صالح بن سعيد الحمداني
"الفلوس تغيّر النفوس".. عبارة طالما اعتبرها البعض مبالغة أو حكاية شعبية تتداولها الألسنة في المقاهي والمجالس، لكن الوقائع اليومية تثبت أن لهذه المقولة جذورًا واقعية لا يمكن إنكارها، قد نشك أحيانًا في صحتها، لكننا نكتشف مع مرور الوقت أن المال ليس مجرد وسيلة للعيش وإنما أداة قادرة على قلب القيم والموازين وتحويل الصديق إلى خصم والمبادئ إلى شعارات مهجورة.
شهدتُ شخصيًا موقفًا يُجسِّد هذا التناقض الصارخ؛ شخصٌ كان بالأمس ينتقد فردًا آخر علنًا ويشكك في نواياه وأعماله ويمتدح من هو على النقيض منه متغنّيًا بنجاحه وتميّزه، لكن ومع أول بريق للمال تغيّر المشهد كليًا فأصبح ذلك المنتقد بالأمس صديقًا حميمًا لمن كان يُهاجمه، متجاهلًا كل ما كان يقوله وكأنَّ ذاكرته قد مُسحت تمامًا، وفي العلن يخشى أن يعلم الآخرون بعلاقته بذلك الشخص متناسيًا أننا نعيش في مجتمع أصبح كقرية صغيرة لا يمكن أن يختفي فيه سرّ، وعندما سُئل عن هذا التغير أجاب بلا تردد "المهم أن معي المال فأنا محتاج إليه فأنا باحث عن فرصة أو عن مصلحة مؤقتة".
وهنا يطرح السؤال نفسه هل الحاجة المادية تبرر التخلي عن المبادئ التي تربى عليها الإنسان؟ وهل الضائقة المالية يمكن أن تُحوِّل من كان وفيًا نزيهًا إلى شخص يلهث وراء المصلحة الشخصية دون اعتبارٍ للقيم؟ المؤسف أن الإجابة في كثير من الحالات هي "نعم"؛ فالبعض يسمح للمال بأن يعمي بصيرته فينسى من وقف إلى جانبه في أوقات الشدة ومن علّمه الأبجدية ويقابل المعروف بالجحود، وقد يقدّم أقسى الصفعات لمن مدّ له يد المحبة والوئام، والأخطر أن حب المال قد يقود بعضهم إلى ظلم الآخرين فيأخذون ما لا حق لهم فيه مستغلين الحاجة أو النفوذ متناسين أن هذا الظلم سيرتدّ عليهم يومًا وسيتجرّعون من نفس الكأس.
هذه الحالة لا تمثل مجرد سقوطٍ أخلاقي فهي تدخل ضمن ما يمكن وصفه بـ الفساد الذاتي؛ فالإنسان الذي يظلم نفسه قبل أن يظلم الآخرين حين يبيع قيمه مقابل المال هو في الحقيقة يختار طريق الانحدار الروحي والإنساني، والتاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن المال كان سببًا في تحطيم صداقات وتفكيك أسر وإشعال حروب وارتكاب جرائم وموت الضمير، لكن الأمر لا يتعلق بالمال في حد ذاته فالمال أداة محايدة يمكن أن تكون وسيلة للبناء أو للهدم، والمشكلة الحقيقية تكمن في عبودية المال فحين يصبح المعيار الوحيد لتحديد القرارات والمواقف هو المصلحة المادية الشخصية تحت شعار "أنا المهم مصلحتي فوق كل اعتبار".
ومن المؤسف أن هذا السلوك بات ينتشر في مجتمعاتنا العربية حيث نرى أشخاصًا يتخلّون عن مبادئهم بسهولة مقابل مكاسب آنية وكأن القيم الأخلاقية ترف يمكن الاستغناء عنه عند أول اختبار، والأخطر أن هذا النمط من التفكير يخلق بيئة خصبة للفساد على نطاق أوسع فحين يبرر الفرد لنفسه الظلم بحجة الحاجة أو الطموح المادي فهو يساهم في ترسيخ ثقافة تجعل المال فوق القانون وفوق الأخلاق.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة ترسيخ قيم النزاهة والوفاء في التربية والتعليم وغرس قناعة لدى الأجيال بأن المال وسيلة لا غاية وأن الكرامة والمبدأ لا يُقدّران بثمن، كما إن دور المجتمع لا يقل أهمية؛ إذ يجب أن يكرّم ويحتفي بالنماذج التي تلتزم بالقيم رغم المغريات لا تلك التي تبرر الانتهازية وتصفها بـ"الذكاء"؛ فالمال قادر على تغيير النفوس ولكن هذا التغيير ليس قدرًا محتومًا؛ فالنفوس القوية المتمسكة بالمبادئ تستطيع أن تجعل المال خادمًا لا سيدًا ووسيلةً للخير لا أداةً للفساد، والتحدي الأكبر أمام كل فرد هو أن يسأل نفسه في كل موقف "هل أنا أمتلك المال، أم أن المال هو الذي يمتلكني"؟!
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
صحف عالمية: إسرائيل تدعم لصوص غزة وشرطتها أداة سياسية لدى بن غفير
تناولت صحف ومواقع عالمية ما وصفته بتفاقم الانفلات الأمني في قطاع غزة، مشيرة إلى اتهامات مباشرة لإسرائيل بدعم مجموعات تنهب قوافل المساعدات، إلى جانب تحول الشرطة الإسرائيلية إلى أداة سياسية خاضعة لنفوذ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
ونقلت الغارديان عن المؤرخ الفرنسي جان بيير فيليو مشاهدته أدلة مقنعة على دعم إسرائيل عمليات نهب استهدفت قوافل الإغاثة في جنوب القطاع، مؤكدا أن حجم الانتهاكات يعكس سياسة منهجية تتجاوز مجرد فوضى الحرب.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2بالأرقام.. دراسة مثيرة تقارن بين القدرات العسكرية لروسيا وأوروباlist 2 of 2واشنطن بوست: البشر قتلوا ملايين النسور والآن يدفعون الثمنend of listووفق شهادته، فإن الجيش الإسرائيلي أطلق النار على عناصر أمن فلسطينية رافقت القوافل باعتبارها تابعة لشرطة غزة، وروى حادثة قرب المواصي حين تعرضت قافلة تضم 66 شاحنة لإطلاق نار سريع أدى إلى تفكك الحماية.
وأشار فيليو إلى أنه رأى من موقع قريب طائرات مسيّرة إسرائيلية توفر غطاء لمهاجمين وصفهم باللصوص الذين استهدفوا فرق الحماية المحلية، في حين نفت إسرائيل ذلك، لكنها أقرت بدعم مليشيا "القوات الشعبية" التي ضمت عناصر متهمة بالنهب.
تآكل الثقة في إسرائيلوفي سياق مواز، اعتبرت هآرتس أن الشرطة الإسرائيلية باتت أداة سياسية في يد بن غفير، لافتة إلى ارتفاع الجريمة وزيادة الاعتقالات التعسفية بحق متظاهرين غير عنيفين خلال فترة توليه منصبه، في مؤشر على تآكل ثقة الجمهور بالمؤسسة الأمنية.
وأوضحت الصحيفة أن الشرطة تستخدم وسائل قمعية تشمل مراقبة الاحتجاجات واستجواب قادة المتظاهرين وعمليات تفتيش مهينة، مشيرة إلى أن ضباطا خالفوا القانون لم يتعرضوا لمحاسبة جدية بل تلقى بعضهم عقوبات شكلية وترقيات محتملة.
وأكدت هآرتس أن هذا التحول جعل الشرطة تسعى لكسب رضا بن غفير، مما أدى -حسب تعبيرها- إلى فقدان قيم أساسية تتعلق بحماية الديمقراطية وخدمة الجمهور، في ظل تصاعد مخاوف من تسييس الأجهزة الأمنية.
في حين تناولت يديعوت أحرونوت ما وصفته الحاجة الملحة للمحافظة على "المنطقة العازلة" في قطاع غزة، معتبرة أن عمقها يشكل عاملا مركزيا في الأمن الإسرائيلي، ولا ينبغي التراجع عنه حتى تحت ضغط الولايات المتحدة.
إعلانورأت الصحيفة أن غزة لم تتغير ولن تتغير في منظور قريب، ولذلك فإن العودة إلى خط الحدود الأصلي يجب ألا تكون مطروحة، لأن ذلك قد يفضي -وفق تعبيرها- إلى نتائج خطِرة على الأمن القومي.
العدالة الانتقالية بسورياوفي ملف آخر، توقفت نيويورك تايمز عند خطوات "العدالة الانتقالية" في سوريا، موضحة أن محاكمة 14 شخصا بتهم متعلقة بالعنف الطائفي جرت وسط ترحيب من نشطاء حقوقيين، رغم أن انتهاكات نظام الأسد ما زالت تنتظر المحاسبة.
وذكرت الصحيفة أن هذه الجلسات أثارت تساؤلات بين سوريين يرون أن العدالة لا يمكن أن تكتمل دون معالجة إرث سنوات طويلة من الانتهاكات المرتكبة خلال حكم النظام السابق، مما يجعل المشهد القانوني الحالي غير مكتمل.
وفي الشأن الأوكراني، نشرت تليغراف مقالا للسفير الأوكراني لدى بريطانيا فاليري زالوجني، أكد فيه أن أولوية كييف هي سلب موسكو القدرة على شن عدوان جديد، مع الحفاظ على جاهزيتها العسكرية والسياسية في مواجهة ضغوط الحرب.
ورأى زالوجني أن موسكو لا تتوقف عند دونيتسك، بل تسعى لإضعاف أوكرانيا على المستويات كافة، مشيرا إلى ضرورة إبقاء خيار السلام طويل الأمد مفتوحا، لأن أي هدنة قد تمنح بلاده فرصة لإعادة الإعمار واستعادة النمو بدل الاستنزاف المستمر.