أدانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، الثلاثاء، بشدة إصدار ميليشيا الحوثي لأحكام إعدام بحق عدد من المواطنين اليمنيين، معتبرة هذه الأحكام جزءًا من استراتيجية قمع شاملة تعتمد على "الخوف والترهيب" بدلاً من العدالة.

وقالت واشنطن إن العقوبات الصادرة بحق المدنيين هي "قرار تعسّفي" ولا تعكس أي محاكمات عادلة، معتبرة أن الحوثيين لا يستطيعون الحكم إلا عبر القمع والترهيب.

بدورها، شدّدت لندن على أن الأحكام الصادرة من المحاكم الحوثية تبرز "اعتمادًا دائمًا على الخوف كأداة للحكم"، ودعت إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والبعثات الدبلوماسية المحتجزين لدى الجماعة.

وأضافت باريس أن هذه "المحاكمات الصورية والإدانات الظالمة" تسلط الضوء مجددًا على طابع حكم الحوثيين القمعي، وأكدت أن المعتقلين بينهم موظفون دوليون يجب إطلاق سراحهم فورًا وبلا شروط.

وأصدرت محكمة حوثية خاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء قبل أيام أحكام جائرة ضد 17 مواطنًا بتهم ملفقة تتعلق بتشكيل شبكة "تجسس" مزعومة، ما أثار موجة من الإدانات الدولية والحقوقية، التي وصفت الأحكام بأنها سياسية بامتياز وتستند إلى محاكمات صورية. 

الإدانات الغربية تأتي في سياق أوسع من الانتقادات الدولية لأحكام الإعدام التي تصدرها ما تسمى المحكمة الجزائية التابعة للحوثيين، والتي اتُهمت عدة مرات باستخدام القضاء كأداة سياسية بدلاً من ضمان العدالة. وتوضح منظمات حقوقية محلية ودولية أن الكثير من المتّهمين خضعوا لمحاكمات "تفتقر لأدنى معايير المحاكمة العادلة"، ويُنظر كثير من أحكام الإعدام بوصفها عقوبات انتقامية ضد خصوم الجماعة. 

كما أصدرت الأمم المتحدة – عبر ممثليها – طلبًا صريحًا لوقف تنفيذ الأحكام، محذّرة من أن استمرار هذه الممارسات يقوّض السلام ويزيد من معاناة المدنيين في بلد يعاني أصلاً من أزمة إنسانية حادة. 

وترى هذه الأصوات أن الهدف من تلك الإعدامات ليس سوى ترهيب خصوم الجماعة وضرب أي صوت معارض أو مستقل، خصوصًا في ظل الضغوط المتصاعدة عليها دوليًا. وتشكّل هذه الأحكام مثالًا مباشرًا على أسلوب الحوثيين في "الحكم بالخوف"، والذي وصفته الدول الغربية بأنه نهج قمعي لا يراعي أبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

إقرأ أيضاً:

العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي

سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟

الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.

وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.

الاقتصاد كمشروع جماعي

تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.

في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.

وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.

وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.

خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد

يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".

ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.

أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.

ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.

أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.

نقد للنمو التقليدي

من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.

وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.

وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.

كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.

وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.

إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟

يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.

فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.

ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.

كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.

تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال

ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.

فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.

وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.

ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.

ما بعد منطق السوق

في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.

ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".

وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.

ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.

وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.

مقالات مشابهة

  • باحث سياسي: الفترة الماضية شهدت محاولات منظمة لإضعاف مؤسسات الدولة
  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • محاكمة في الظلام.. النهضة تهاجم أحكام المؤبد وتتهم السلطة بتصفية سياسية
  • تصعيد بين جماعة القديس بيوس العاشر والفاتيكان بعد الإعلان عن رسامة 4 أساقفة
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • نصار: لبنان يتجه لإلغاء الإعدام في تحول قانوني بارز
  • درك غرداية يحجز أزيد من 36 ألف قرص مهلوس
  • حمدان بن محمد يصدر قراراً بشأن تنظيم استخدام الكاميرات في توثيق مهام ضبط المخالفات وإجراءات تنفيذ الأحكام
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • خلية المطرية.. استكمال محاكمة 7 متهمين بتهم الإرهاب وتمويل الجماعات المتطرفة