هل عادت الصراعات في الساحل لمرحلة جديدة من الحرب الباردة؟
تاريخ النشر: 22nd, March 2024 GMT
نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، في افتتاحيتها، تقريرًا سلطت من خلاله الضوء على الوضع في الساحل الإفريقي؛ حيث تعود الصراعات إلى مرحلة جديدة من الحرب الباردة، مشيرة إلى تنامي التوترات بين القوى الكبرى مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة، وتأثيرها على الديناميات السياسية والأمنية في المنطقة.
وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن "الإهانة التي تعرضت لها واشنطن من قبل المجلس العسكري الحاكم في النيجر، والذي طالب يوم السبت بالانسحاب الفوري للجنود الأمريكيين من البلاد، يشير إلى الرغبة في تغيير التحالفات بشكل جذري، حيث أصبحت نيامي الآن حليفة لموسكو".
وأوضحت الصحيفة أنه "منذ اندلاعها في سنة 2020، كان يُنظر إلى سلسلة الانقلابات العسكرية التي أوصلت ضباطًا معادين لفرنسا إلى السلطة في ثلاثة دول بالساحل، وهي مالي وبوركينا فاسو ثم النيجر، على أنها ناجمة عن رغبة في الانفصال عن مستعمرهم السابق".
وتابعت: "قد أضاف الإخلاء الوحشي للجنود الأمريكيين، الذي أعلنه يوم السبت 16 آذار/ مارس المجلس العسكري النيجري بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، بُعدًا آخر للموجة الاستبدادية التي اجتاحت هذه المنطقة من القارة الأفريقية: وهي العودة إلى "الحرب الباردة"، كما كان الحال عندما أصبحت إفريقيا، في الستينيات والتسعينيات، بعد إنهاء الاستعمار، ساحة للمواجهات بالوكالة بين الشرق والغرب".
وأضافت الصحيفة أن "القطيعة مع فرنسا التي تلت انقلاب 26 تموز/ يوليو 2023 أسفرت عن التنديد باتفاقيات الدفاع مع باريس ورحيل آخر جندي فرنسي من النيجر نهاية كانون الأول/ ديسمبر؛ وكانت الولايات المتحدة بدورها حريصة على عدم مواجهة نفس المصير لجنودها البالغ عددهم نحو ألف، والمتمركزين بشكل رئيسي في أغاديز، وهي قاعدة إستراتيجية للقتال ضد الجهاديين وكذلك لوقف النفوذ المتزايد لروسيا".
"وقد نأوا بأنفسهم عن "الأخطاء الفادحة" في باريس، واستغرقوا شهرين ونصف لوصف الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال تياني على أنه "انقلاب دولة" واحتفظوا بسفارتهم في نيامي، بينما تم طرد الممثل الفرنسي. واعتقدت دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا وإيطاليا، أن بإمكانها تحرير نفسها من الموقف الفرنسي والحفاظ على العلاقات مع النيجر"، استرسل التقرير نفسه.
وأضاف: "وجاء ذلك بعد الإعلان، في كانون الأول/ ديسمبر، عن تعزيز التعاون العسكري بين نيامي وموسكو، وقد وجّه رئيس المجلس العسكري النيجري صفعة لواشنطن، حين رفض استقبال مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، ثم أعلن طرد الجنود الأمريكيون. كل ذلك يعكس الرغبة في عكس حقيقي للتحالفات. وبالنسبة للنيجر، التي يعتبرها الغربيون آخر دولة في المنطقة قد تستضيف قواتهم العسكرية، فأصبحت الآن حليفة لموسكو".
خطأ في تحليل الولايات المتحدة
ووفق الصحيفة، فإن "واشنطن تدعي ـرسمياـ أنها تنتظر "توضيحات" من نيامي، لكنها لا تستطيع إلا أن تلاحظ خطأها في التحليل فيما يتعلق بالمسار الذي اتخذته بعض دول غرب إفريقيا. وأثبت الموقف الأمريكي البهلواني أنه كان خطأً في التقدير. لكن ذلك لم يمنع من التشكيك في نفوذ الدول الغربية في هذا الجزء من القارة الأفريقية".
وأبرزت الصحيفة أن "تعليق المساعدات الأمريكية، وهو التزام قانوني بعد الانقلاب، لم يشجع النظام القائم في نيامي منذ 26 تموز/ يوليو على العودة إلى الديمقراطية. على العكس من ذلك، فإن هذا الطلب من واشنطن، حتى وإن تم التعبير عنه بصوت خافت، وتحذيرها من التأثيرات الخارجية الأخرى، فقد أدى إلى إثارة غضب المؤسسة العسكرية".
وأبرزت أنه "كما أنهم لم يترددوا في انتقاد الرغبة الأمريكية في "حرمان الشعب النيجري صاحب السيادة"، الذي لم تتح له الفرصة بعد للتعبير عن نفسه، من "الحق في اختيار شركائه"، مضيفة أنه: "لا يقتصر هؤلاء الشركاء على روسيا، فقد ضمت النيجر صوتها إلى أصوات مالي وبوركينا فاسو لتهنئة فلاديمير بوتين على إعادة انتخابه بعد مسرحية انتخابية".
وفي الختام، أشارت الصحيفة إلى أن "واشنطن كانت تشعر بالقلق أيضًا بشأن التقارب المحتمل بين طهران ونيامي، وهو قلق مدفوع بالتواجد الكبير لمخزون اليورانيوم في النيجر، بالنظر إلى الطموحات النووية للجمهورية الإسلامية. وبالتالي فإن النكسة الإستراتيجية التي ألحقها المجلس العسكري بالبلاد أصبحت أشد مرارة".
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة مقابلات سياسة دولية سياسة دولية الصين الولايات المتحدة روسيا الولايات المتحدة الصين روسيا المزيد في سياسة سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة دولية سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المجلس العسکری
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026