أكل كلاب وقطط ولحوم بشر.. بعد ظهورها في مسلسل الحشاشين تعرف على الشدة المستنصرية
تاريخ النشر: 13th, March 2024 GMT
ظهر أمس في مسلسل الحشاشين جماعة الشدة المستنصرية، والمجاعة التي شهدتها مصر فلم تشهد مصر تجربة أليمة ومروعة مثل فترة الشدة المستنصرية، استمرت هذه الفترة لسبع سنوات مليئة بالعجاف والمحن.
تميزت بانخفاض مستوى المياه وجفاف الأراضي الزراعية، مما أدى إلى موت النباتات وانقطاع إنتاج الغذاء، فقد فقد الناس وظائفهم وانخفضت قيمة الأموال، وتدهورت الظروف الاقتصادية والأمنية بشكل كبير، مما أثر سلبًا على حياة الناس وزاد من معاناتهم.
على الرغم من أنه قد يبدو للبعض أن الظروف الصعبة في تلك الفترة نتجت عن قمع وظلم الحاكم المستنصر، إلا أن الحقيقة هي أن المستنصر كان حاكمًا عادلاً ومحبوبًا من شعبه، وكانت الأسباب وراء هذه الشدة مختلفة تمامًا عن الظلم والاضطهاد.
تعتبر الشدة المستنصرية العظمى التي بدأت في عام 457 هـ من أسوأ الأزمات التي مرت بها مصر، كان أحد الأسباب الرئيسية وراء هذه الأزمة هو انخفاض منسوب المياه، ولكن الأسباب المعقدة والمتعددة ساهمت أيضًا في تفاقم الأزمة. تدخل المستنصر بن الفاطمي في شؤون الحكم بشكل مباشر كان من أبرز تلك الأسباب، حيث تولى منصب وزير الدولة وسمح له بتعيين من يريد في هذا المنصب دون أي قيود، مما أدى إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية.
كما تسببت الصراعات العسكرية التي نشبت بين الجيش الفاطمي والعناصر العسكرية الأخرى في تفاقم الأزمة، تحالف الجيش الفاطمي مع الجنود الترك والبربر أدى إلى طرد الأجناد السودانيين من القاهرة وتفاقم الفساد في المناطق التي سيطروا عليها، أما الأتراك فقد غدروا بالبرابرة وسيطروا على القاهرة، مما أدى إلى نهب الثروات وانقطاع سبل النقل وتدهور الوضع الاقتصادي بشكل كبير، وبالإضافة إلى هذه الأسباب، كان انخفاض منسوب المياه اللازمة للزراعة السبب الرئيسي وراء النقص الشديد في إمدادات الغذاء.
لم يعرف المصريين سنين عجاف كهذه السبعة التي أذلتهم، لم تعد هناك حياة كما يعرفها البشر فلقد فقد المصريين الغلة والقمح واللحوم وغيرها من صنوف الطعام. كانت الشدة المستنصرية ضربًا من ضروب الخيال التي يعجز العقل البشري عن تصديقها، فلقد أكل المصريين الميتات والجيف حتى أصبحت الكلاب والقطط تباع بأسعار باهظة لا يقوي عليها إلا كل ثري. وبعد فترة ليست بكبيرة اختفت الكلاب والقطط من الشوارع، أما عن سعر رغيف الخبز فلقد بلغ خمسة عشر دينارًا وثمن البيضة الواحدة من بيض الدجاج عشرة قراريط أما رواية الماء فقد بلغت سعرها دينارًا.
أصبحت الأملاك كافة غير قادرة على شراء الموارد التي أصابتها الندرة وهو مبدأ اقتصادي معروف. ذٌكر أن وزير الدولة ذهب في التحقيق في إحدى الوقائع وعندما خرج لم يجد بغلته فلقد خطفها الناس وأكلوها، أما الطامة الكبري فهي أن الناس بدأت تأكل بعضها البعض.
ولأول مرة في تاريخ المحروسة أكل المصريون بعضهم، بدأت هذه الفاجعة بعد حدوث واقعة سرقة بغلة الوزير، فلقد ألقى الوزير القبض على ثلاثة ممن أكلوا بغلته وقام بصلبهم وعند الصبيحة لم يتبق من هذه الأجساد سوي العظام حيث التهم الناس لحومهم من شدة الجوع. وذٌكر أن هنالك زقاق يسمي بزقاق القتل كانت المنازل فيه منخفضة فعمل سكانها على إنزال الخطاطيف يصطادون بها المارة ومن ثم أكلهم. وصل الناس إلى درجة بيع كل ممتلكاتهم من أجل الحصول على الطعام فلم تعد للأموال فائدة أمام نُدرة الموارد، فلقد ذُكر أن النساء كُن يبعن مجوهراتهن الثمينة من أجل الحصول على قليل القليل من الطعام.
واقعة المرأةهناك واقعة شهيرة في تاريخ مصر تعرف بـ "واقعة المرأة"، وهي واقعة حدثت خلال فترة الشدة المستنصرية. في هذه الواقعة، قامت امرأة ببيع عقد ثمين بقيمة ألف دينار للحصول على القليل من الدقيق. وأثناء عودتها إلى المنزل، تم نهب الدقيق منها من قبل الناس، وبقي لديها فقط رغيف واحد من الخبز. فقامت الامرأة بالوقوف على مكان مرتفع وصرخت بأعلى صوتها، داعية اهل القاهرة للدعاء للخليفة المستنصر بالله الذي جلب السعادة والبركة للناس في أيامه.
تفاقمت الأزمة ووصلت الشدة إلى المستنصر نفسه. وصلت الأمور إلى حد أنه لم يعد لديه شيء في حظيرته وباع رخام قبور آبائه وأجداده لشراء الطعام. وأصبح مدينًا بحياته لابنة واحد من الفقهاء التي قدمت له تصدقًا برغيفين يوميًا. في هذه الفترة، مات ثلث سكان المحروسة وتم بيع بيوت ثمينة من أجل شراء الخبز، وتفاقمت المجاعة بشكل متزايد حتى وصلت إلى أوجها.
لم يتحمل المستنصر المزيد من الأزمة، ولذلك طلب المساعدة من (بدر ابن عبد الله الجمالي)، الذي قد فقدت الدول العديد من البلدان التي كانت تحت سيطرته. وافق (الجمالي) على مساعدة المستنصر بشرط أن يتم تعيينه وزيرًا للدولة وأن يكون له سلطة كاملة لاستعادة النظام والاستقرار. بعد توليه المنصب، عمل (الجمالي) على إصلاح نظام الري وقنوات الري التي تعطلت، وأعطى اهتمامًا كبيرًا للزراعة. قام أيضًا بمحاربة الجند المتناحرة وطردهم من المحروسة.
بفضل جهود (الجمالي)، تم تحسين الوضع وعادت الأمور إلى طبيعتها. تم تجديد نهر النيل وتلاشت المجاعة. وتُذكر ذكرى (الجمالي) بتسمية حي في المحروسة باسمه، كما أنه صار رمزًا للعدل والإصلاح في تلك الفترة الصعبة من تاريخ مصر.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الشدة المستنصرية الحشاشين الظروف الاقتصادية المحروسة المستنصر بالله أدى إلى
إقرأ أيضاً:
حكم بيع الثمار بعد ظهورها على الأشجار وقبل أن تطيب.. الإفتاء توضح
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: ما حكم بيع الثمار بعد ظهورها على الأشجار ولكن قبل أن تطيب؟
وأجابت دار الإفتاء عن السؤال قائلة: يجوز التعاقد بيعًا وشراءً على الثمار بعد ظهورها على الأشجار بمجرد أَمْن العاهة والفساد بمعرفة أهل الخبرة قبل أن تطيب للأكل كما هو مذهب السادة الحنفية، أمَّا قَبْل أمن العاهة والفساد فجائزٌ عندهم بشرطين:
والآخر: أن يكون الثمر منتفعًا به في الحال أو المآل؛ سواء في الأكل أو علف الدواب أو غير ذلك، حتى يصدق عليه أنه مالٌ متقوَّم.
حكم بيع الثمار بعد الظهور وقبل النضوج وبيان المراد بذلك
وأوضحت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمار بعد ظهورها وقبل بُدُوِّ صلاحها؛ فروى الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا؛ نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ".
والمراد بِبُدُوِّ الصلاح عند جمهور الفقهاء: أول ظهوره وبدايته بحيث تكون الثمرة صالحةً للأكل، وذلك يختلف باختلاف نوعها؛ فمنها ما يكون بتغير لونها، وأخرى بتغير طعمها، وثالثة بالخبرة، وأن تؤمن فيها العاهة والفساد وتغلب السلامة، وليس المراد كمال النضج؛ حيث عبّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «حتى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا»، ولم يقل: "حتى يتم صلاحها".
وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعَمَ -أي تصلح للأكل-" رواه مسلم. وفي رواية أحمد: "حَتَّى تَطِيبَ".
قال الإمام ابن رشد المالكي في "بداية المجتهد" (3/ 170، ط. دار الحديث): [وأما بدو الصلاح الذي جوّز رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم البيعَ بعده، فهو أن يصفر فيه الْبُسْرُ، وَيَسْوَدَّ فيه العنب إن كان مما يَسْوَدُّ، وبالجملة أن تظهر في الثمر صفة الطيب. هذا هو قول جماعة فقهاء الأمصار؛ لما رواه مالكٌ، عن حميدٍ، عن أنسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ -أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم- عَنْ قَوْلِهِ: «حَتَّى يُزْهِيَ»، فَقَالَ: «حَتَّى يَحْمَرَّ»] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (11/ 440، ط. دار الفكر) في بيان هذا المعنى: [بُدُوُّ الصلاح يرجع إلى تغير صفةٍ في الثمرة؛ وذلك يختلف باختلاف الأجناس، وهو على اختلافه راجعٌ إلى شيءٍ واحدٍ مشتركٍ بينهما وهو طيب الأكل] اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (4/ 396، ط. دار المعرفة): [وقد جعل النهي ممتدًّا إلى غاية بُدُوِّ الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهةُ وتغلب السلامةُ فيثق المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بُدُوِّ الصلاح؛ فإنه بصدد الغرر] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (4/ 69، ط. مكتبة القاهرة): [فإن كانت ثمرة نخلٍ: فبدو صلاحها أن تظهر فيها الحمرة أو الصفرة. وإن كانت ثمرة كرمٍ: فصلاحها أن تتموه. وصلاح ما سوى النخل والكَرمِ: أن يبدو فيها النضج. وجملة ذلك: أن ما كان من الثمرة يتغير لونُهُ عند صلاحه؛ كثمرة النخل، والعنب الأسود، والإِجَّاصِ -أي الكمثرى والمشمش-: فبدو صلاحه بذلك -أي بتغير لونه-. وإن كان العنب أبيض: فصلاحه بِتَمَوُّهِهِ؛ وهو أن يبدو فيه الماء الحلو، ويلين، ويصفر لونه. وإن كان مما لا يتلون؛ كالتفاح ونحوه: فَبِأَن يحلو، أو يطيب. وإن كان بطيخًا أو نحوه: فَبِأَن يبدو فيه النضج. وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل طيبًا صغارًا وكبارًا؛ كَالقِثَّاءِ والخيار: فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادةً] اهـ.
واكتفى الحنفية في بدو الصلاح بأمن العاهة والفساد وإن لم تطب الثمرة على النحو الذي فصلته المذاهب الأخرى؛ قال الإمام ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار على الدر المختار" (4/ 555، ط. دار الفكر): [بدو الصلاح عندنا: أن تؤمن العاهة والفساد] اهـ.
إلا أن الفقهاء قد فرقوا في هذه المعاملة بين ثلاث صور:
الأولى: البيع بعد ظهور الثمار قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القطع: فاتفقوا على جوازها؛ لما رواه الإمام مسلم في "صحيحه" بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ»، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن العلة التي علَّل بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهيه عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها هي خوف الآفة على الثمر، ومع وجود القطع فإن هذه العلة غير متحققة، والأحكام تدور مع عللها وجودًا وعدمًا.
قال الإمام ابن عابدين في "رد المحتار" (4/ 555): [قال في "الفتح": لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح، لكن بدو الصلاح عندنا: أن تؤمن العاهة والفساد] اهـ.
والثانية: البيع بعد الظهور قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط الترك: وهذه الصورة قد أجمع الفقهاء على بطلانها؛ لأنه شرطٌ لا يقتضيه العقد، ولأنه شغلٌ لملك الغير؛ قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (4/ 63): [وإذا اشترى الثمرة دون الأصل ولم يبد صلاحها على الترك إلى الجزاز؛ لم يَجُزْ. وإن اشتراها على القطع؛ جاز. لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية؛ فلا يصح البيع إجماعًا؛ «لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ نهى البائع والمبتاع» متفق عليه. النهي يقتضي فساد المنهي عنه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث] اهـ.
والثالثة: البيع بعد الظهور قبل بُدُوِّ الصلاح بغير شرط -أي بيعًا مطلقًا-: وهي محل الخلاف بين الفقهاء:
فذهب جمهور الفقهاء إلى القول بمنع هذه الصورة من التعامل؛ أخذًا بظاهر النصوص الواردة، واحترازًا عن الوقوع في الغرر، ومنعًا للنزاع والشقاق بين المتعاملين.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (4/ 396، ط. دار المعرفة): [(نهى البائعَ والمشتري)؛ أما البائع: فلِئَلَّا يأكل مالَ أخيه بالباطل. وأما المشتري: فلِئَلَّا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل، وفيه أيضًا قطع النزاع والتخاصم، ومقتضاه جواز بيعها بعد بُدُوِّ الصلاح مطلقًا؛ سواء اشترط الإبقاء أم لم يشترط؛ لأن ما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدًّا إلى غاية بُدُوِّ الصلاح، والمعنى فيه أن تؤمن فيها العاهةُ وتغلب السلامةُ فيثق المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بُدُوِّ الصلاح؛ فإنه بصدد الغرر.. وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور. وعن أبي حنيفة: إنما يصح بيعها في هذه الحالة حيث لا يشترط الإبقاء، فإنْ شرطه لم يصح البيع] اهـ.
توجيه السادة الأحناف ما ورد من النهي عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها
ذهب الحنفية إلى القول بجوازها، وحملوا النهي على ما قبل ظهور الثمر بشرط الترك على الشجر، وعلى ما بعد ظهوره بشرط القطع؛ وهذا لا خلاف في منعه؛ قال الإمام ابن عابدين في "رد المحتار" (4/ 555): [والخلاف إنما هو في بيعها قبل بُدُوِّ الصلاح على الخلاف في معناه لا بشرط القطع: فعند الشافعي ومالكٍ وأحمد: لا يجوز.
وعندنا: إن كان بحالٍ لا ينتفع به في الأكل ولا في علف الدواب؛ فيه خلافٌ بين المشايخ، قيل: لا يجوز، ونسبه قاضي خان لعامة مشايخنا. والصحيح: أنه يجوز؛ لأنه مالٌ منتفعٌ به في ثاني الحال إن لم يكن منتفعًا به في الحال -بمعنى أنه مالٌ متقوَّم-] اهـ.
وقال الإمام ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (5/ 325، ط. دار الكتاب الإسلامي): [وأجاب عنه -أي عن الحديث الوارد بالنهي- الإمامُ الحلواني كما في "الخانية": أنه محمولٌ على ما قبل الظهور، وغيره على ما إذا كان بشرط الترك، فإنهم -أي الجمهور- تركوا ظاهره -أي الحديث-؛ فأجازوا البيع قبل بدو الصلاح بشرط القطع، وهي معارضةٌ صريحةٌ لمنطوقه؛ فقد اتفقنا -أي الحنفية والجمهور- على أنه متروكُ الظاهر، وهو لا يحل إن لم يكن لموجب، وهو عندهم: تعليله عليه الصلاة والسلام بقوله: «أرأيتَ إن منع اللهُ الثمرةَ؛ فيما يَستَحِلُّ أحدُكُم مالَ أخيه»، فإنه يستلزم أن معناه أنه نهى عن بيعها مدركةً -أي على أنها قد أدركت الصلاح- قبل الإدراك -أي قبل أن تدركه حقيقةً-؛ لأن العادة أن الناس يبيعون الثمار قبل أن تقطع، فنهى عن هذا البيع قبل أن توجد الصفة المذكورة، فصار محل النهي بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط الترك إلى أن يبدو الصلاح، والبيع بشرط القطع لا يُتَوَهَّمُ فيه ذلك، فلم يكن متناولًا للنهي، وإذا صار محله بيعها بشرط تركها إلى أن تصلح فقد قضينا عهدة هذا النهي؛ فإنا قد قُلنا بفساد هذا البيع، فبقي بيعُها مطلقًا غيرَ متناولٍ للنهي بوجهٍ من الوجوه] اهـ.
وذكرت انه يتبين من هذا الكلام أن الحنفية قد اشترطوا لجواز هذا الصورة شرطين:
أحدهما: أن يكون البيع مطلقًا بلا شرط؛ فلا يشترط البائعُ على المشتري قطع الثمار في الحال عند الشراء، ولا يشترط المشتري على البائع ترك الثمار في الأشجار إلى تمام النضج.
والمستفاد من هذا الشرط أنه لا مانع من بقاء الثمار في الأشجار حتى تطيب لكن من غير أن يكون ذلك شرطًا في العقد.
والآخر: أن يكون الثمر منتفعًا به في الحال أو المآل؛ سواء في الأكل أو علف الدواب أو غير ذلك، حتى يصدق عليه أنه مالٌ متقوَّم.
وأكدت بناءً على ما سبق: أنه يجوز التعاقد بيعًا وشراءً على الثمار بعد ظهورها على الأشجار بمجرد أَمْن العاهة والفساد بمعرفة أهل الخبرة قبل أن تطيب للأكل كما هو مذهب السادة الحنفية، أمَّا قَبْل أمن العاهة والفساد فجائزٌ بشرطيه عندهم.