جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-24@02:08:48 GMT

اكتمال ينتظر صاحبه

تاريخ النشر: 30th, November 2025 GMT

اكتمال ينتظر صاحبه

 

 

 

سلطان بن محمد القاسمي

لم يتغير شيء حولي تقريبًا، نفس الأماكن، نفس الوجوه، نفس التفاصيل التي تتكرر كل يوم دون إضافة تُذكر. ومع ذلك، بدا في داخلي شيء لا يشبه هذا الثبات؛ كأن القلب يلتفت إلى جهة لا تراها العين بعد، وكأن الهدوء الذي يسكنني ليس وليد ما يحدث، بل ما يستعد أن يحدث دون إعلان. شعرت وكأن الحياة تُجري تعديلا صغيرا في أعماقي، لا أرى أثره بوضوح، لكنني أتبينه في طريقة استيعابي للأمور، في صبري الذي لم أعرف متى تعلّمته، وفي اتساع روحي لما كان يزعجها من قبل.

ببطء لا يسمعه أحد، بدأت بعض المعاني تتحرك في داخلي وتعيد ترتيب نفسها، كما لو أنها تهيئني لمرحلة لم أصل إليها بعد. لا جديد في الخارج، لكن هناك اتساعا لطيفا في الداخل، يشبه التنفس بعد ضيق طويل، ويشبه القوة حين تتشكل قبل الحاجة إليها. ومع مرور الأيام، اكتشفت أن القرارات التي لم أتخذها بعد كانت تبنيني بصمت، تدرّبني على ما هو قادم، وتختبر مدى اتزاني قبل أن أحتاجه. عندها أدركت أن الإنسان لا ينتظر التغييرات لتصنعه؛ بل يتغيّر قبل أن يعرف ماذا ينتظر، وكل ما يكتمل في الخارج يكون قد اكتمل قبل ذلك بكثير في القلب أولًا. فبعض النضج لا يعلن عن نفسه، لكنه يغيّر طريقة رؤيتنا لكل شيء.

ولعلّ أجمل ما يحدث لنا أننا نُشفى قبل أن نعرف أننا كنا مجروحين، ونصعد قبل أن ندرك أننا كنا في القاع؛ ففي داخل كل واحد منا معركة صغيرة لا يراها أحد؛ معركة لا تُدون في سيرة حياة، لكنها تُكتب في هيئة هدوء جديد، وصبر أعمق، ونظرة مختلفة إلى الأشياء. بل إن هناك لحظات يظن فيها الإنسان أنه واقف في مكانه، بينما هو في الحقيقة يتسع دون أن يُرى، مثل شجرة تمد جذورها بهدوء تحت الأرض، دون أن يشعر بها أحد.

وربما نفهم هذه الحقائق أكثر حين نراها في قصص غيرنا. ففي إحدى الأيام، سمعت قصة خطّاط عاش عمره يلاحق اكتمال الجمال. كان يبحث عن لوحة تليق بسنوات تعبه؛ فبدأ يرسم لوحة معقّدة التفاصيل، مهيبة الألوان، دقيقة الرسم، لكنها مهما اكتملت كان يصرّ على وجود زاوية خالية لا يمسّها بقلمه. سأله تلميذه الصغير يوما: لماذا تركت هذا الجزء ناقصا؟ هل ضَعُف تركيزك؟ أم لم تجد ما يليق بها؟ ابتسم الخطاط وترك السؤال معلّقا لسنوات، وكأن تلك الزاوية كانت تملك سرا لا يستعجل كشفه.

بعد زمن طويل، عاد التلميذ إلى معلمه، وقد صار فنانا بدوره، فوجد تلك الزاوية مكتملة بآيةٍ كُتبت بخطّ يختلف عن سائر اللوحة، كأنه خُلق بعد النضج لا بعد التعلّم. عندها فهم: لم يكن الخطاط عاجزًا عن إكمالها، بل كان ينتظر أن تكتمل روحه ليكتب الجزء الأجمل. بعض الأعمال لا تنمو بمهارتنا وحدها… بل بنضجنا نحن. بعض الاكتمالات تأتي في الوقت الذي نكون فيه مستحقين لها، لا حين نكون مستعجلين عليها.

هذه القصة جعلتني أرى أن ما لم يحدث بعد، قد يكون في طريقه إلينا ببطء محسوب، وأن بعض التأخيرات ليست فشلا، بل نوعا من الاحترام لما يجب أن نكون عليه حين نصل. ربما نحن لا نحصل على الأشياء حين نريدها، لأن الله ينتظر أن نصبح قادرين على فهمها والعيش معها بوعي أكبر. فما قيمة نجاح لم نبلغ عمره الداخلي؟ وما قيمة علاقة لا يقابلها نضج؟ وما قيمة مكسب لا يملك صاحبه اتساع الروح لاحتوائه؟ لقد صار واضحًا لي أن الحياة لا تمنحنا الأشياء لأنها قريبة، بل لأنها مناسبة.

وكلما نظرت حولي، أيقنت أن كثيرا مما ننتظره ليس متأخرا كما نظن، وإنما نحن من كنا نحتاج أن نتأخر قليلا، لنصل أكثر وعيا، أكثر قوة، وأكثر استعدادا. فالله لا يعطينا الأشياء حين نطلبها، بل حين نصبح قادرين على حملها. وهذا أعظم أشكال الرحمة التي لا ننتبه لها. وإن لحظات الشفاء دائما هادئة، لكنها أصدق من كل الكلمات؛ لأنها تغيّرنا دون أن نسألها، وتجعلنا نكفّ عن الركض، ونتجه إلى العيش لا إلى المطاردة المستمرة لشيء لا نعرف إن كنا أهلا له.

ولست أنكر أن هناك أشياء تمنيت أن تحدث ولم تحدث، لكنها حين لم تقع، حدثت داخلي بطريقة أخرى؛ صنعت اتزاني، وقوّت ظهري، وعلّمتني ألا أطلب من الحياة إلا ما يستحق أن يبقى. وبعض الأشخاص الذين لم يكتمل حضورهم، اكتمل أثرهم. وبعض الطرق التي لم أسلكها، علّمتني أين أضع قدمي في الطرق الأخرى. اليوم لم أعد أبحث عن اكتمال خارجي، بقدر ما أبحث عن اكتمال هادئ في داخلي؛ يشبه تلك الزاوية التي انتظر الخطاط عمرا ليملأها، لأنها تحتاج إلى قلب كامل، لا إلى يد ماهرة. فالسلام الذي نبنيه في أنفسنا أهم من الصورة التي نُظهرها للعالم.

أستطيع القول الآن: لست هو الشخص الذي كنته قبل سنة، ولا قبل شهر، ولا حتى قبل أسبوع. هناك شيء يتغيّر في داخلي كلما ظننت أنني انتهيت؛ شيء يعيد تشكيل روحي، ويربّت على كتفي، ويقول لي بهدوء يشبه دعاء:

سأكشف لك ما كنت تريده… حين تصبح جديرا برؤيته.

سأعطيك ما تمنيت… حين تتعلم كيف تحمله دون أن يؤذيك.

سأريك من أنت… قبل أن أريك ما تريد أن تكون.

وهكذا تعلمت أن ما لم يحدث بعد، يحدث في داخلي أولا. وأن هذا وحده يكفيني لأمضي بخفة، دون خوف من الغد، ودون انتظار طويل يشقّ القلب. لأن أكثر الانتصارات صمتا، هي تلك التي تحدث في الداخل قبل أن يراها أحد، وتصبح بعد حين أكبر مما تمنيناه، تماما كزاوية انتظرت سنوات حتى اكتملت، لأنها كانت تنتظر اكتمال صاحبها أولا.

 

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار

صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.

وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of list

وكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.

وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".

وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.

وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.

جماهير الأرجنتين في تايمز سكوير بنيوورك خلال نهائي مونديال 2026 بين التانغو وإسانيا (الفرنسية)مصادرات عدة في مدن أمريكية

وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.

وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".

إعلان

وأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.

وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".

حيلة "المناشف"

وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.

وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.

وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.

وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.

مصادرة أقمصة مقلدة خاصة بمنتخبات كأس العالم 2026 (مواقع تواصل)

وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.

وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.

مقالات مشابهة

  • ماذا يحدث لجسمك عند تناول المانجو؟.. 7 فوائد صحية في موسمها
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • ماذا يحدث للجسم عند تناول الزيزفون
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • صعد 5 جنيهات.. ماذا يحدث للذهب في الصاغة الآن
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه