لم تكن زيارة المسؤولين المصريين إلى بيروت خلال الأيام الماضية حركة عابرة في سياق المشهد اللبناني المعقّد، بل هي خطوة تأتي في لحظة إقليمية ساخنة، حيث تتحوّل الحدود اللبنانية- الإسرائيلية إلى ساحة اختبار للردع، وتغدو كل إشارة سياسية أو دبلوماسية جزءًا من هندسة أوسع تُعيد رسم قواعد الاشتباك في الإقليم.

الحراك المصري ظهر هذه المرة بملامح أوضح: رسائل دبلوماسية، لقاءات مكثفة، قنوات مفتوحة مع مختلف الأطراف، ومقاربات أمنية تُدار بعيدًا عن الضجيج.

وكأن القاهرة تقول عبر بيروت إنها عائدة للتموضع، لا كمراقب، بل كفاعل رئيس في هندسة التهدئة بين لبنان وإسرائيل، في لحظة تتراجع فيها أدوار قوى إقليمية تقليدية وتنشغل أخرى بحسابات داخلية.

أولاً: لماذا تعود القاهرة الآن؟

هناك ثلاث دوائر تفسّر هذا الانخراط:

1. الفراغ الإقليمي وغياب الوسيط المقبول

مع انكفاء بعض القوى وتآكل شرعية أخرى لدى الأطراف اللبنانية، تعود مصر باعتبارها الطرف الذي يحمل:

1-أوراق اتصال مع واشنطن.

2- خيوطًا تاريخية مع الجيش اللبناني.

3- علاقات مستقرة مع حزب الله رغم التباين الاستراتيجي.

4- مكانة تحظى بقبول خليجي.

الوسيط الفعّال لا يحتاج فقط إلى أوراق ضغط، بل إلى ثقة لدى الأطراف، وهو ما يُتيحه الموقع المصري الآن.

2. الظرف الدولي: واشنطن تبحث عن “إدارة أزمة”

المؤسسة الأمريكية تدرك أن أي حرب واسعة في الجبهة الشمالية ستكون مكلفة وغير محسوبة. لذلك تحتاج إلى طرف قادر على احتواء حافة الهاوية.

وهذا تحديدًا ما تطرحه القاهرة: تهدئة لا تفرّط، ولا تصعد، وتمنع الانفجار.

3. حماية الأمن القومي المصري

الصراعات الممتدة على أطراف الإقليم — من غزة إلى سوريا وحتى البحر الأحمر — تجعل أمن الحدود الشرقية والشمالية لمصر جزءًا من الأمن القومي المباشر.

أي توسّع للحرب شمالًا يعني فتح جبهة جديدة تُعيد خلط كل الأوراق الإقليمية.

ومن هنا يصبح الدور المصري ليس “وساطيًا” فقط، بل دفاعيًا استباقيًا.

ثانيًا: معادلة القاهرة الجديدة في لبنان

لم تعد مصر تتعامل مع لبنان بمنطق التكافل العربي التقليدي.

بل بمنطق الهندسة السياسية القائمة على 3 مسارات:

1. المسار الأمني

يتضمن قراءة مصرية دقيقة:

لحسابات حزب الله في الرد والردع.

وللمخاوف الإسرائيلية من تمدد الصواريخ الدقيقة.

ولإمكانية انزلاق الأطراف إلى حرب لا يريدها أحد.

الرسائل المصرية هنا كانت واضحة: تثبيت قواعد اشتباك تمنع الحرب الشاملة لكنها لا تعطل قدرة المقاومة على الردع المحسوب.

2. المسار الدبلوماسي

القاهرة أعادت ترتيب شبكة اتصالات:

مع رئيس البرلمان وحلفاء حزب الله،

مع قيادة الجيش، ومع القوى المسيحية المتوجسة من أي مواجهة جديدة، كذلك مع باريس وواشنطن في خلفية المشهد.بهذا المعنى، ليست مصر طرفًا ناقلًا للرسائل فقط، بل طرفًا مصيغا لشكل الرسالة.

3. المسار الإقليمي

لبنان لم يعد ملفًا محليًا، إنه مفصل حساس في لعبة توازن القوى بين إيران وإسرائيل.

ومن هنا تسعى القاهرة إلى:

منع الانزلاق إلى مواجهة تُضعف الدولتين العربيتين المحوريتين: مصر والسعودية.

الحفاظ على مساحة عربية مستقلة بعيدًا عن أي اصطفاف كامل مع واشنطن أو طهران.

صوغ آلية تنسيق عربية قد تعود لاحقًا إلى مسار سياسي أوسع بعد حلول الاستحقاقات اللبنانية المقبلة.

ثالثًا: ماذا تريد مصر من هذا الدور؟

1. استعادة دور “الضامن الإقليمي”

القاهرة تعرف أن دورها فقد الكثير خلال العقد الماضي بفعل العوامل الاقتصادية والسياسية.

لكن الأزمات الكبرى تمنح دائمًا نافذة لاستعادة المبادرة.

لبنان هو بوابة لإعادة تثبيت مصر كقوة إقليمية مسؤولة لا يمكن تجاوزها.

2. الحفاظ على الأمن القومي

كل هدنة شمالًا تُقلّل من احتمالات انفجار شامل قد يمتد إلى غزة، ويضع مصر في مواجهة تحديات غير مسبوقة على الحدود.

3. تعزيز ثقلها في أي مفاوضات حول ما بعد الحرب في الإقليم

الشرق الأوسط يعاد ترتيبه من جديد:

مستقبل الجبهة الشمالية، غزة، سوريا، النفط، ممرات البحر الأحمر…

ومن لا يملك أوراقًا اليوم لن يكون حاضرًا على طاولة الغد.

رابعًا: ماذا يعني الحراك المصري لبيروت؟

1. خروج لبنان من عزلته العربية

لبنان يعيش منذ سنوات على هامش الاهتمام الإقليمي.

التحرك المصري يعيد وصل بيروت بالعمق العربي.

2. توفير مظلة منع الانفجار

لا أحد يمكنه إيقاف الحرب إذا قررت تل أبيب الذهاب بعيدًا،

لكن يمكن تخفيف أسباب التفجير ومنع انزلاق الأمور إلى صدام شامل.

3. فتح مسار سياسي لما بعد الاشتباك

الأزمة اللبنانية ليست حدودية فقط، بل:

أزمة رئاسة.

أزمة اقتصاد منهار

أزمة ثقة شعبية في النظام.

القاهرة تتحرك بعين على التهدئة… وبعين أخرى على إدارة مرحلة سياسية طويلة قادمة.

خامسًا: قراءة في اللحظة الراهنة — لبنان كمرآة لصراع أكبر

الصراع شمالًا ليس لبنانيًا فقط، ولا حتى إسرائيليًا فقط.

إنه امتداد لحرب الإشارات بين واشنطن وطهران، وتحولات القوة في الإقليم، والتقاطع بين الخوف الإسرائيلي من خسارة الردع، ورغبة حزب الله في تثبيت قواعد جديدة، وحاجة القوى الدولية إلى منع انفجار واسع.

في وسط هذا المشهد المعقّد، تدخل القاهرة بصيغة جديدة:

دور مرن، هادئ، لا يرفع السقف ولا يخفضه، بل يضبط الإيقاع.

مصر تعود… ولكن بصيغة مختلفة

لسنوات ظلت القاهرة خارج ملفات الشمال، مكتفية بدور أعلى أو أدنى من الوساطة.

اليوم يتغير المشهد:

مصر تعود، لكن ليس كقوة “شرفية”، بل كقوة تدير توازنات دقيقة في منطقة هي الأكثر حساسية.

الحراك المصري في بيروت ليس مجرد زيارة، بل إعلان عودة إلى مركز المشهد العربي، في لحظة يحتاج فيها الإقليم إلى عقلٍ بارد وصوتٍ يعرف معنى الردع وحدود التهدئة.

وبهذا تتحول القاهرة من جديد إلى مهندس استقرار إقليمي، يدير الأزمات قبل انفجارها، لا بعدها.. .!!

باحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: لبنان محمد سعد الأزمة اللبنانية الحراک المصری حزب الله

إقرأ أيضاً:

نتنياهو يتوعد إيران بالسقوط ويهدد بيروت : لا عودة لنظام طهران

أكد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستواصل مواجهة خصومها في المنطقة، مشددًا على أن النظام الإيراني يعيش مرحلة غير مسبوقة من الضعف وأن نهايته ستكون السقوط.

 وجاءت تصريحات نتنياهو خلال حفل توديع رئيس جهاز الموساد المنتهية ولايته ديفيد برنياع، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة تتداخل فيها ملفات إيران ولبنان والمفاوضات الجارية برعاية أمريكية.

إيران

وقال نتنياهو خلال الحفل الذي أقيم مساء الاثنين إن كل من يسعى إلى الإضرار بإسرائيل سيدفع ثمنا باهظا، معتبرا أن إيران تكبدت بالفعل خسائر كبيرة خلال الفترة الماضية. 

وأضاف أن "أركان نظام الرعب في إيران قد تصدعت"، مؤكدًا أن النظام الإيراني "لن يعود أبدا إلى ما كان عليه"، وأن مستقبله المحتوم هو السقوط.

المستشار العسكري للمرشد: مضيق هرمز يخضع لإدارة إيران ونرفض استمرار الحصارنتنياهو: نظام إيران سيسقط في النهاية

وتأتي هذه التصريحات في ظل حالة من الغموض التي تكتنف المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، والتي تهدف إلى التوصل إلى تفاهمات بشأن عدد من الملفات الشائكة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، والتوترات في الخليج، والأوضاع في لبنان.

 كما تتزامن مع تزايد الضغوط الدولية الرامية إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع قد تشمل عدة جبهات في آن واحد.

وخلال كلمته، أشاد نتنياهو بالدور الذي لعبه جهاز الموساد خلال السنوات الأخيرة، واصفًا إياه بأنه الجهاز الاستخباراتي الأبرز عالميًا في مجال مكافحة الإرهاب والعمل الاستخباراتي. وقال إن الموساد يمثل إحدى أبرز "العلامات الإسرائيلية الناجحة" إلى جانب قطاعات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والطب والزراعة.

واعتبر نتنياهو أن فترة قيادة ديفيد برنياع للموساد، والتي امتدت لخمس سنوات، كانت من أكثر المراحل حساسية في تاريخ إسرائيل الحديث، مشيرًا إلى أن الجهاز حقق خلال تلك الفترة إنجازات وصفها بالمصيرية في مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية.

من جانبه، دعا برنياع إلى مواصلة الضغوط على إيران بعد الحرب الأخيرة، مؤكدا أن منع طهران من امتلاك سلاح نووي كان أحد أبرز أهدافه خلال فترة رئاسته للموساد. وقال إن النظام الإيراني يمر حاليًا بأضعف مراحله، معتبرا أن تغيير الواقع السياسي داخل إيران عبر إسقاط النظام "هدف ممكن وقابل للتحقيق" إذا توفرت الإرادة والاستمرارية في العمل.

وفي تطور متصل، تسلم رئاسة جهاز الموساد رسميا القائد العسكري السابق رومان جوفمان، الذي شغل سابقًا منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الإسرائيلي، خلفا لبرنياع الذي أنهى ولايته.

الساحة اللبنانية

على صعيد آخر، وسع نتنياهو دائرة رسائله السياسية والعسكرية لتشمل الساحة اللبنانية، حيث أعلن أنه أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اتصال هاتفي بأن إسرائيل ستضرب أهدافًا داخل بيروت إذا لم يتوقف حزب الله عن مهاجمة المدن الإسرائيلية.

لبنان.. كاتس يزعم حصول إسرائيل على ضوء أخضر أمريكي لضرب بيروتالمملكة المتحدة تدين التصعيد الخطير للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنانلولا وجودي لكنت في السجن .. ترامب يهاجم نتنياهو بسبب العدوان على لبنان

وأوضح نتنياهو أن هذا الموقف لا يزال قائما، مؤكدا أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته العسكرية في جنوب لبنان وفق الخطط الموضوعة مسبقًا. كما شدد على أن أمن الإسرائيليين يمثل أولوية قصوى بالنسبة لحكومته، وأن أي هجمات جديدة من جانب حزب الله ستقابل برد عسكري حازم.

وتزامنت تصريحات نتنياهو مع مواقف مشابهة أطلقها وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أكد أن الضاحية الجنوبية لبيروت ستكون هدفًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية إذا لم يلتزم حزب الله بوقف إطلاق النار. وقال كاتس إن الإدارة الأمريكية تتفهم الموقف الإسرائيلي القائم على مبدأ الرد بالمثل في مواجهة الهجمات الصاروخية.

في المقابل، أعلنت السفارة اللبنانية في واشنطن أن حزب الله وافق على مقترح أمريكي يقضي بوقف متبادل للهجمات بين الجانبين، في خطوة اعتبرت محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انهيار المسار التفاوضي القائم. وبحسب البيان اللبناني، فإن الترتيب المقترح ينص على وقف الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل امتناع حزب الله عن تنفيذ عمليات ضد إسرائيل، مع العمل لاحقًا على توسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل جميع الأراضي اللبنانية.

كما أشار البيان إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ السفيرة اللبنانية لدى واشنطن بحصوله على موافقة إسرائيل على هذا الترتيب، ما فتح الباب أمام استمرار جولات التفاوض بين الطرفين خلال الأيام المقبلة.

مكالمة هاتفية متوترة

غير أن المشهد شهد تطورًا لافتا بعد تسريب معلومات عن مكالمة هاتفية متوترة بين ترامب ونتنياهو. ووفقا لما أورده موقع "أكسيوس"، فإن الرئيس الأمريكي أعرب عن غضبه الشديد من خطط إسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية في لبنان، محذرًا من أن ذلك قد يؤدي إلى نسف الجهود الدبلوماسية الجارية مع إيران ويقوض فرص التوصل إلى اتفاقات إقليمية أوسع.

وبحسب التقرير، شهد الاتصال تبادلًا حادًا للآراء، حيث انتقد ترامب توجهات حكومة الاحتلال الإسرائيلية بشأن لبنان، معربًا عن قلقه من أن تؤدي الضربات المحتملة على بيروت إلى تصعيد إقليمي واسع النطاق. كما أبدى اعتراضه على العمليات العسكرية التي تستهدف مناطق مكتظة بالسكان بهدف ملاحقة قيادات ميدانية محددة.

ورغم حدة الخلاف، تؤكد التقارير أن التنسيق الأمريكي الإسرائيلي لا يزال قائما في ملفات عديدة، خاصة فيما يتعلق بإيران وبرنامجها النووي. إلا أن هذه المكالمة عكست حجم التباينات القائمة بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الأزمة اللبنانية وتوقيت التصعيد العسكري.

وتأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه وفود لبنانية وإسرائيلية لعقد جولة جديدة من المفاوضات برعاية أمريكية في واشنطن، وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل وقف إطلاق النار، وآليات الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ومستقبل سلاح حزب الله، إضافة إلى تأثير تلك المفاوضات على المسار الأوسع للعلاقات الأمريكية الإيرانية.

طباعة شارك بنيامين نتنياهو إسرائيل إيران ديفيد برنياع إيران ولبنان لبنان وإسرائيل إيران وإسرائيل البرنامج النووي الإيراني الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

مقالات مشابهة

  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • عن استهداف بيروت... إليكم ما قاله وزير الخارجية الأميركيّة
  • إسرائيل تهدد باستهداف بيروت: لن تبقى هادئة إذا تواصلت هجمات حزب الله
  • نتنياهو يتوعد إيران بالسقوط ويهدد بيروت : لا عودة لنظام طهران
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • "مصر للطيران" الناقل الوطني المصري تواصل جسرها الجوي لعودة ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام
  • كيف أجهض ترامب خطة اجتياح بيروت؟
  • رباعي التحكيم المصري يغادر القاهرة للمشاركة في كأس العالم