فطر شيتاكيه الآسيوي.. هل يصبح ذاكرة حواسيب المستقبل؟
تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT
في زمن تتسارع فيه ثورة الذكاء الاصطناعي والحوسبة العصبية، يطل علينا كائن بسيط ليذكرنا بأن العالم ما زال فيه أسرار تسبق مختبراتنا، إنه "فطر شيتاكيه".
فطر شيتاكيه هو نوع من الفطر الصالح للأكل، أصله من شرق آسيا، خصوصا اليابان والصين وكوريا، ويعد من أشهر أنواع الفطر في المطبخ الآسيوي.
لون هذا الفطر بني غامق وله قبعة عريضة قطرها من 5 إلى 10 سنتيمترات، وينمو على جذوع الأشجار الميتة، خصوصًا أشجار البلوط، كما أن له رائحة خشبية لطيفة وطعما مميزا يجعله شائعا في الحساء والمقليات والصلصات.
لكن في بحثٍ جديد من جامعة ولاية أوهايو الأميركية، اكتشف العلماء أن هذا الفطر يمكن أن يعمل كمكون إلكتروني ذكي يعرف باسم "المِمْريستور" أي "مُقاومة الذاكرة"، وهي وحدة قادرة على حفظ المعلومات عبر تغيّر مقاومتها الكهربائية.
وحسب الدراسة، التي نشرها الباحثون في دورية "بلوس وان"، قام الفريق بتجفيف أنسجة من فطر شيتاكيه وربطوا بها أقطابا دقيقة لقياس استجابتها لتيار كهربائي منخفض.
لكنه في هذه التجارب يستخدم لغرض مختلف تماما، إذ أفادت نتائج الدراسة بأنه عند تمرير الجهد في اتجاه معين ثم عكسه، تغيرت مقاومة الفطر بطريقة تشبه تماما طريقة عمل الخلايا العصبية في الدماغ، حيث "تتذكر" حالتها السابقة.
استطاعت هذه "الرقائق الفطرية" تسجيل أكثر من 5 آلاف إشارة كهربائية في الثانية، واحتفظت بالبيانات لفترة قصيرة بعد توقف التيار، أي أنها تصرفت مثل ذاكرة إلكترونية عضوية.
يفسر العلماء ذلك بأن الفطر يتكون من شبكة دقيقة من الألياف تسمى "الهيفات"، وهي تشبه من حيث البنية شبكات التوصيل النانوية، كما أن الفطر غني بالسكريات المعقدة والبروتينات التي تساعد على توزيع الشحنة الكهربائية عبر أنسجته بطريقة متزنة.
إعلانهذه الخصائص تجعل الفطر موصلا حيويا طبيعيا، وقابلا للتحلل بعد الاستخدام، وهو ما يجعله مثاليا لأجهزة إلكترونية "خضراء"، لا تخلّف نفايات سامة كالشرائح المصنوعة من السيليكون والمعادن الثقيلة.
كما تفتح هذه التجربة الباب أمام جيل جديد من الإلكترونيات التي تجمع بين الحياة والآلة، أو ما تُعرف "بالحوسبة الحيوية"، فيها يمكن أن تصنع وحدات الذاكرة والمعالجة من مواد عضوية، مثلا من خلايا نباتية أو فطرية، لتعمل بطريقة شبيهة بالشبكات العصبية البيولوجية، مع استهلاكٍ طاقة أقل بكثير.
التطبيقات المستقبلية قد تشمل أجهزة ذكاء اصطناعي صغيرة تزرع في البيئة وتتحلل ذاتيًا بعد انتهاء مهمتها، وحساسات حيوية قادرة على التفاعل مع النباتات أو التربة أو أجسام الإنسان من دون ضرر.
كما يمكن للعلماء ابتكار شرائح عضوية من هذا النوع تدخل في تصنيع الروبوتات المرنة أو الأطراف الصناعية الذكية.
لكن العلماء يحذرون في دراستهم من أن الطريق لا يزال طويلا، فالفطر لا يتحمل درجات الحرارة العالية أو الرطوبة الشديدة، كما أن استجابته الكهربائية تختلف من عينة لأخرى.
ولذلك، يركز الباحثون الآن على تثبيت الأداء وتحسين عمر المادة قبل التفكير في أي إنتاج صناعي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئية
حقق تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي إنجازا علميا جديدا، بعدما تمكن للمرة الأولى من رصد غاز الميثان بشكل مباشر في الغلاف الجوي لكوكب غازي عملاق يتمتع بدرجات حرارة معتدلة نسبيا خارج المجموعة الشمسية، في اكتشاف يفتح آفاقًا واسعة لفهم نشأة الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
ووفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلة The Astronomical Journal، نجح فريق دولي من العلماء في الكشف عن وجود الميثان في الغلاف الجوي للكوكب المعروف باسم "TOI-199b"، والذي يقع على مسافة تقارب 335 سنة ضوئية من الأرض.
ويُصنف هذا العالم البعيد ضمن فئة العمالقة الغازية، إذ تبلغ كتلته نحو 17% من كتلة كوكب المشتري، بينما يصل نصف قطره إلى نحو 81% من نصف قطر أكبر كواكب المجموعة الشمسية.
ويكمل الكوكب دورة كاملة حول نجمه الشبيه بالشمس كل 105 أيام تقريبًا.
كوكب عملاق بحرارة معتدلةما يميز "TOI-199b" عن العديد من الكواكب الغازية المكتشفة سابقًا هو موقعه المداري؛ فهو لا يدور بالقرب الشديد من نجمه كما هو الحال في الكثير من العمالقة الغازية المعروفة، الأمر الذي يمنحه مناخًا أكثر اعتدالًا.
وتُقدر درجة حرارة غلافه الجوي بنحو 79 درجة مئوية، وهي حرارة منخفضة نسبيًا مقارنة بالحرارة الشديدة التي تسجلها كواكب غازية أخرى تدور بالقرب من نجومها.
كيف كشف "جيمس ويب" عن الميثان؟اعتمد العلماء على تقنية "التحليل الطيفي العابر"، حيث راقب تلسكوب "جيمس ويب" مرور الكوكب أمام نجمه.
وخلال هذه العملية يتم تحليل الضوء النجمي الذي يخترق الغلاف الجوي للكوكب، ما يسمح بتحديد العناصر والمركبات الكيميائية الموجودة فيه.
وأظهرت النتائج وجود بصمة واضحة لغاز الميثان، وهو اكتشاف يتوافق مع النماذج النظرية التي توقعت وجود هذا الغاز في الأغلفة الجوية للكواكب الغازية ذات الحرارة المعتدلة.
تأكيد لنظريات تشكل الكواكبيمثل "TOI-199b" أول كوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يتم فيه تأكيد وجود الميثان بشكل مباشر، وهو ما يمنح العلماء دليلًا مهمًا يدعم النماذج الحالية الخاصة بتكوين الكواكب وتطور أغلفتها الجوية.
كما كشفت البيانات الأولية عن مؤشرات لاحتمال وجود مركبات أخرى، من بينها ثاني أكسيد الكربون والأمونيا، إلا أن العلماء يؤكدون الحاجة إلى المزيد من عمليات الرصد للتحقق من تركيز هذه الغازات بدقة.
وأشار الباحثون إلى أن دراسة التركيب الكيميائي لهذا الكوكب ستساعد في تحسين فهم العمليات الفيزيائية والكيميائية التي شكلت الكواكب عبر تاريخ الكون، وربما تسهم أيضًا في إلقاء الضوء على المراحل المبكرة التي مرت بها الأرض قبل مليارات السنين.
نافذة جديدة لاستكشاف العوالم البعيدةيرى العلماء أن هذا الإنجاز يعزز من أهمية تلسكوب "جيمس ويب" باعتباره الأداة الأكثر تطورًا لدراسة الكواكب الخارجية، كما يمنح المجتمع العلمي ثقة أكبر في توجيه المزيد من وقت الرصد نحو عوالم مشابهة.
ويُعد الميثان أحد أهم الجزيئات المستخدمة في دراسة الأغلفة الجوية للكواكب، لأنه يكشف الكثير عن طبيعة التفاعلات الكيميائية والظروف الفيزيائية السائدة فيها.
ورغم أن العلماء سبق لهم رصد الميثان في كواكب خارجية أخرى، فإن "TOI-199b" يُمثل أول مثال مؤكد لكوكب غازي عملاق معتدل الحرارة يحتوي على هذا الغاز، ما يفتح الباب أمام سلسلة من الاكتشافات المستقبلية التي قد تعيد تشكيل فهمنا لتنوع الكواكب المنتشرة في مجرة درب التبانة.