالي