أصوات الجوع في زمن الهدنة .. غزة تحت وطأة الانتظار| تفاصيل
تاريخ النشر: 25th, June 2025 GMT
وسط المدافع ورائحة الموت، تعيش أيام غزة ثقيلة ومثقلة بالدماء، على وقع حرب دامية اندلعت عقب الهجوم الذي نفذته حركة حماس على جنوب إسرائيل في أكتوبر 2023.
ومنذ ذلك الحين، لا تزال دوامة العنف مستمرة، حيث يتفاقم الدمار وتتزايد أعداد الضحايا يوما بعد يوم، قتلا بالقصف أو خوفا أو جوعا.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور جهاد أبولحية، أستاذ القانون والنظم السياسية الفلسطينى: "بينما يشغل التصعيد المتصاعد بين إيران وإسرائيل أنظار العالم، وتتصاعد التحذيرات من اندلاع حرب إقليمية كبرى، ترتكب في غزة جريمة إبادة جماعية بصمت مروع، وهذه الجريمة لا تتوقف، بل تتفاقم يوما بعد يوم، مستفيدة من انشغال العالم وتجاهل الإعلام الدولي المتزايد".
وأضاف أبو لحية- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن في غزة، الجوع ينهش أجساد الأطفال والنساء وكبار السن، وسط انهيار شامل للمنظومة الصحية.
وأشار أبو لحية: "المستشفيات القليلة التي ما زالت قائمة، أصبحت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية، إما بسبب تعرضها للقصف أو بسبب نفاد الأدوية والمستلزمات الطبية آلاف الجرحى، بينهم أطفال فقدوا أطرافهم، تركوا يواجهون الموت البطيء، بعد منعهم من السفر لتلقي العلاج".
وتابع: "وفي موازاة هذا الواقع المأساوي، تتواصل سياسات التهجير القسري الممنهج، تجبر العائلات على التنقل من منطقة إلى أخرى، في مشهد يشبه الترحيل الجماعي المنظم، وما إن تعلن منطقة ما "آمنة"، حتى تتحول لاحقا إلى هدف مباشر للقصف، لتبقى العائلات الفلسطينية دون مأوى، ودون أي شعور بالأمان".
وفي السياق نفسه، أعلن الدفاع المدني في غزة، أمس الثلاثاء، مقتل 51 شخصا منذ ساعات الفجر بنيران الجيش الإسرائيلي، معظمهم سقطوا قرب مركزين لتوزيع المساعدات في وسط وجنوب القطاع المنهك.
وأوضح مستشفى العودة أنه استقبل ما لا يقل عن 21 قتيلا ونحو 150 جريحا، بينهم 62 إصابة خطرة، نتيجة نيران إسرائيلية استهدفت المدنيين قرب جسر وادي غزة.
من جانبه، رصد الجيش الإسرائيلي تجمع للمواطنين في منطقة قريبة من قواته العاملة في ممر نتساريم وسط القطاع، مشيرا إلى تلقيه تقارير أولية عن إصابات بنيرانه، وأن التفاصيل لا تزال قيد المراجعة.
وشهادات الناجين رسمت صورة مروعة. يقول ربحي القصاص، أحد الناجين: "تجمعنا قرابة 50 ألف شخص قرب مفترق نتساريم.. خدعنا الإسرائيليون بدعوتنا للدخول إلى مركز توزيع الغذاء، ثم أطلقوا النار علينا بشكل عشوائي.. الشوارع امتلأت بالجرحى والقتلى فقط من أجل لقمة العيش".
وتابع متسائلا: "إلى متى سيبقى الناس على هذا الحال؟ نريد حلا لهؤلاء الضحايا الذين يموتون بلا سبب".
وأكدوا أخرين، أن الجيش الإسرائيلي أطلق الرصاص والقذائف المدفعية، بالتزامن مع هجمات بالطائرات المسيرة، مستهدفا الحشود التي كانت تنتظر المساعدات عند مفترق نتساريم.
في ظل الحديث الدولي عن جهود للتهدئة بين إسرائيل وإيران، عبر فلسطينيون عن أمنيتهم أن تنعكس هذه الهدنة على غزة أيضا، لكن واقع الحال يقول غير ذلك. فبدلا من بوادر التهدئة، ألقى الجيش الإسرائيلي منشورات في عدة مناطق من شمال القطاع تدعو السكان إلى مغادرة منازلهم والتوجه جنوبا، ما اعتبر تمهيدا لتجدد العمليات العسكرية.
والجيش الإسرائيلي حذر السكان قائلا: "العودة إلى مناطق القتال تمثل خطرا على حياتكم"، في مؤشر واضح على نوايا التصعيد.
في المقابل، كشفت مصادر مقربة من حركة حماس لوكالة رويترز عن وجود جهود جديدة لاستئناف مفاوضات وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وأكدت حماس أنها منفتحة على أي مبادرات تؤدي إلى إنهاء الحرب وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وهو مطلب ترفضه تل أبيب.
وأبدت الحركة استعدادها لإطلاق سراح الرهائن المتبقين كجزء من اتفاق شامل، في حين تصر إسرائيل على أن أي نهاية للحرب يجب أن تشمل نزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها العسكرية، وهو ما ترفضه الحركة بشكل قاطع.
ووفقا لوزارة الصحة التي تديرها حماس، فقد أدت الهجمات الإسرائيلية إلى مقتل نحو 56 ألف فلسطيني، ونزوح شبه كامل لسكان القطاع، وسط تفش مروع للجوع والانهيار الكامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: غزة إبادة جماعية قطاع غزة الاحتلال الولايات المتحدة المساعدات الإنسانية الجیش الإسرائیلی فی غزة
إقرأ أيضاً:
أمريكا الجنوبية تعمل على استئصال الجوع
تتراجع نسبة السكان الجوعى بوتيرة أسرع في أمريكا الجنوبية مقارنة بأي مكان آخر في العالم. لقد انخفضت بحوالي الثلث منذ عام 2020، حسب تقرير نشر في 21 يوليو بواسطة منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة. إذ يستهلك حوالي 3.5% فقط من سكان القارة سعرات حرارية غير كافية. وهذه أقل نسبة يتم تسجيلها.
القضاء على الجوع بحلول عام 2030 أحد أهداف "التنمية المستدامة" للأمم المتحدة. يقول ماكسيمو توريرو كبير الاقتصاديين بمنظمة الفاو "إذا كانت هنالك منطقة يمكنها تحقيق ذلك فهي أمريكا الجنوبية."
فعلت القارة ذلك من قبل. فالفقر تراجع بشدة في العشرية الأولى عندما عزز ازدهارُ السلع النموَّ الاقتصادي مما سمح للقادة اليساريين بالإنفاق السخي على البرامج الاجتماعية. ففي فنزويلا أوجد هوغو شافيز متاجر كبيرة (سوبرماركتات) مدعومة من الدولة. ومَوّل الزعيمان الأرجنتينيان نيستور وكريستينا كريشنر مطابخ الحساء. وتوسع رئيس البرازيل لويس ايناسيو لولا دا سيلفا في تقديم الائتمان لأسر الفلاحين أصحاب الحيازات الصغيرة.
نجح هذا الانفاق السخي. لكن عندما هبطت أسعار السلع في عام 2014 وأطلق هبوطها ركودا اقتصاديا حوالي المنطقة ارتفعت معدلات انعدام الأمن الغذائي ولم تهبط. كما جعلت الجائحة الوضع أسوأ. وجرجرت البطالة مع ارتفاعها شرائحَ واسعة من الطبقة الوسطى الى دائرة الفقر والجوع.
مع ذلك، تعافت معظم البلدان. وقادت البرازيل ركب هذا التعافي. فرئيسها لولا جعل الأمن الغذائي أولوية عندما عاد الى الرئاسة في 2023. وبحلول عام 2025 أخرجت البرازيل نفسها من خارطة الفقر التي أعدتها الأمم المتحدة. ترصد هذه الخارطة البلدان التي يعاني أكثر من 2.5% من سكانها من الفقر المزمن.
كما أزيلت كل من شيلي وغيانا الغنية بالنفط من هذه الخارطة. وتوشك الأرجنتين على الخروج منها بنسبة فقر تبلغ 3% من سكانها. وتقترب كل من كولومبيا والباراغواي من 4%، فيما تسجل بيرو وفنزويلا تقدما يقرِّبهما من نسبة 5%. حتى الإكوادور وبوليفيا شهدتا تحسنا قليلا عند 11% و20% على التوالي. فقط سورينام تتحرك في الاتجاه المعاكس.
استقرار الاقتصاد
يرتكز هذا التراجع على قواعد صلبة. أول هذه القواعد استقرار الاقتصاد الكلي. فالبنوك المركزية في بلدان أمريكا الجنوبية أكثر استقلالا وحذقا الى حد بعيد في إدارة التضخم مقارنة بما كان عليه حالها قبل عشرين عاما. لقد سارع مسئولو السياسة النقدية الى رفع أسعار الفائدة بشدة أثناء الجائحة. وهذا جعلهم يسيطرون على التضخم بسرعة أكبر قياسا ببلدان المناطق الأخرى.
ورغم انتفاخ حجم الدين العام بسبب حِزَم تحفيز كوفيد – 19 إلا أن الحكومات اللاحقة قلصت الإنفاق. فالإفراط فيه يمكن أن يرفع من معدل التضخم. وحقق العلاج بالصدمة الذي اعتمده خافيير ميلي للأرجنتين أول "فائض أوَّلي" في موازنتها منذ عام 2008. كما يخفِّض الإنفاقَ أيضا المحافظون في بوليفيا وشيلي والإكوادور. ويتعهد بالقيام بنفس الشيء اليمينيون المنتخبون حديثا في بيرو وكولومبيا.
هذا يخفف من الضغط على فاتورة البقالة (المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية المنزلية.) لقد تباطأ التضخم الشهري لأسعار الغذاء في الأرجنتين من ذروة تقارب 30% في عام 2023 (وكان من بين أسوأ المعدلات في العالم) الى أقل من 2% في يونيو. وهذا أقل من معدل نمو الأجور.
في بوليفيا كان معدل التضخم 33% في نوفمبر عندما تولى الرئيس اليميني رودريجو باز الحكم. وهو الآن عند 13%. وفي الإكوادور تحول تضخم أسعار الغذاء الى السلب فيما استقرت الأجور. كما شكل الانضباط المالي الى جانب الإحتياطيات النفطية الكبيرة حماية لأمريكا الجنوبية من الصدمة الاقتصادية لحرب إيران.
مع ذلك توافر المواد الغذائية عند أسعار معقولة بمرور الوقت لا يفيد أولئك الذين ليس لديهم ما يكفي لشراء الغذاء.
التحويلات النقدية
البرامج الاجتماعية هي ثاني القواعد التي يرتكز عليها نجاح أمريكا الجنوبية في تقليل الجوع. أشهرها برنامج التحويلات النقدية في البرازيل ( بولسا فاميليا) والذي يدفع للأسر إعانات إذا طعّموا أطفالهم وألحقوهم بالمدارس. كما رفع لولا دا سيلفا الحد الأدنى للأجور في البرازيل. يقول خوسيه جرازيانو دا سيلفا الرئيس الأسبق لمنظمة الفاو"هذه هي السياسات الجوهرية."
مثل هذه الإجراءات كانت قياسية في العشرية الأولى أيضا. لكنها أصبحت أكثر تعقيدا وتطورا، كما تقول اليزابيتا ريسيني رئيسة المجلس الاستشاري للأمن الغذائي التابع للحكومة البرازيلية.
لدى برنامج الاعانات ( بولسا فاميليا ) مدفوعات رقمية. وهو يربطها بسجلات اجتماعية أوسع نطاقا تقلل الغش وتمكِّن من تسريع المدفوعات (بحيث يمكنه حاليا على سبيل المثال تغطية العمال الموسميين الذين "يغطسون" في الفقر ويخرجون منه.) وتجرِّب كولومبيا إلغاء شروط التحويلات النقدية للأكثر فقرا الذين قد لا تكون هنالك لأطفالهم مدرسة يذهبون إليها. ويشمل البرنامج الاجتماعي المماثل في شيلي التدريب الوظيفي.
خطط التحويلات النقدية تحظى بشعبية واسعة. وقد تبناها الساسة اليمينيون. فالرئيس البرازيلي السابق جائير بولسونارو زاد الإعانة المالية الثابتة من برنامج "بولسا فاميليا" الى ثلاثة أضعافها عندما كان يتولى الحكم. وضاعف خافيير ميلي تمويل طوابع الطعام بعد انتقاده بواسطة الكنيسة الكاثوليكية. وتعهد ابيلارادو دي لا اسبيريلا الرئيس المنتخب اليميني والشعبوي لكولومبيا بتقليص نفقات الدولة بنسبة 40% ومع ذلك زعم إنه لن يمس الإعانات الاجتماعية. واحتاج الرئيس الشيلى المتزمت في نزعته المحافظة خوسيه انطونيو كاست الى استدعاء شبح جريمة المخدرات في مسعي منه لخفض الفوائد الاجتماعية. واقترح إعداد "قائمة سوداء بأسماء المخربين" تحرِم على أصحاب السجلات الإجرامية الحصول على الإعانات الحكومية وخدمات الدولة الأخرى.
تحديات
تظل هنالك تحديات خطيرة أمام مساعي التخلص من الفقر. أكبرها التغير المناخي. فمع ارتفاع درجات الحرارة ازداد انتشار الآفات الزراعية وأيضا تلف المحاصيل. ويبدو العام القادم خصوصا محفوفا بالمخاطر. تقول الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، وهي وكالة حكومية بالولايات المتحدة، أن الدورة القادمة لظاهرة النينو المناخية ستكون" قوية جدا. "وهذه هي الفئة الأعلى من بين خمس فئات لتصنيف الظاهرة واستخدمت للمرة الثالثة فقط منذ عام 1950. تقول عنها كارولينا تريفيلي الوزيرة السابقة في حكومة بيرو إنها ستفاقم كل مشكلة من مشاكل الغذاء.
ذلك يجعل هذه اللحظة غير مناسبة تماما لتصحيح وضبط البرامج الاجتماعية. مع ذلك التغيير مطلوب وتصارع بلدان عديدة "لفطام" المستفيدين من برامج التحويلات النقدية.
وجدت دراسة أن 20% من الأطفال الذين يغطيهم برنامج بولسا فاميليا ظلوا كذلك بعد أن بلغوا سن الرشد في عام 2024. وما بدا كمشروع له هدف محدد بدقة وقليل التكلفة نسبيا في عام 2003 تضخم لاحقا. فهو الآن يكلف 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي ويغطي ما يقارب خُمْس العائلات.
التصميم الحالي لهذه البرامج يحفز العاملين على عدم الانضمام الى القطاع الرسمي للاقتصاد، حسبما جاء في ورقة أعدها دانييل دوكي الباحث جامعة "مؤسسة جيتوليو فارجاس" في ساو باولو. يقول دوكي "توجد طرق أكثر كفاءة لمحاربة الجوع."
ثم هنالك النظام الغذائي. فقد ارتفعت نِسَب الأطفال زائدي الوزن والبالغين المصابين بالسمنة الى مستويات قياسية تقترب من 10% و30% على التوالي. وهذه من بين أسوأ النِّسب في العالم. وأمريكا الجنوبية، إذا حسبنا القوة الشرائية، تعتبر رابع أغلى مكان في العالم للحصول على نظام غذائي صحي بعد منطقة الكاريبي وشمال افريقيا وجنوب شرق آسيا. فالفواكه والخضروات غالية الثمن. وهذا وضع مفاجئ في منطقة معروفة بالزراعة. السبب في ذلك تخصيص الأراضي الزراعية الى حد كبير لإنتاج السلع الغذائية. وعندما تُزرع الخضروات تزيد تكاليفَها وعورةُ الطرق وسلاسلُ التبريد (المستودعات والشاحنات المبردة) غير المضمونة. ويتجه المستهلكون الفقراء غالبا الى شراء المنتجات المصنَّعة والتي تحتوي على سعرات عالية.
هذه المشاكل يمكن علاجها. فالتقنيات الجديدة تساعد المزارعين على التكيف مع التغير المناخي. ويقرّ واضعو السياسات في بوليفيا والبرازيل وبيرو دون ضجيج بأن برامج اجتماعية معينة في حاجة الى ضبط أهدافها على نحو أفضل.
كما ينتشر وضع الملصقات المحسّنة على الأغذية الصحية وأيضا فرض الضرائب الانتقائية على السلع الضارة، كما تقول جوليانا تانجاري الباحثة بمركز الأبحاث البرازيلي "كوميدا دو أمانيا."
لا يوجد نظام غذائي مثالي. لكن الجوع الصريح قد يلفظ قريبا أنفاسَه الأخيرة في أمريكا الجنوبية.