اكتمال ينتظر صاحبه
تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT
سلطان بن محمد القاسمي
لم يتغير شيء حولي تقريبًا، نفس الأماكن، نفس الوجوه، نفس التفاصيل التي تتكرر كل يوم دون إضافة تُذكر. ومع ذلك، بدا في داخلي شيء لا يشبه هذا الثبات؛ كأن القلب يلتفت إلى جهة لا تراها العين بعد، وكأن الهدوء الذي يسكنني ليس وليد ما يحدث، بل ما يستعد أن يحدث دون إعلان. شعرت وكأن الحياة تُجري تعديلا صغيرا في أعماقي، لا أرى أثره بوضوح، لكنني أتبينه في طريقة استيعابي للأمور، في صبري الذي لم أعرف متى تعلّمته، وفي اتساع روحي لما كان يزعجها من قبل.
ببطء لا يسمعه أحد، بدأت بعض المعاني تتحرك في داخلي وتعيد ترتيب نفسها، كما لو أنها تهيئني لمرحلة لم أصل إليها بعد. لا جديد في الخارج، لكن هناك اتساعا لطيفا في الداخل، يشبه التنفس بعد ضيق طويل، ويشبه القوة حين تتشكل قبل الحاجة إليها. ومع مرور الأيام، اكتشفت أن القرارات التي لم أتخذها بعد كانت تبنيني بصمت، تدرّبني على ما هو قادم، وتختبر مدى اتزاني قبل أن أحتاجه. عندها أدركت أن الإنسان لا ينتظر التغييرات لتصنعه؛ بل يتغيّر قبل أن يعرف ماذا ينتظر، وكل ما يكتمل في الخارج يكون قد اكتمل قبل ذلك بكثير في القلب أولًا. فبعض النضج لا يعلن عن نفسه، لكنه يغيّر طريقة رؤيتنا لكل شيء.
ولعلّ أجمل ما يحدث لنا أننا نُشفى قبل أن نعرف أننا كنا مجروحين، ونصعد قبل أن ندرك أننا كنا في القاع؛ ففي داخل كل واحد منا معركة صغيرة لا يراها أحد؛ معركة لا تُدون في سيرة حياة، لكنها تُكتب في هيئة هدوء جديد، وصبر أعمق، ونظرة مختلفة إلى الأشياء. بل إن هناك لحظات يظن فيها الإنسان أنه واقف في مكانه، بينما هو في الحقيقة يتسع دون أن يُرى، مثل شجرة تمد جذورها بهدوء تحت الأرض، دون أن يشعر بها أحد.
وربما نفهم هذه الحقائق أكثر حين نراها في قصص غيرنا. ففي إحدى الأيام، سمعت قصة خطّاط عاش عمره يلاحق اكتمال الجمال. كان يبحث عن لوحة تليق بسنوات تعبه؛ فبدأ يرسم لوحة معقّدة التفاصيل، مهيبة الألوان، دقيقة الرسم، لكنها مهما اكتملت كان يصرّ على وجود زاوية خالية لا يمسّها بقلمه. سأله تلميذه الصغير يوما: لماذا تركت هذا الجزء ناقصا؟ هل ضَعُف تركيزك؟ أم لم تجد ما يليق بها؟ ابتسم الخطاط وترك السؤال معلّقا لسنوات، وكأن تلك الزاوية كانت تملك سرا لا يستعجل كشفه.
بعد زمن طويل، عاد التلميذ إلى معلمه، وقد صار فنانا بدوره، فوجد تلك الزاوية مكتملة بآيةٍ كُتبت بخطّ يختلف عن سائر اللوحة، كأنه خُلق بعد النضج لا بعد التعلّم. عندها فهم: لم يكن الخطاط عاجزًا عن إكمالها، بل كان ينتظر أن تكتمل روحه ليكتب الجزء الأجمل. بعض الأعمال لا تنمو بمهارتنا وحدها… بل بنضجنا نحن. بعض الاكتمالات تأتي في الوقت الذي نكون فيه مستحقين لها، لا حين نكون مستعجلين عليها.
هذه القصة جعلتني أرى أن ما لم يحدث بعد، قد يكون في طريقه إلينا ببطء محسوب، وأن بعض التأخيرات ليست فشلا، بل نوعا من الاحترام لما يجب أن نكون عليه حين نصل. ربما نحن لا نحصل على الأشياء حين نريدها، لأن الله ينتظر أن نصبح قادرين على فهمها والعيش معها بوعي أكبر. فما قيمة نجاح لم نبلغ عمره الداخلي؟ وما قيمة علاقة لا يقابلها نضج؟ وما قيمة مكسب لا يملك صاحبه اتساع الروح لاحتوائه؟ لقد صار واضحًا لي أن الحياة لا تمنحنا الأشياء لأنها قريبة، بل لأنها مناسبة.
وكلما نظرت حولي، أيقنت أن كثيرا مما ننتظره ليس متأخرا كما نظن، وإنما نحن من كنا نحتاج أن نتأخر قليلا، لنصل أكثر وعيا، أكثر قوة، وأكثر استعدادا. فالله لا يعطينا الأشياء حين نطلبها، بل حين نصبح قادرين على حملها. وهذا أعظم أشكال الرحمة التي لا ننتبه لها. وإن لحظات الشفاء دائما هادئة، لكنها أصدق من كل الكلمات؛ لأنها تغيّرنا دون أن نسألها، وتجعلنا نكفّ عن الركض، ونتجه إلى العيش لا إلى المطاردة المستمرة لشيء لا نعرف إن كنا أهلا له.
ولست أنكر أن هناك أشياء تمنيت أن تحدث ولم تحدث، لكنها حين لم تقع، حدثت داخلي بطريقة أخرى؛ صنعت اتزاني، وقوّت ظهري، وعلّمتني ألا أطلب من الحياة إلا ما يستحق أن يبقى. وبعض الأشخاص الذين لم يكتمل حضورهم، اكتمل أثرهم. وبعض الطرق التي لم أسلكها، علّمتني أين أضع قدمي في الطرق الأخرى. اليوم لم أعد أبحث عن اكتمال خارجي، بقدر ما أبحث عن اكتمال هادئ في داخلي؛ يشبه تلك الزاوية التي انتظر الخطاط عمرا ليملأها، لأنها تحتاج إلى قلب كامل، لا إلى يد ماهرة. فالسلام الذي نبنيه في أنفسنا أهم من الصورة التي نُظهرها للعالم.
أستطيع القول الآن: لست هو الشخص الذي كنته قبل سنة، ولا قبل شهر، ولا حتى قبل أسبوع. هناك شيء يتغيّر في داخلي كلما ظننت أنني انتهيت؛ شيء يعيد تشكيل روحي، ويربّت على كتفي، ويقول لي بهدوء يشبه دعاء:
سأكشف لك ما كنت تريده… حين تصبح جديرا برؤيته.
سأعطيك ما تمنيت… حين تتعلم كيف تحمله دون أن يؤذيك.
سأريك من أنت… قبل أن أريك ما تريد أن تكون.
وهكذا تعلمت أن ما لم يحدث بعد، يحدث في داخلي أولا. وأن هذا وحده يكفيني لأمضي بخفة، دون خوف من الغد، ودون انتظار طويل يشقّ القلب. لأن أكثر الانتصارات صمتا، هي تلك التي تحدث في الداخل قبل أن يراها أحد، وتصبح بعد حين أكبر مما تمنيناه، تماما كزاوية انتظرت سنوات حتى اكتملت، لأنها كانت تنتظر اكتمال صاحبها أولا.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.