أبو الغيط: رسم معالم شرق أوسط جديد بالبارود والدم.. وهم إسرائيلي
تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT
دعا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، إلى تبني إعلام عربي مسؤول يبتعد عن التحريض والإثارة، ويعمل على صون وحدة المجتمعات العربية بعيدا عن الطائفية والمناطقية والتعصب الديني بكافة أشكاله.
جاء ذلك في كلمته اليوم خلال الجلسة الافتتاحية للدورة الـ21 من الملتقى الإعلامي العربي الذي انطلق في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث توجه في مستهل حديثه بالشكر إلى الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون على رعايته وحضوره فعاليات الملتقى، مؤكدا أن ذلك يعكس اهتماما أصيلا بدور الإعلام كجسر للتواصل بين المسؤولين والمواطنين في مسيرة التنمية الشاملة.
وأشار أبو الغيط إلى أن الملتقى يناقش هذا العام علاقة الإعلام بالتنمية، مؤكدا أن هذه الرسالة تتطلب مهنية وموضوعية ومسؤولية، وأن الإعلام الواعي يجب أن يكون أداة لتوعية المواطن بأهمية المشاركة في العملية التنموية، بما يضمن استمرار الدولة في تحقيق إنجازاتها على مختلف الأصعدة.
وشدد الأمين العام على أن قضية التنمية هي القضية الأولى على أجندة الدول والمجتمعات العربية، داعيا إلى أن تكون محور اهتمام الإعلام العربي الذي ينبغي أن يسهم في تحفيز المواطنين على المشاركة في مسيرة التنمية بوصفهم هدفها ووسيلتها في الوقت ذاته.
وأضاف أن الإعلام شريك أساسي في التنمية لما يمتلكه من تأثير على مختلف فئات المجتمع عبر وسائله المتعددة، موضحا أن دوره يتمثل في توعية المواطنين بأهمية التنمية وآفاقها المستقبلية، وتحويلها إلى قضية مجتمعية تمس كل فرد.
وفي سياق حديثه، تطرق أبو الغيط إلى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، مؤكدا أنه "عار على الإنسانية التي شاهدت المجازر دون أن توقفها"، مشيرا إلى أن العالم رأى وجه الاحتلال الحقيقي المتجرد من القيم والضمير الإنساني.
وأضاف: "نتطلع إلى أن يشكل اتفاق شرم الشيخ نقطة النهاية لهذه المقتلة البشعة، وأن تبدأ جهود إعادة الإعمار فورا، وأن تبقى فلسطين بأبنائها رغم كل محاولات التهجير".
وأكد أن إسرائيل تتوهم قدرتها على رسم معالم شرق أوسط جديد عبر الدم والبارود، إلا أن "الفضاء العربي من المحيط إلى الخليج سيظل عربي الانتماء واللغة، وأن أحلام اليمين الإسرائيلي المتطرف ستظل مجرد أوهام لا مكان لها في هذا العصر".
وفيما يتعلق بلبنان، جدد الأمين العام دعم الجامعة العربية لموقف لبنان الداعي إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضيه وتطبيق القرار الأممي 1701 بكل عناصره، منتقدا الخروقات الإسرائيلية المتكررة التي تهدف إلى التشويش على الداخل اللبناني وبث الفرقة فيه، مؤكدا ثقته بقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ قرار الحكومة بحصرية السلاح بيد الدولة.
واختتم أبو الغيط كلمته بالتأكيد على الحاجة إلى إعلام عربي حديث ومستنير يواكب تطورات العصر في التكنولوجيا والفكر، قائلا:
"ننشد إعلاما لا يحرض ولا يثير، يترفع عن الفتن، ويصون وحدة المجتمعات، ويحض الناس على التفكير لا التكفير، وعلى الإبداع لا الانصياع، وعلى النقد البناء لا المعارضة الاستعراضية."
اقرأ أيضاًأبو الغيط: الإعلام شريك في التنمية.. وما يحدث في غزة عار على الإنسانية
أبو الغيط يلتقي الرئيس اللبناني: تأكيد دعم الجامعة لسيادة لبنان وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار
أبو الغيط يشارك في افتتاح أعمال المؤتمر الإقليمي للتعاون القضائي في مكافحة الارهاب
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: بيروت الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط العاصمة اللبنانية بيروت العاصمة اللبنانية موقف لبنان أبو الغیط إلى أن
إقرأ أيضاً:
اقتصاديات التنمية في عصر الاضطراب
مؤخرًا، أعاد الخبير الاقتصادي داني رودريك إحياء إحدى أكثر المناقشات دوامًا في مجال اقتصاديات التنمية، زاعمًا أن البلدان النامية ينبغي لها أن تحول اهتمامها من التصنيع إلى الخدمات المعززة للإنتاجية؛ وهو بهذا يتحدى الافتراض السائد منذ أمد بعيد بأن التحول إلى التصنيع يظل المحرك الرئيسي للتنمية.
لكن القضية الأعمق ليست ما إذا كان ينبغي للخدمات أن تحل محل التصنيع، بل ما إذا كان فهمنا للتحول البنيوي يجب أن يظل على أنه حركة الموارد بين القطاعات في المقام الأول. الواقع أن هذا الإطار، الذي وجه اقتصاديات التنمية لأكثر من نصف قرن من الزمن، أصبح متعارضا على نحو متزايد مع الطريقة التي تخلق بها الاقتصادات الحديثة القيمة فعليا.
من دبليو. آرثر لويس وراؤول بريبش إلى ألبرت هيرشمان ونيكولاس كالدور، كان التحول البنيوي يُفهم على أنه إعادة توزيع العمالة ورأس المال من أنشطة منخفضة الإنتاجية إلى أنشطة أكثر إنتاجية.
احتل التصنيع مركز الصدارة لأنه جمع بين اقتصاديات الإنتاج الضخم، والتعلم التكنولوجي، ونمو الإنتاجية المستدام. لكن هذا الإطار عكس حقائق عصر حيث كانت المصانع في صميم التقدم التكنولوجي ونمو الدخل.
لم تتغير أهداف التنمية منذ ذلك الحين، حيث تظل الإنتاجية، والتعلم التكنولوجي، والتعقيد الاقتصادي ركائز الازدهار الطويل الأمد. ما تغير هو مكان ــ وكيفية ــ ظهور هذه القدرات.
يقود هذا التحول ثلاثة عوامل؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقة بين العمالة والإنتاج بسرعة، في حين أعاد التشرذم الجيوسياسي السياسة الصناعية إلى صميم الاستراتيجية الاقتصادية. في الوقت ذاته، يعمل التحول نحو الطاقة النظيفة على إعادة تنظيم الإنتاج حول التكنولوجيات الجديدة، والمعادن الـحَرِجة، والصناعات المنخفضة الكربون. ورغم أن أيا من هذه التطورات لا يقلل من أهمية التصنيع، فإنها تشير مجتمعة إلى أنها لم تعد تحدد مسار التحول البنيوي.
ما يهم على نحو متزايد ليس القطاعات بحد ذاتها، بل القدرات الإنتاجية التي تشملها. يعتمد التصنيع الحديث على البرمجيات، واللوجستيات، والتمويل، والمنصات الرقمية، بينما تعتمد الزراعة على التكنولوجيا الحيوية، وصور الأقمار الصناعية، والهندسة الدقيقة.
وتقود الخدمات المتطورة الآن عملية التعلم التكنولوجي، والإبداع، ودينامية التصدير التي كانت ترتبط في الماضي حصريا تقريبا بالتصنيع. نتيجة لهذا، تتلاشى على نحو مضطرد الحدود التي كانت تفصل بين هذه القطاعات في الماضي.
من نواحٍ عديدة، كانت القدرات دوما المحرك الحقيقي للتحول البنيوي. ولأن الخدمات الإنتاجية تضطلع على نحو متزايد بالدور الذي لعبته الصناعة التحويلية تاريخيا، فإن السؤال الأهم هو: ما هي الأنشطة التي تعمل باستمرار على توسيع قدرة الاقتصاد الإنتاجية؟
تكمن الإجابة في النظم الإيكولوجية التي تدمج التصنيع والهندسة مع البحث، والبنية الأساسية الرقمية، والتمويل، والمؤسسات العامة.
لنتأمل هنا مثال بطاريات المركبات الكهربائية. تشجع السياسة الصناعية التقليدية دولا مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية على معالجة الكوبالت محليا بدلا من تصدير الخام. لكن التصنيع المحلي وحده لم يعد يضمن حصول الدول على الأجزاء الأكثر ربحية في سلسلة القيمة.
فحتى لو نجحت جمهورية الكونغو الديمقراطية في إنتاج مكونات البطاريات ــ أو حتى البطاريات ذاتها ــ فسوف يتدفق قسم كبير من القيمة إلى أماكن أخرى طالما ظل التصميم، والمعدات المتخصصة، والبرمجيات، والمعايير الفنية، وشبكات التوزيع متركزة في الخارج.
توضح الصين هذه الديناميكية؛ فعلى الرغم من براعتها التصنيعية، لا تنبع ميزة الصين التنافسية من حجم التصنيع بقدر ما تنبع من سيطرتها على التكنولوجيات، والدراية الفنية، والملكية الفكرية، والنظم البيئية الصناعية التي يعمل التصنيع في إطارها. الدرس واضح: يتطلب التحول البنيوي الانتقال من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة امتلاك النظام البيئي الإنتاجي ذاته.
أما في حالة أفريقيا، فإن هذا الدرس يعزز الحجة لصالح التصنيع، حيث يظل بناء القدرات التكنولوجية والاستحواذ على مزيد من القيمة محليا من الأولويات الأساسية. بل يعمل الذكاء الاصطناعي والأهمية المتنامية التي تكتسبها الخدمات الإنتاجية على تعزيز الدور الذي يضطلع به التصنيع كمصدر قوي للتعلم، والتقدم التكنولوجي، وبناء القدرات.
بيد أن المزايا النسبية التي تتمتع بها أفريقيا تتطور هي أيضا. وعلى عكس الدول التي تأخرت في التنمية سابقا، تسعى الدول الأفريقية إلى التصنيع في عالم حيث يعمل التغير الديموغرافي، والتحول المناخي، والتكنولوجيات الرقمية على تحويل المشهد التنموي. ومع تقدم الاقتصادات المتقدمة في العمر، من المتوقع أن تستحوذ أفريقيا على قسم كبير من النمو في عدد السكان في سن العمل والطلب الاستهلاكي على مستوى العالم.
ولأن الدول الأفريقية غير مقيدة بأنظمة الإنتاج الموروثة، فإنها تستطيع بناء أنظمة الطاقة المتجددة، والصناعات المنخفضة الكربون، والبنية الأساسية المتكاملة رقميا من الصفر، بدلا من إعادة تأهيل الأنظمة الكثيفة الكربون التي بُنيت على مدار أكثر من قرن من الزمن. لكن قدرتها على الاستفادة من هذه المزايا ستعتمد على قدرتها على بناء مؤسسات تعزز التعلم والإبداع.
يجب أن تتطور السياسة الصناعية وفقا لذلك؛ فبدلا من الاكتفاء بتشجيع التصنيع أو استهداف قطاعات استراتيجية، يجب أن تعمل الحكومات على تهيئة الظروف الملائمة لتوسيع القدرات الإنتاجية. وهذا يعني رعاية أنظمة بيئية تربط الشركات بالجامعات، والمؤسسات البحثية، والنظم المالية، والبنية الأساسية الرقمية، والأسواق الإقليمية.
كان التصنيع في أفريقيا يرتبط دوما ببناء الأسس المؤسسية التي يقوم عليها أي اقتصاد حديث. تعتمد المجتمعات الصناعية على الأسواق الرسمية، والخدمات اللوجستية الحديثة، والوساطة المالية، والعقود القابلة للإنفاذ، والبيانات الجديرة بالثقة، وكل هذا مدعوم بمؤسسات قادرة على إدارة التفاعلات الاقتصادية المعقدة. لا تمثل المصانع سوى جزء واحد من هذه البنية الأوسع نطاقا.
هنا، تعرض علينا التكنولوجيات الناشئة فرصا جديدة لم تكن متاحة للدول التي تأخرت في التنمية سابقا. فالمدفوعات الرقمية، وأنظمة تحديد الهوية، والمنصات العامة القابلة للتشغيل البيني، والذكاء الاصطناعي، كلها عوامل كفيلة بتسريع عملية إضفاء الصفة الرسمية، وخفض تكاليف المعاملات، وتحسين إدارة الضرائب، وتوسيع نطاق القدرة على الوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرات الدولة.
الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، يملك القدرة على تحديث البنية المؤسسية التي تعمل الأسواق في إطارها. إذا أُدير الذكاء الاصطناعي على النحو السليم، فمن الممكن أن يساعد البلدان على تخطي مراحل من التنمية الصناعية، في حين يخلق فرصا جديدة لتطوير وحماية الملكية الفكرية.
من خلال تحدي مفهوم الاستثنائية الصناعية، قَدَّمَ رودريك خدمة قيّمة لاقتصاديات التنمية. وتتمثل الخطوة التالية في التشكيك في الاستثنائية القطاعية ذاتها وإعادة النظر في كيفية هيكلة الإنتاج.
في عالم يتمحور حول الشبكات الرقمية، والأصول غير الملموسة، والنظم البيئية الصناعية، سوف يعتمد الازدهار على قدرة الاقتصادات على تجميع وتجديد القدرات الإنتاجية. وبدلا من السير على خطى الدول التي تحولت إلى التصنيع في وقت سابق، يجب على أفريقيا أن تغتنم هذه اللحظة لصياغة نموذج جديد للتحول البنيوي.
*كارلوس لوبيس أستاذ في كلية نيلسون مانديلا للحوكمة العامة بجامعة كيب تاون. وهو مؤلف كتاب "فخ خداع الذات: استكشاف الأبعاد الاقتصادية للاعتماد على المساعدات الخيرية في إطار العلاقات بين أفريقيا وأوروبا".
*خدمة بروجيكت سنديكيت